الانتخابات والديموقراطية والعنف في الجزائر الحلقة الثالثة

3- الدعاية الإعلامية: حقيقة لم يكن للجبهة الإسلامية قناة تلفزيونية خاصة، ولا حتى إذاعة، ولا حتى مجموعة صحف ومجلات نافذة. لكنها تمكنت من تعبئة فئة كبيرة من المجتمع لصالح خطابها. اعتمدت تقنية تواصلها مع الجماهير على المساجد التى عوضت وسائل الإعلام الجماهيري السابقة، وبرزت لا كمنافس إعلامي لها فقط، وإنما كبديل يتمتع بصدقية وتأثير شديدين. يقول بتر سان جان Peter St. John في دراسة أعدها لمجلس الأمن الكندي: “سمح انحطاط الظروف الاجتماعية والاقتصادية للجبهة الإسلامية للإنقاذ بخلق شبكات مساجد صغيرة غير رسمية. تكاثرت بسرعة خارج رقابة وإشراف وزارة الشؤون الدينية”[24]. أصبحت إستراتيجية الجبهة تعتمد على احتلال الشارع، على التعبئة المستمرة لمناضليها، وجماهير المتعاطفين معها، من خلال خلق تواصل ثابت بين الفضاء العام والمسجد.

كما درس الباحث الجزائري، أحمد رواجعية، في كتابه الإخوان والمسجد (Les Frères et la mosquée) إمبيريقيا العلاقة بين ظهور الحركة الإسلامية، واشتداد عودها، وتعاظم قدرتها في التعبئة من جهة والتزايد المستمر لعدد المساجد من جهة أخرى[25]. لقد انتقل عدد المساجد في الجزائر بشكل ملحوظ من 2000 مسجد مع بداية الاستقلال إلى حوالي 11 ألف مسجد حاليا[26]. ورغم أن قانون 1971 يجعل من الدولة مراقبا لكل عمليات بناء المساجد، لكل أنشطتها وكذلك لمحتوى الخطب التى تلقى فيها[27]، فإن الإسلاميين نجحوا في احتلال وشغل واستغلال هذه الفضاءات الدينية العامة التى جعلوا منها أماكنا للدعاية، لتسييس الجماهير وتعبئتها. اتبعوا في بنائهم للمساجد خطة ذكية. فهم يبنون أولا مساجدهم الخاصة الممولة من عطاءات ، ثم يستفيدون كل الاستفادة من تسامح الدولة الكبير بعد أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988 إزاء تطبيق قوانين 1989 التى تشترط رقابة الدولة على المساجد حتى يسمح ببنائها[28].

أصبحت المساجد، بهذه الطريقة، فضاءات اجتماعية، أماكن تنشر فيها المذاهب ويجند فيها المناضلون، وخصوصا مراكز معارضة واحتجاج اجتماعي وسياسي يضع موضع الاتهام الدولة الجزائرية ومؤسساتها. وحققت نفس المساجد نجاحا باهرا حينما عوضت وسائل الإعلامي الجماهيري المملوكة للدولة التى فقدت كل صدقية لدى المواطنين منذ زمن طويل. يشهد على ذلك يحي رحال، جنرال جزائري متقاعد، كان عضوا في النخبة العسكرية القائدة حتى سنة 1996 حينما يصف التلفزيون الجزائري قائلا : “(…) النتيجة كانت على عكس ماهو منتظر. ففي حين كان المطلوب من التلفزيون خدمة النظام، فإنه شكل في الواقع عائقا كبيرا له”[29].

4- الشبكات (Les réseaux) :

استخدمت الجبهة الإسلامية للإنقاذ نظام الشبكات (système des réseaux) التى أنشأتها داخل المجتمع. يقدم الباحث الجزائري عيسى خلادي فكرة نبيهة لفهم علاقات القرابة بين المناضلين الإسلاميين. يشرح ذلك فيبين أن النسيج الاجتماعي الذي يجمعهم لا يعتمد على الرابطة القبلية كما قد يعتقد البعض، وإنما يعتمد على مفهوم الحي (Le quartier) والروابط العائلية. فهم يلتقون يوميا في المسجد مما يجعلهم ينسجون علاقات تعارف عادة ما تنتهي إلى تصاهر عن طريق الزواج الديني. إن عمليات الزواج هذه لا تمر عبر السجلات الإدارية في البلديات، بل تبقى فقط دينية ومن ثمة تتفادى رقابة الدولة وأجهزتها[30]. غير أن الإسلاميين توقفوا عن هذا التكتيك منذ حزيران/يونية 1990، تاريخ انتصار الجبهة الإسلامية في الانتخابات البلدية والولائية، وقاموا بتسجيل قانوني لعمليات الزواج التي تمت سابقا داخل بلدياتهم الإسلامية.

5- الخطاب الأسطوري: اعتمدت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في عمليات تعبئة الموارد البشرية على خطاب شعبوي يهدف إلى تحطيم صورة النظام الداخلية واتهامه بالعمالة للخارج الذي عادة مايقصد به فرنسا من جهة، وعلى احتكار الإسلام من خلال جعل نفسها ممثلته الوحيدة في المجتمع من جهة أخرى. يقول عباسي مدني في هذا الصدد : “الشعب هو نحن، ونحن هو الشعب، بما أن هذا الأخير لا يعترف إلا بالإسلام”[31]. ومن هنا يتمكن هذا الخطاب من إقصاء بقية الخطابات السياسية حتى وإن تقاربت معه. لقد نجح هذا الأسلوب التعبوي عندما تميز بخلطه الكامل والنسقي بين الإسلام والجبهة وجعلهما متطبقان. ويصبح خصومها، بهذه الطريقة، أعداء للإسلام نفسه. فالجبهة تتهم كل من لا ينتمي إليها وتقدم نفسها على أساس أنها “طريق النجاة الوحيد لكافة فئات المجتمع”[32]. كما اعتمدت الجبهة ثنائية المؤمن/الكافر وكأنها تعبر عن ثنائية كارل شميت (Carl Schmitt) التى يلخصها في صديق/عدو. وهو الذي يعرف السياسي على أنه “كل تجمع يحدث في أفق امتحان القوة”[33].

المصدر:الحوار المتمدن