الانتخابات والديموقراطية والعنف في الجزائر الحلقة الرابعة

سمحت السلطات الجزائرية بإجراء انتخابات هامة تغير بموجبها تشكيلة البرلمان الجزائري القديم. وحاولت من خلال هذه الانتخابات أن تحقق فوز جبهة التحرير الوطني عن طريق سن قانون انتخابي[34] في مارس /آذار 1991 يفتت الدوائر الانتخابية حتى يكثر من الدوائر المتوقع أن تنحاز للحزب الحاكم، ومن ثمة تضاعف عدد مقاعد البرلمان من 295 إلى 542. احتجت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بشكل راديكالي وعنيف على هذا القانون حيث دعت إلى إضراب عام يشل الجزائر. تمكنت السلطات من إفشال هذا الإضراب بشكل عام، أما في الجزائر العاصمة، فقد تمكن بعض المضربين من احتلال بعض المؤسسات العامة مما أدى إلى مضاعفة حالة التوتر وعدد الاشتباكات اليومية. أمام هذه الوضعية، دعا الرئيس الشاذلي بن جديد الجيش لفرض استتباب الأمن، أعلن حالة الطوارئ لمرة ثانية في ظرف ثلاث سنوات وأجل الانتخابات لموعد غير محدد. ردت قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ الفعل وهددت بإعلان حالة تعبئة عامة في صفوفها من أجل الجهاد. اعتبرت السلطات الجزائرية هذه التصريحات بمثابة إعلان حالة حرب ضد الدولة. فاعتقلت في 30 حزيران/يونية عباسي مدني وعلي بلحاج بتهمة التآمر على أمن الدولة. ووصل عدد المعتقلين من الجبهة في الأول من يوليو 1991 إلى 3000 معتقل.

رغم هذه الظروف الصعبة التى مست القيادة العليا للجبهة الإسلامية للإنقاذ وكثيرا من إطاراتها، فإن أحد تياراتها، الأكثر اعتدالا، أي الجزأرة بقيادة عبد القادر حشاني، فرض المشاركة في الانتخابات التشريعية التى جرت في 26 ديسمبر/كانون الأول 1991. فاجاءت نتيجة الانتخابات الجميع بما فيها النخبة الحاكمة التى كانت تنتظر فوز جبهة التحرير الوطني، أو حتى القيادة الإسلامية الجديدة التى لم تنوقع فوزا ساحقا مماثلا. فهي حصلت، منذ الدور الأول، على 231 مقعدا من أصل 430، في حين لم تحصل جبهة التحرير الوطني إلا على 15، وحصلت جبهة القوى الاشتراكية على 25[35]. وهو ما يبينه الجدول التالي تفصيلا:
جدول رقم 2 : نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 1991[36]

الأحزاب

عدد الأصوات

النسبة المئوية

المعبر عنهم
الجبهة الإسلامية للإنقاذ

3 260 222

24,59

47,27

جبهة التحرير الوطني

1 612 947

12,17

23,38

جبهة القوى الاشتراكية

510 661

3,85

7,40

المستقلون

309 264

2,33

4,43

التجمع من أجل ث. ود.

200 267

1,51

2,9

آخرون

1 004 358

7,58

14,56

حماس

386 761

2,78

5,35

أحزاب صغيرة

635 761

4,80

9,21

يفسر لهواري عدي، عالم الاجتماع الجزائري، هذه النتائج بشكل مختلف. فهو يعتقد أن الديموقراطية في حد ذاتها لم تكن تطلعا شعبيا لدى الجزائريين، بما أن أغلب الناخبين اختاروا الجبهة الإسلامية للإنقاذ في حين أن هذه الأخيرة لم تخف أبدا تقييمها للنظام الديمقراطي كنظام كافر[37]. وفي المقابل، يعتبر أن الشعبية الساحقة التى يحظى بها الإسلام السياسي هي نتيجة لوعده “بتوزيع العائدات النفطية، أي العودة إلى الشعبوية الاقتصادية التى مارستها جبهة التحرير الوطني في سنوات الستين والسبعين”[38]. ثم يبرر فوز الإسلاميين في أول انتخابات تعددية بأن “الشارع دخل محطما، مكسرا في شكل من الأشكال للحقل السياسي حتى يصبح بدوره فاعلا يعلن أن الدولة ليست مسألة خاصة ولكنها قضية عامة. ومن وجهة النظر هذه، تصبح ظاهرة الاحتجاج الإسلامي ظاهرة حداثة، ذلك أن الجماهير لا تصبح فاعلا سياسيا إلا في مجتمع الحداثة”[39].

