من سينتصر في النهاية: قيم الثورة التونسية أم الوهابية القطرية السعودية ؟ الجزء الأول بقلم رياض الصيداوي

الصراع القطري السعودي على أشده في كافة أرجاء الوطن العربي بما في ذلك تونس. الصراع يستهدف العقل السياسي عبر الإعلام والتمذهب الديني عبر الشيوخ. وفي كل الحالات، فإن مليارات الدولارات تم ضخها في هذا الصراع.

“الثورة التونسية” أحدثت مخاوفا كثيرة لأكثر من بلد عربي وبخاصة السعودية. فشعارها “شغل / حرية / كرامة وطنية” هو شعار إنساني خالد دغدغ أحلام شعوب كثيرة تريد التحرر والانعتاق من الهيمنة المزدوجة: الدكتاتورية الاستبدادية في الداخل والتبعية المطلقة للخارج عبر القواعد العسكرية الأجنبية. تطلع للحرية عبر عنه بشكل جمالي ملفت الشاعر القطري المسجون اضطهادا محمد بن الذيب العجمي في قصيدته “كلنا تونس / الياسمين” حينما قال : “وآه عقبال البلد التي جاهل حاكمها ويحسب أن العز بالقوات الأمريكية”. وهي دعوة للتحرر من الدكتاتورية ومن الاستعمار أيضا المتمثل في قاعدة “العديد” الجوية وقاعدة “السيلية” البرية في قطر.

الصراع القطري السعودي وصل ذروته هذه الأيام بسحب سفراء الإمارات والبحرين والسعودية من الدوحة. واشتعلت من جديد الحرب الإعلامية بين الطرفين. محمد بن الذيب العجمي ليس وحده المنبهر بالثورة التونسية وبقيمها بل كثيرون غيره. وهذا ما يرعب ويخيف، وبالتالي يجب الاستثمار في اختراق الثورة التونسية وضربها في المهد عبر المال والإعلام والشيوخ.

وحدثت مفارقات غريبة: في حين يسعى الشباب في الجزيرة العربية للتخلص من الوهابية نهائيا ولفضها فإن بعض الشباب التونسي ينقض على الزوايا الصوفية حرقا وتخريبا. قيم الثورة التونسية ستنتصر في النهاية وعلى الاثنين معا: إمبراطورية آل سعود وإمبراطورية آل ثاني الإعلامية والمشيخية. وهي ستستفيد من الصراع الشرس بين الوهابيتين القطرية والسعودية.

جذور الصراع

جذور الصراع متعددة بين البلدين وقد بدأت بخصومة عائلية حينما حاولت الرياض إعادة الأمير القطري المخلوع خليفة آل ثاني للحكم سنة 1995 عبر محاولة انقلاب عسكري على الأمير حمد الذي قام بدوره بانقلاب سابق على أبيه. الانقلاب فشل وأثمر عداوة ثأرية بين البلدين. الدوحة كانت تدور في فلك الرياض وتخضع لإستراتيجيتها، لكنها منذ سنة 1995 ستصبح المتمرد الأول على السياسة السعودية وخصمها العنيد في المنطقة. وسيتخذ الصراع بينهما شكل حرب باردة في مجالات الإعلام والدين والسياسة والتحالفات الخارجية. وستستثمر أموالا طائلة في هذا الصراع المتعدد الأبعاد.

الحرب الإعلامية

قبل بروز قطر على الساحة الإعلامية بتأسيس قناة “الجزيرة” كانت السعودية قد شكلت إمبراطورية إعلامية تدعمت بفائض هام من عائدات النفط. لقد برز مشروع الإعلام الديني الوهابي السعودي منذ ستينات القرن الماضي في إطار الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي والمنعكسة إقليميا في إطار الصراع بين اليسار العربي والقومية العربية من جهة والملكيات المحافظة من جهة أخرى.

القيادة السعودية شعرت بمدى خطورة أداة الدعاية الناصرية المتمثلة بخاصة في إذاعة “صوت العرب” وكذلك صحفها القوية مثل “الأهرام” وغيرها حيث نجح الإعلام “الناصري” في إحداث انقلابات عسكرية وثورات في ملكيات كثيرة في العراق سنة 1958 وفي اليمن سنة 1963 وفي ليبيا سنة 1969 ومحاولات في الأردن … كانت “فكرة الجمهورية” متفوقة على الملكيات وكانت أكثر شعبية وإغراء للمواطنين. مثلت فترة الخمسينات والستينات العصر الذهبي لتساقط الملكيات العربية وانتشار الفكر الجمهوري…

