التجربة الجزائرية مثالا – هل يمكن للجيش تطبيق الاشتراكية والتكفل بعملية التنمية؟

كتب فرحات عباس رئيس أول حكومة مؤقتة للجمهورية الجزائرية قائلا: تعد الاشتراكية معطي جديدا أضيف لبيان أول تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1954. حيث لم يتعرض الي ذكرها أحد طيلة سنوات حرب التحرير. وأضاف ساخرا: ان سلوك الجمهورية الجزائرية يشبه سلوك امرأة زانية. متزوجة رسميا وعلنا بالاسلام، في حين تنام سرا في فراش ستالين.
أما العقيد هواري بومدين فقد قال: ان السؤال الذي يطرح اليوم يتمثل في معرفة هل يمكننا أن نتحدث عن الاشتراكية ونتجاهل في الآن نفسه الجيش؟ شخصيا، أنا مقتنع، واقتناعي يعتمد علي تحليل موضوعي وتاريخي، انه خطأ كبير التفكير في تطبيق الاشتراكية وتنفيذ الحلول وفي الآن نفسه نتجاهل القوات المسلحة.

مرحلة بن بلا

في يوم 4 آب (اغسطس) عام 1962 دخل أحمد بن بلا منتصرا الي العاصمة الجزائرية تحت حراسة قوات هيئة الأركان. ولم يتأخر كثيرا في تطبيق النموذج الاشتراكي في الجزائر معتمدا علي مساعدة مصر الناصرية وبقية الدول الاشتراكية والشيوعية في العالم.
أصدرت الحكومة الجزائرية في شهر تشرين الاول (اكتوبر) عام 1962، وبتشجيع من قيادة الجيش، قراراً يلغي كل الاتفاقات التي حدثت قبل الاستقلال ويشرع إنشاء لجان تصرف. يجب ملاحظة أنه قبل عام 1962 امتلك 22 ألف اوروبي 7،2 مليون هكتار من الاراضي الزراعية. أي أن المعدل بلغ 127 هكتار للمالك الواحد. في حين كان هناك 630 ألف مستغل جزائري يشتركون في 7 مليون هكتار، أي 12 هكتار لكل عائلة، دون أن ندخل في الحسبان الفلاحين الذين لا يمتلكون أصلا اراضي وعددهم كبير. اضافة الي أن 75% من الاراضي السقوية والخصبة كان يمتلكها المستعمرون الاوروبيون. و90% من هذه الاراضي امتلكها 6 آلاف مستوطن.

الاهتمام بالفلاحة

وكان اتجاه وزير الفلاحة آنئذٍ عمران اورغان نحو تأسيس ضيعات كبري تمتلكها الدولة علي الطريقة السوفياتية او الكوبية وفي آذار (مارس) عام 1963 دخل التسيير الذاتي حيز التنفيذ. ان هذا الانشغال الدائم بالفلاحين والفلاحة يعكس الانتماء العاطفي للقيادة العكسرية لهذه الطبقة. ورغم ان الفريق الحاكم يشترك في الافكار الاشتراكية نفسها، إلا أن الخلاف سرعان ما دب في صفوفه وعادت قضية صراع السياسيين مع العسكر الي المواجهة مرة اخري.
يقول عالم السياسة الجزائري عبد القادر يفصح: عاشت الجزائر نظريا تحت نظام الحزب الواحد. ولكن عمليا، ورغم التغطيات المؤسساتية والايديولوجية،، فإن الجيش ظل العامل المحدد بل المصدر الاول لأمن النظام السياسي.
واعتقد بعض المحللين أن انقلاب 19 حزيران (يونيو) هو الانقلاب الثاني للجيش بعد انقلاب/ تحالف مع بن بلا ضد الحكومة الجزائرية المؤقتة عام 1962. ويذكرنا فراد ريغز في هذا الموضع بأنه لا يجب علينا أن ننسي أن العسكر هم في الواقع بيروقراطيين. ويضيف: تمنعنا الفكرة التقليدية القائلة بأن الجيش لا يمثل جزءا من البيروقراطية وأن الانقلابات العكسرية تدفع بالعسكر الي السلطة، من إدراك حقيقة الاشياء. وهي معرفة أن كل الموظفين، سواء كانوا عسكرا او مدنيين لديهم المصالح نفسها كأعوان دولة، حيث يعتمد الامن، والدخل، والمركز الاجتماعي علي الحكومة. وفي الازمات نجدهم مضطرين لدعم المجموعات القادرة علي حماية هذه المصالح. إن الحكومات العسكرية التي يشكلها مجموعات الضباط تحتوي عادة علي موظفين مدنيين سامين وتتمتع بدعم بأعداد كبيرة من أعوان الدولة.