الانتقال من صناديق الاقتراع إلى التعبئة المسلحة[40]

استغلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ “بنية فرصة سياسية” مواتية أحسن استفلال حتى تقوم بعملية تعبئة واسعة من أجل افتكاك السلطة عبر استخدام القوة. لا بد من تعريف بنية الفرص السياسية حتى ندرك آلية استغلالها.

بنية الفرصة السياسية(Political opportunity structure:POS) وتعميق جذرية المطالب السياسية

استخدم هذا المفهوم في البدء أيزنغر Eisinger وإطلاقه مفهوم “بنية الفرصة السياسية” على ما كان يعرف سابقا “حقل الموارد السياسية”. وتعتبر هذه النظرية أن جميع أنواع الموارد السياسية مرتبطة بعضها ببعض في شكل خاص. وقد استخدم منظرون آخرون هذا المفهوم: فقد حلل تارو [41]Tarrow تأثير بنية الفرص السياسية على التعبئة الاجتماعية في إطار من عدم الاستقرار السياسي. فبنية الفرص السياسية لديها القدرة على توليد الفعل الجماعي في حين أن الاستقرار السياسي يولد العكس. يعد تعريف تارو لبنية الفرص السياسية الأكثر دقة[42]. فهو يقسم بنية الفرص السياسية إلى خمسة عوامل: درجة الانفتاح أو انغلاق النظام السياسي؛ استقرار أو عدم استقرار التراصف السياسي؛ تواجد أو غياب المتحالفين ومجموعات الدعم؛ انقسام النخب وتسامحها تجاه عمليات الاحتجاج؛ وأخيرا قدرة الحكومة على تلقين سياساتها العامة[43].

حاول فيليول، من جانبه، توضيح هذا المفهوم ليجعله أكثر إجرائية. واقترح لأجل ذلك ضرورة الأخذ بعين الاعتبار عدة أبعاد. فقد ميز، أولا، مستوى البنية الفوقية السياسية[44] المتمثلة في عملية السياسات الجمعية(processus macro-politiques)، الثقافة السياسية[45] والبنية السياسية[46]. يحدد هذا المستوى إطارا ملزما وغير محسوس هيكليا حيث يتم فيه التفاعلات Interactions بين مختلف الفاعلين السياسيين.

تبين لنا بنية الفرص السياسية، من خلال نموذج كريزي (Kreisi)، كيف تتم عمليات التطرف السياسي وكيف يتم لجوء المعارضين الى العنف في حالة انغلاق النظام السياسي أمامهم.

ينطلق كريزي من تحديد لبنية الفرص السياسية فيعرفها كبنية للنظام السياسي الذي يعطي منفذا للحركات الاجتماعية المعارضة. هذه البنية تتميز باستقلالها النسبي عن أهداف الحركات الاجتماعية. كما تحدد “مجموعة اختيارات إستراتيجية” تشكل ما يمكن تسميته “بالحقل الإستراتيجي” للحركات.

حدث ما سماه كريزي بقانون انغلاق النظام السياسي يؤدي إلى تطرف المعارضة والتجائها للعنف. فخرج من رحم الجبهة المنحلة مجموعات مسلحة تهدف إلى تقويض الدولة والاستيلاء على السلطة من خلال العنف المسلح. عمل الجيش الجزائري أولا على قطع الموارد التى تستخدمها الجبهة الإسلامية في عمليات التعبئة، ثانيا على تفكيك بنية الفرص السياسية التي حاولت استغلالها والنفاذ منها. لكنه في نفس الوقت أدى تدخله العنيف إلى نشأة الحركات المسلحة الراديكالية.