رد فعل القيادة السعودية كان في التحالف مع حركات الإخوان المسلمين في الستينات في مواجهة اليسار العربي بجميع أنواعه… لكنها لم تبدأ في تأسيس إمبراطورياتها الإعلامية إلا بعد طفرة العائدات النفطية التي جاءت بعد أزمة حضر النفط على الغرب على إثر حرب أكتوبر 1973. فجأة وجدت السعودية نفسها تمتلك عائدات مالية ضخمة جدا جاءتها من الريع النفطي. ووظفت جزءا منها في “الدعاية الوهابية” المعتمدة على خطاب مذهبي محلي خاص بمنطقة “نجد” لتحاول أن تجعله عالميا ينتشر بقوة المال والدعاية الإعلامية. (Hamadi Redissi 2007) .
كما أسست السعودية تنظيما دوليا سمته “رابطة العالم الإسلامي ” سنة 1962 ومقره مكة. (http://www.themwl.org/)
وفي المقابل، أشرفت قطر، وإن كان الأمر بشكل غير مباشر، على تأسيس”الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين” سنة 2004 ويرأسه الشيخ يوسف القرضاوي وينوبه من السنة العلامة عبد الله بن بيه ومن الشيعة العلامة محمد واعظ زاده الخراساني ومن الإباضية مفتي عمان الشيخ أحمد الخليلي. أقيم المؤتمر التأسيسي لها في لندن”. http://www.iumsonline.net/ar/
ودخل هذا التنظيم في صراع فقهي وديني مع السعودية لصالح قطر. أصبح لكل دولة شيوخها وإعلامها وفتواها في صراع سياسي محض.

أهداف الفضائيات السعودية الدينية:

أولا: مواجهة المد الشيعي بعد نجاح الثورة الإيرانية سنة 1979
يعتقد كثير من الباحثين، بمن فيهم خبير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية غراهام فولر، في فرضية التمويل السعودي لجل الحركات الإسلامية السنية في الوطن العربي بشكل خاص أو في العالم الإسلامي بشكل عام. تكثف التمويل السعودي لهذه الحركات منذ بداية سنة 1980 وذلك بهدف مواجهة الثورة الإيرانية الصاعدة. هذه الثورة أرادت أن تكون الممثل الأول أو لنقل المرجع الأساسي للنضالية الإسلامية المعاصرة. (Graham Fuller 1997)

ثانيا: الخوف من ثورات داخلية فتقوم بتوجيه الانتباه إلى الخارج
فوجئت السعودية بثورات “الربيع العربي” وبخاصة تونس ومصر واليمن حيث لم تكن تقبل هذه الثورات لأنها تهدد وجودها لاعتبارات عديدة أهمها الانفجار السكاني الذي تعيشه وتفاقم الفقر والبطالة فيها مع انعدام تام للحريات وهي نفس العوامل تقريبا التي أدت لحدوث ثورات “الربيع العربي” كما كانت متعاطفة مع حكام هذه الدول الثلاثة أي زين العابدين بن علي، وعلي عبد الله صالح وبخاصة حسني مبارك الذي كانت متحالفة معه.
وإن كانت السعودية قد قطعت خطوات كبيرة في “وهبنة” المجتمع المصري منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي فإن تونس كانت بعيدة عليها جغرافيا وفكريا وتعليميا. فالحداثة في تونس متأصلة والتعليم عصري والمرأة تعيش وضعا متميزا في المنطقة العربية كلها. كما أن نظامي بورقيبة أو زين العابدين بن علي لم يكونا يسمحان “للدعاية الوهابية” أن تنشر في تونس مباشرة عبر تنقل الدعاة ومعهم المال الكافي لمشاريع “الوهبنة”.

بعد سقوط نظام بن علي الأمني المتشدد، استغلت السعودية ثغرة “ضعف” الدولة التونسية في مرحلتها الانتقالية ثم تسامح حركة النهضة مع أنشطتها وبخاصة بعد زيارة حمادي الجبالي للسعودية. بل وصل الأمر إلى تبني حركة “النهضة” للتيار الوهابي التونسي الذي يمثله الداعية بشير بن حسن[1].
يؤكد سمير أمغار عالم الاجتماع المتخصص في الإسلام المعاصر ، ومؤلف الكتاب المرجعي “الحركة السلفية اليوم. حركات طائفية في الغرب (Le salafisme d’aujourd’hui. Mouvements sectaires en Occident”)، أن “السّلفيين بعلمهم الأسود الشهير اكتسبوا أهمية خاصة في الأشهر الأخيرة في العالم العربي” وأن هناك مجموعة من الُمُؤشّرات المُهمة، لا يُمكن إنكارها ولا تدع مجالا للشك، في أن الحركات السلفية يتم تمويلها بصورة مباشرة أو غير مباشرة برؤوس أموال سعودية”.

ويذهب في نفس الاتجاه مُدير “مرصد البلدان العربية” بباريس أنطوان بسبوس، الذي سبق له أن نشر كتابا عنوانه “المملكة العربية السعودية محل مساءلة” L Arabie Saoudite en question ويؤكد على أنه “منذ الصّدمتين البتروليتين في السّبعينيات وازدياد ثروات السعودية، لم يفعل السعوديون سوى تصدير الحركة الوهابية، دين الدولة في المملكة”. وبين بسبوس أنه عندما نسمع اليوم الناس يتحدثون عن الحركة السلفية في المغرب العربي أو مالي، فهي في واقع الأمر النسخة المُصدّرة للحركة الوهابية، بما أن السعوديين هم الذين يمولون هذه الحركة في العالم بملايين اليورو”. 2012) Marc DAOU(

