الجيش والسياسة في الوطن العربي: ما سبب صمت المؤسسة العسكرية التونسية وابتعادها عن السياسة عكس الجزائر ومصر؟ الحلقة الأولى بقلم رياض الصيداوي

الجيش والسياسة في الوطن العربي: ما سبب صمت المؤسسة العسكرية التونسية وابتعادها عن السياسة عكس الجزائر ومصر؟ الحلقة الأولى

بقلم رياض الصيداوي

يواجه الإرهاب في تونس ثلاث هياكل وطنية مسلحة. وهم الجيش الوطني المكلف بحرب التضاريس الوعرة في الجبال الوعرة والغابات الكثيفة وبخاصة حماية الحدود التونسية من عمليات تسلل الإرهابيين. ثم الأمن الوطني وبخاصة جهازه الاستعلامي الذي يعول عليه في جمع المعلومة وتحليلها والتدخل السريع لوأد العمليات الإرهابية في إطار الحرب الوقائية. وينتمي إليه أيضا قوى الأمن الداخلي بمختلف تشكيلاتها ومهماتها هي الحفاظ على أمن المدن والمناطق الحضرية. وأخيرا جهاز الحرس الوطني وهو جهاز شبه عسكري وشبه مدني في الآن نفسه أي هو وسيط بين الأمن والجيش. ومهامه هي التنقل السريع وتغطية كافة مناطق التراب التونسي وبخاصة القرى الصغيرة والأرياف. وتعتبر فرنسا أول من أسس قواعد عمل قوات الحرس الوطني أو “الدرك” في بعض الدول العربية كهيئة عسكرية مكلفة بحفظ الأمن بين السكان المدنيين وذلك عندما أنشأت قوات مماثلة تحت مسمى “جندرمة” في القرن الثاني عشر الميلادي، وقد انتقل هذه التنظيم إلى العديد من الدول الأخرى التي كانت لها صلة بفرنسا، أو البلدان التي كانت في وقت من الأوقات تخضع لسيطرتها مباشرة مثل المستعمرات، والأقطار الواقعة تحت الانتداب الفرنسى آنذاك” ومنها تونس اليوم والجزائر والمغرب.

التنافس وعدم الاحتكار

هذا التقسيم هو تقسيم تقليدي تعمل به الدول الحديثة والهدف منه دائما هو تفادي مركزة كافة السلطات في جهاز واحد وبالتالي من الممكن أن يستولي بسهولة على السلطة. ورغم أن الدولة هي الجهة الوحيدة التي تمتلك حق احتكار العنف المسلح الشرعي كما يقول ماكس فايبر فإن الاتجاه كان لدى الدول نحو تقسيم هذا العنف المسلح الشرعي على أجهزة متعددة وعدم مركزته في جهاز واحد. والهدف منه أولا يكمن في حماية الدولة من الانقلابات العسكرية بتوزيع السلطات على أكثر من جهاز. أما الهدف الثاني منه فهو إدخال هذه الأجهزة في عملية تنافس فيما بينها ليتحسن باستمرار آدائها العملياتي وحتى لا تركن للراحة باعتبار وجودها وحيدة في الساحة دون منافس.

وجدت المؤسسة العسكرية التونسية نفسها تحت طائلة الأضواء منذ “ثورة” 14 جانفي 2011 . وكان من الممكن أن تدير البلد في مرحلته الانتقالية بدل الأحزاب السياسية مثلما تم في أغلب عمليات الانتقال الديموقراطي في بلدان عديدة. حيث رعت المؤسسة العسكرية في كثير من دول أمريكا الجنوبية عملية الانتقال الديموقراطي وبخاصة في الأرجنتين والشيلي وحتى في أوروبا مرت بلدان كأسبانيا والبرتغال واليونان عبر الجيش لتصل إلى بر الأمان الديموقراطي. وحتى الثورة الفرنسية لم تهدأ فيها الاضطرابات و”الفوضى” إلا بوصول نابليون بونابرت إلى أعلى هرم السلطة وأصبح إمبراطورا فقام بتوجيه “وهج” الثورة الفرنسية نحو غزوات عسكرية خارجية بدل التآكل الداخلي ومن ثمة أسس للقومية الفرنسية الحديثة.