تدخلت المؤسسة العسكرية مباشرة في الحياة السياسية فقامت، تزامنا، بإجبار الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة، إلغاء الانتخابات، وحل الجبهة الإسلامية للإنقاذ ومواجهتها من خلال ضرب مواردها واستئصالها. حدث احتواء لفضاءات التعليم عبر تحييد الطلبة الإسلاميين النشطين، وتشجيع الفئات الأخرى من أجل محاصرة الظاهرة. كما تدخلت قوات الأمن مباشرة لمراقبة الجامعات والمعاهد والتعليم بشكل عام. أما في مجال التمويل، فقد شن هجوما شاملا على الجبهتين الداخلية والخارجية. تمت مراقبة المؤسسات الصغرى والمتوسطة وأصبح التجار الذين ينتمون إلى هاتين الفئتين مطالبون بإبداء الولاء مقابل السماح بالنشاط الاقتصادي. صار إعطاء الرخص البلدية والسماح بالأنشطة التجارية مسائل مرتبطة بمعايير أمنية دقيقة. أما خارجيا فقد نشطت الدبلوماسية الجزائرية واستخدمت كل ثقلها من أجل محاصرة الجبهة وأنصارها. أقنعت الكثير من الدول بضرورة التخلي عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ. ونجحت في ذلك نجاحا كبيرا. ساعدها فيه التحولات التى شهدها العالم والنشاط الفرنسي الكبير من أجل تحجيم المد الأصولي. كما وجدت المملكة العربية السعودية نفسها ضحية للعنف الديني أكثر من مرة مما دفعها إلى تعديل إستراتيجيتها تجاه الحركات الإسلامية بما فيها جبهة الإنقاذ التى سبق وأن امتعضت من مواقفها أثناء حرب الخليج. وفي مجال الإعلام، قامت السلطة بغلق الصحف القليلة المرتبطة بالجبهة الإسلامية للإنقاذ أو المتعاطفة معها. وفي الآن نفسه، شجعت الصحف الناطقة بالفرنسية ذات التوجه اليساري واللائيكي. أما أكبر نجاح حققته فيتمثل في إعادة سيطرتها على المساجد عبر وزارة الشؤون الدينية التى أشرفت على الأئمة وعلى مضمون خطب الجمعة. كما شجعت الإسلام الإخواني بقيادة محفوظ نحناح لملء الفراغ. وفي ما يتعلق بشبكات الدعم التى تشكلت عبر المصاهرة، فقد وجدت قوات الأمن خيوط الارتباط العائلي في سجلات البلديات مما مكنها من فك هذه الشبكات. يقول عيسى خلادي أن الشرطة تمكنت بعد استيلائها على سجلات الجبهة أو سجلات البلديات التى كانت تسيطر عليها من بناء خطة عضوية (organigramme) ضخمة أعادت بموجبها تشكيل خريطة علاقات القرابة التى تجمع الإسلاميين والتى كانت مجهولة قبل انتخابات 1990. وهو ما فسر السهولة الكبيرة التى تم بموجبها اعتقال حوالي30 ألف مناضل من الجبهة. ويضيف خلادي أنه منذ تلك الساعة عاد الإسلاميون إلى أسلوبهم القديم في الزواج الديني غير المسجل[47].

قام النظام بشن حملة اعتقالات واسعة على إطارات الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وأغلبهم من المتعلمين والمثقفين وكثير منهم كانوا مسييرين للبلديات…واعتقد أنه أنهى نشاطهم. لكنه سرعان ما واجهه قانون انغلاق النظام يؤدي إلى تطرف المعارضة الشديد. فوجد نفسه فجأة أمام نخب جديدة استخدمت السلاح في وجهه وفي وجه شرائح كثيرة من المجتمع. إن جيل الجماعات الإسلامية المسلحة أو حتى الجيش الإسلامي للإنقاذ يتميز بصفات استثنائية. فهم شباب لم يتعلموا كثيرا، مراهقين في بعض الأحيان، كانوا مهمشين داخل جبهة الإنقاذ نفسها حينما كانت القيادة بيد الفئات المرفهة ماليا، الناضجة سنا، والتى وجدت مواقع لها في القيادة. أما جيل استخدام السلاح فهو محروم من كل هذه الامتيازات. حدث فرز سريع تم بموجبه سيطرة المؤسسة العسكرية على المدن وبالتالي على الحياة السياسية التى استعادت احتوائها وعلى المنشاءات الاقتصادية الحيوية، وفي نفس الوقت تركت الأرياف المعزولة والجبال الوعرة مجالا لنشاط الجماعات المسلحة. نتج عن انتصار الجيش مبكرا في معركة المدن انحسار المد الانتخابي الإسلامي.

المصدر:الحوار المتمدن