التمويل السعودي للوهابية ومتفرعاتها

ثمة إجماع تقريبا لدى أغلب الخبراء في الحركات الإسلامية على وجود دور محوري للسعودية في تمويل ونشر “الوهابية” (Richard Labévière 1999)
لكن في بعض الأحيان تختفي سياسة السعودية في تمويل الجماعات الوهابية خلف منظمات خيرية إسلامية. فكريم سادر، وهو مُختص في العلوم السياسية ومستشار خاص لبلدان الخليج، أوضح بأن “قناة تمويل هذه الحركات السلفية تمُرّ عادة عبر مُنظمات خيرية إسلامية ـ أو مُنظّمات تُقدّم على أنها كذلك ـ أو عبر أعضاء في العائلة الحاكمة أو رجال أعمال أو شخصيات دينيّة”. وأضاف سادر أن “هناك طريقة أقل غموضا تفضلها البترودولارات السعودية وتتمثّل في تشييد مراكز دينية في الخارج تتم فيها غلبا الدعوة إلى الوهابية. كما تُمكن هذه الثروة من تقديم منح لمواطنين عرب يستقدمون من أجل دراسة الشريعة الإسلامية في جامعات المملكة في الرياض ومكة والمدينة”. Daou 2012) Marc (
لكن الأمر يبدو أكثر تعقيدا فالسعودية مثلا هي التي تشرف وتمول القنوات الليبرالية التي تنشر الأغاني وفيديوهات الرقص كشبكة “روتانا” للوليد بن طلال أو شبكة “ارتي” لصاحبها صالح عبد الله كامل وكذلك شبكة “الأم بي سي” وصحف “الحياة” و”الشرق الأوسط”. فأصحاب هذه الوسائل الإعلامية جميعهم إما من العائلة الحاكمة في السعودية أو مقربين لها. هذا ما يجعل باحثا كسمير أمغار يقول “مع أنهم يعتبرون أنفسهم أوصياء على العقيدة الدينية ويُموّلون بسخاء شتّى الحركات الإسلامية، إلا أن أولوية السعوديين ليست جعل العالم الإسلامي يعتنق السلفية. ويؤكد أن “أهدافهم أكثر تعقيدا. هم يهدفون إلى تعزيز تأثيرهم السياسي والإيديولوجي بإنشاء شبكات عملاء وولاء قادرة على الدفاع أو التحرك وفقا للمصالح الإستراتيجية والاقتصادية للمملكة”. Daou 2012) Marc (

التنافس مع الإخوان المسلمين وقطر

رغم أن قطر والسعودية يعتبران بلدان “وهابيان” وكان من المفترض تحالفهما بدل صراعهما. إلا أن محاولة السعودية إحداث انقلابا على أمير قطر، حمد بن خليفة آل ثاني سنة 1996 وإعادة أبيه إلى سدة الحكم أدخل البلدان في صراع شامل على المستوى الإعلامي والديني.
– حيث استخدمت قطر قناة “الجزيرة” لتشن هجوما عنيفا ومتواصلا على العائلة السعودية الحاكمة. ردت عليه الأخيرة بتأسيس قناة “العربية” في 3 مارس 2003 ودخلت أيضا في معركة فتح الملفات القطرية من نوع نزع الجنسية عن أفراد قبيلة. حيث أصدرت الحكومة القطرية قرارا في أكتوبر 2004 بسحب الجنسية عن أكثر من خمسة آلاف مواطن قطري ينتمي أغلبهم لفرع الغفران الذي ينتمي لقبيلة ” آل مرة”، تحت زعم أن تلك القبيلة تنحدر من الدولة السعودية وأنهم ما زالوا يحتفظون بالجنسية السعودية. ( منيف الصفوقي 2005)

-وكذلك تم استخدام الشيوخ وإعلامهما الديني بشكل مكثف في هذا الصراع:
فمثلا نشر الشيخ اليمني الإمام مقبل الوادعي كتابا تحت عنوان “إسكات الكلب العاوي يوسف بن عبدالله القرضاوي” وفي المقابل هاجم القرضاوي عبر قناة “الجزيرة” فتوى الشيخ السعودي الوهابي الراحل عبد الله بن جبرين حول موقفه من حزب الله ومن حرب جويلية 2006 حيث أبرزت قطر نفسها وكأنها تدافع عن حزب الله ضد إسرائيل وضد مواقف شيوخ الوهابية السعودية… واليوم تدور معركة تلاسن بين الداعية وجدي غنيم المحسوب على قطر والشيخ محمد حسان المحسوب على السعودية بسبب ما حدث في مصر وموقف الطرفين من الجيش المصري .. وحدث صراع بين الدعاة الموالين للسعودية من جهة والمريدين للجيش المصري والدعاة الموالين لقطر من جهة أخرى والموالين للسعودية. حرب بين شيوخ الفضائيات تعكس حدة الصراع بين الرياض والدوحة. فالشيخ حسان وعمرو خالد بتأثير من المال السعودي وقفا إلى جانب الجيش بينما يوسف القرضاوي ووجدي غنيم وبتأثير من المال القطري هاجما بقوة الجيش المصري…
يتبع

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*