خيار تونس دون الجيش

اختارت النخب في تونس أن تدير المرحلة الانتقالية عبر السياسيين ونجحت حركة “النهضة” بشكل ساحق في انتخابات 23 أكتوبر 2011 لأنها كانت الحزب الوحيد الذي يتمتع بالقدرة على التعبئة وعلى التنظيم. وحكمت رغم أن المشهد السياسي كان ناقصا. وكادت تونس تدخل عاصفة مدمرة من التقاتل السياسي وربما الدموي أيضا وخرجت منها بشبه معجزة عبر منظومة الحوار الوطني الذي رعاه الرباعي.

بالنسبة إلى مصر فإنه منذ ثورة / انقلاب 23 جويلية 1952أصبحت المؤسسة العسكرية هي اللاعب الأبرز في الدولة والمجتمع والاقتصاد حتى أن الجيش المصري يدير ما بين 25 و40 بالمائة من الاقتصاد مالكا ومستثمرا ومنتجا وهذا ما دفع بمثقف من نوع أنور عبد الملك أن يكتب كتابه الشهير “مصر: أمة عسكرية”.

في حين تعد السعودية بلد كثيف السكان إذ يعد حوالي 25 مليون نسمة ودخله الأول عربيا إذ تجاوز الناتج الإجمالي الخام 400 مليار دولار، أي هو يمتلك المقومات المادية ليصبح من أكبر الجيوش في منطقة الشرق الأوسط: المال الكافي والتعداد البشري اللازم. ورغم ذلك نجده ضعيفا في المنطقة أمام القدرات القتالية للجيش الإيراني أو السوري أو المصري أو العراقي سنوات الراحل صدام حسين. ولقد كانت العائلة الحاكمة تعيش باستمرار هاجس الخوف من الانقلاب العسكري.

تكررت ظاهرة الانقلابات العسكرية في المنطقة العربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية واستهدفت العائلات الملكية بخاصة ونجحت في بعض الدول في إسقاطها. ومثل انقلاب / ثورة 23 يوليو 1952 في مصر نقطة تحول جذرية في صراع العروش مع المؤسسات العسكرية… حيث لم تسلم ملكية عربية من محاولة القوات المسلحة إسقاطها ونجح العسكر في مسعاهم أحيانا وفشلوا أحيانا أخرى. نجحوا في العراق سنة 1958 في إسقاط الحكم الهاشمي وذلك بالاشتراك مع المدنيين، وفي اليمن سنة 1962 بقيادة المشير عبد الله السلال في إسقاط حكم الإمامة، وفي ليبيا سنة 1969 بقيادة العقيد معمر القذافي في إسقاط حكم العائلة السنوسية… لكنهم فشلوا في بلدان عربية أخرى كالمغرب والأردن… هؤلاء الضباط والجنود الثائرين ينتمون عادة إلى الطبقات الوسطى والشعبية ويتميزون بحس وطني ومعاداة عميقة للاستعمار ويتهمون ملكياتهم بالتواطؤ معه. وتعد ثورة 23 يوليو المرجع الأساسي لهذه “الثورات العسكرية”.

تفطنت العائلة المالكة السعودية مبكرا لهذا الخطر وأدركت أن بناء جيش قوي مستعد للقتال يعني انتداب جنود وضباط كثيرين من الطبقات الشعبية الفقيرة والمتوسطة وهي الفئات الاجتماعية التي تعاني من شعور عميق بالحيف في توزيع الريع النفطي، لذلك تبنت إستراتيجية عدم تقوية الجيش عددا وبخاصة عدم تأهيله للقيام بمهمات قتالية حقيقية. إضافة إلى إعطاء قياداته لأفراد من العائلة المالكة لا يمتعون بالكفاءة العسكرية ولكنهم يضمنون ولاءه ومراقبته. وبخاصة عدم الالتجاء إلى التجنيد الإجباري مثل تونس والجزائر وسوريا ومصر …

الجيش والسياسة في الجزائر

أما تجربة الجزائر مع المؤسسة العسكرية فهي الأبرز عربيا إلى جانب تجربة الجيش المصري. فالمؤرخ محمد حربي يقول “إذا كانت الدول تبني جيوشها فإن الجيش الجزائري قد بنى دولته” ويعود ذلك في الحقيقة إلى طبيعة الاستعمار الفرنسي الذي جعل من الجزائر مقاطعة فرنسية وليس محمية مثل تونس أو المغرب. وحينما انسحبت فرنسا أخذت معها كل بيروقراطيتها وإدارتها ولم يجد الجزائريون سوى الجيش الوطني جهازا منظما ومنضبطا وإداريا قادرا على إدارة دواليب الدولة.

يمكننا التمييز بين خمس مراحل عاشتها المؤسسة العسكرية الجزائرية. تتمثل المرحلة الأولى في حرب التحرير الوطني ودامت من أول نوفمبر /تشرين الثاني 1954 إلى شهر يوليو /تموز 1962. أما الثانية فتتعلق بحكم الرئيس أحمد بن بلا وتمتد من الاستقلال إلى يوم 19 حزيران /يونيو 1965 مع نجاح انقلاب العسكر. وتتميز المرحلة الثالثة الممتدة من 1965 إلى 1978، سنة وفاة بومدين، بهيمنة الجيش على كامل مؤسسات الدولة والمجتمع. أما المرحلة الرابعة فهي مرحلة الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد والتى حكم فيها الجزائر من 1978 إلى إجباره على الاستقالة في يوم 11 يناير 1992. في حين تمتد المرحلة الخامسة منذ ذلك التاريخ إلى اليوم.

لحظة التأسيس

يتميز الجيش الجزائري عن كل جيوش العالم بلحظة تأسيسه. فعندما أسس ثوار شباب حزبا سموه جبهة التحرير الوطني، أسسوا معه جيشا سموه جيش التحرير الوطني حيث اختلط العسكري بالسياسي. فالمقاتل عضو في الحزب وكذلك قائده. والمسؤوليات تتراوح بين سياسية وعسكرية حسب الحاجة. نشأت ظاهرة السياسي-العسكري(Le politico-militaire) الذي فسخ كل مسافة بين مسؤولية السياسي ومسؤولية العسكري. لقد حاول عبان رمضان في مؤتمر الصومام في 20 أغسطس 1956 فرض مفهومه لطبيعة الكفاح الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي. فأكد مبدئين. أولا : ضرورة تفوق السياسي على العسكري وخضوع الثاني للأول. ثانيا: تفوق الداخل على الخارج، أي أن الأولوية لمن يناضلون داخل التراب الجزائري المحتل وليس خارجه في تونس أو المغرب أو مصر. فشلت محاولة عبان هذه باغتياله من طرف رفاقه في لجنة التنسيق والتنفيذ (CCE) في مراكش في شهر ديسمبر/كانون الأول 1957 وانتهت أطروحة تفضيل السياسي على العسكري بانتصار الجناح العسكري انتصارا نهائيا تواصل إلى اليوم. كما حدثت محاولة ثانية هدفت إلى السيطرة على الجيش من قبل السياسيين المدنيين في مؤتمر طرابلس سنة 1962 عندما أزاح قادة الحكومة الجزائرية المؤقتة قائد هيئة أركان الجيش هواري بومدين وعزلوه بقرار رسمي من منصبه. لكن ضباط الجيش ومساعدي بومدين رفضوا هذا القرار وتشبثوا بقائدهم وأعلنوا تضامنهم الداخلي وارتباطهم بزعيمهم الكاريزمي. مثل هذا الحدث منعرجا حاسما في مسيرة الجزائر السياسية حيث أثبت مدى هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي ومدى تضامنها الداخلي في مواجهة تدخل المدنيين.

فهم سلوك الجيش الجزائري

إن محاولة فهم سلوك الجيش في هذا البلد تدفعنا إلى البحث والحفر في خصائصه التى تميز بها طيلة سنوات 1954 حتى سنة 1962. تتمثل أهم خصائصه في :
أولا: الأصول السياسية العسكرية لقادته. فهؤلاء لم يتخرجوا من أكاديميات عسكرية ولم يتحصلوا على تكوين احترافي في المجال العسكري. لقد كانوا قبل كل شيئ مناضلين سياسيين صعدوا إلى الجبال لتنظيم ثورة وإدارتها مستخدمين أسلوب حرب العصابات. إن أول جيل أسس جيش التحرير الوطني جاء من المنضمة الخاصة (l’Organisation Spéciale) أما الجيل الثاني فقد وقع انتدابه لدى أوساط الطلبة والتلاميذ. نذكر من بينهم هواري بومدين ثم عبد العزيز بوتفليقة، أحمد مدغري، أحمد شريف..وتميز بصغر سنه الكبير. وفي كلتي الحالتين كان إيمانهما عميقا بأولية من يقاتل على من يفاوض، أي أفضلية العسكري على السياسي. ويمكن تفسير هذا الموقف من خلال عامل مواجهتهم اليومية مع المستعمر وقسوة المعارك التي خاضوها إضافة إلى قسوة الطبيعة نفسها ونقص التموين والأسلحة. كما يفسر هذا الموقف بعامل ثان يكمن في طبيعة الثورة الجزائرية نفسها التى اندلعت على إثر قطيعة تاريخية مع المنهج السلمي وتبني كامل للمنهج العنيف في معركة التحرير حيث اشتدت قناعة مؤسسي جبهة التحرير الوطني وجيشها بأن الاستقلال لن يتحقق إلا عبر الكفاح المسلح، من هنا حدث تثمين لكل ماهو عسكري وتحقير لكل ما هو سياسي.
ثانيا: اندلاع صراع مفتوح بين السياسيين والعسكريين في مؤتمر الصومام سنة 1956. وفشل محاولة عبان رمضان في إخضاع العسكر لسلطة المدنيين بعد اغتياله من قبل رفاقه.
ثالثا: بروز مفارقة تقليدية في التمييز بين خصائص العسكريين والمدنيين. فالعسكر بطبيعة تكوينهم، رغم خصوصية جيش التحرير الوطني الجزائري كجيش تخترقه الجدالات والاختيارات، ينزعون إلى الانضباط أمام أوامر قيادتهم وعلاقاتهم هرمية وليست أفقية. أما السياسيين فقد كانوا في صراع دائم في ما بينهم. تتناقض تحالفاتهم وتتغير حسب تبدل الوضع. كما أن مصالحهم كانت متباينة. في حين كان العسكر، وخاصة قيادة هيئة الأركان، متحدين تنظيميا، يؤمنون نسبيا بالسلطة الهرمية، منضبطين ومطيعين لقائدهم الكاريزمي هواري بومدين. هذا الاختلاف في الخصائص أدى إلى انتصار العسكر على السياسيين. يقول هيغ روبارتس في هذا الشأن “كان الجيش هو المنتصر الحقيقي في الصراع على السلطة الذي تم داخل جبهة التحرير الوطني في صيف 1962. لقد خسر سياسي الحكومة المؤقتة المعركة لصالح قائد هيئة أركان الجيش العقيد هواري بومدين. ولم يتمكن الرئيس بن بلا من ترؤس الجزائر المستقلة إلا بفضل دعم العسكر” . تميزت هذه النخبة العسكرية القائدة دوما بمعاداتها الشديدة للمفاوضات المشروطة مع الإدارة الاستعمارية الفرنسية، بسعيها المستمر لفرض رؤيتها الخاصة للصراع، وبتأكيد أهمية استخدام السلاح في مواجهة المستعمر وتحرير البلاد. ولقد وصلت إلى السلطة لأنها مثلت المؤسسة الوحيدة في الثورة الجزائرية التى تمتعت بدقة التنظيم وحسن الانضباط وتجربة الإدارة وحتى استخدام تكنولوجيات الاتصال أو الهندسة أو الإدارة المالية. كانت ببساطة الجهاز البيروقراطي الوحيد القائم في الميدان والقادر على استلام بلد تركته فرنسا في حالة فراغ إداري شامل. أما على المستوى الطبقي، فقد قدمت هذه النخبة نفسها على أساس أنها ممثلة طبقة الفلاحين. واتخذت شعارا لها “الإصلاح الزراعي، تصنيع البلاد والتوزيع العادل للمنتوجات وللثروات” .
يتبع

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*