مرحلة بومدين

أراد الجيش الجزائري الاستحواذ علي كل السلطات، عزل الرئيس وسجنه، واحتواء حزب جبهة التحرير الوطني، فنجح في انقلاب 19 حزيران (يونيو) عام 1965. لقد برزت تطلعات العسكر في الحكم منذ عام 1962 حينما أعلنوا أن الاستقلال تم عبر كفاحهم وأنهم عازمون علي بناء دولة عصرية. وواصل الجيش غرس عقيدة تفوقه علي الدولة والمجتمع لدي الضباط الشبان.
لقد مثل انقلاب عام 1965 آخر مرحلة للجيش حتي يستلم كل السلطات نهائيا في الجزائر. كان هواري بومدين هو القائد الكاريزمي لهذه المؤسسة وتحيط به مجموعة من الضباط الشباب المتميزين بانضباطهم ووفائهم وولائهم المطلق لزعيمهم. وعندما شكل بومدين مجلس الثورة ليحكم عبره البلاد رفع شعارا قال فيه: يجب ان تعود السلطة لاولئك القادرين علي قيادة الرجال في المعركة. وحتي يحقق أهدافه كان قد عمل منذ أيام حرب التحرير علي تشكيل تكتل داخل الجيش سمي بـ(كتلة وجدة) نسبة الي مدينة وجدة المغربية حيث كان بومدين يقود الجبهة الغربية للجيش.. ففي عام 1956 كان بومدين قائدا للولاية الخامسة في الثورة، وعمل علي انتداب شباب صغار معظمهم يدرس في معاهد ثانوية في مدينة وجدة المغربية. كانت تحركه في الاول فكرة أن جيش التحرير هو ايضا تنظيم وترابط دقيق يخضع الي هرم إداري، مما يعني ضرورة انتداب مراقبين وضباط يحسنون القراءة وكتابة التقارير. فقام بإعطاء مسؤوليات خطيرة لشباب صغيري السن، بعضهم ما زال في سن المراهقة، وهم الذين سيصبحون مشهورين بعد الاستقلال وسيقودون الدولة الجزائرية الفتية. وستطلق عليهم الصحافة العالمية.

مجموعة وجدة

قدم هواري بومدين نفسه كممثل حقيقي لطبقة الفلاحين الجزائريين، ولفئة الشباب الذين عادة ما يكونوا معربين ذوي تطلعات اشتراكية، وقام لأجل ذلك باستبعاد كل الضباط الذين لا يتفقون معه في الرأي. وقد حاول في هذه المرحلة أن يعطي للجيش صورة مؤسس الاشتراكية في الجزائر وحاميها الاول. ويمكننا أن نرصد في هذه الفترة ايضا بداية الاختفاء التدريجي للنخب السياسية او العسكرية التي قادت الثورة لصالح قيادات الصف الثاني تارة، او حتي لضباط تقنوقراط عملوا في صفوف الجيش الفرنسي تارة اخري.

جسدا من دون روح

يجب ملاحظة أن هذه الفترة شهدت ايضا فقدان جبهة التحرير الوطني لكل تأثير في الحياة السياسية. كتب المؤرخ الجزائري احمد رواجعية معلقا في هذا السياق: منذ عزل الرئيس احمد بن بلا في حزيران (يونيو) عام 1965، وجدت جبهة التحرير الوطني نفسها، مرة اخري، تخسر بريقها بشكل حاد. لقد قام العقيد بومدين الذي استحوذ علي كل السلطات باستبعاده من المشاركة في اتخاذ كل القرارات السياسية المهمة. كما قام باحتقارها ووصفها بأنها جسدا بدون روح . وأصبحت من حزب طليعي فجر ثورة الي مجرد جهاز أعطي لقايد أحمد ليديره، ورغم تهميشها فقد بقي حزب جبهة التحرير الوطني وسيلة بيد سلطة بومدين والعسكريين تستخدم لمصالحهم. ويشترك في التحليل نفسه عالم السياسة الجزائرية عبد القادر يفصح حينما يقول: لقد عاشت الجزائر في الفترة الممتدة بين عام 1954 وحتي عام 1989 نظريا تحت حكم الحزب الواحد، ولكن عمليا، ورغم التمويهات المؤسساتية والايديولوجية، فإن الجيش كان العامل المحدد، بل المصدر الوحيد للسلطة السياسية. وبعد الترسيخ النهائي للحكم العسكري في الجزائر عام 1965 تمتعت الثقافة العسكرية بموقع المهيمن. وأصبحت تعتبر في الآن نفسه إرثا وطنيا ومكسبا تاريخيا. أصبحت ثقافة مسيطرة تعتمد علي ثلاثة مبادئ قائدة: التجمع، العدالة الاجتماعية والامة. وفي المقابل يجب أن نحرص علي التنبيه الي أن الجيش الجزائري في هذه الفترة ما زال يتمتع بشرعية ثورية تاريخية، تلك الشرعية التي اكتسبها من حرب التحرير كما يتمتع بنوع من الإجماع النسبي لدي الشعب الجزائري الذي لا يمنع العسكر من ممارسة السلطة او لعب أدوار عسكرية. بل لقد التزم الجيش بتحديث البلد اقتصاديا وبتنمية مقدرات الامة.

الجيش والاشتراكية

منذ استلامه السلطة كرئيس للجمهورية الجزائرية بين العقيد هواري بومدين موقع المؤسسة العسكرية بالنسبة الي الدولة والمجتمع وقال: ان السؤال الذي يطرح اليوم يتمثل في معرفة هل يمكننا أن نتحدث عن الاشتراكية ونتجاهل في الآن نفسه الجيش؟ شخصيا، أنا مقتنع، واقتناعي يعتمد علي تحليل موضوعي وتاريخي، انه خطأ كبير التفكير في تطبيق الاشتراكية وتنفيذ الحلول وفي الآن نفسه نتجاهل القوات المسلحة. ومن ثمة سيرتبط الجيش بكل مساعي التنمية الجزائرية من عام 1967 الي عام 1978. وسينفذ العسكري المشاريع الاقتصادية الكبري مثل تعمير الصحراء وإنشاء المساحات الخضراء. لقد شارك 10 آلاف جندي وضابط في هذه المشاريع. كما ساهم العسكري في الثورة الزراعية. وحسب الفلاحين، فالجيش هو الذي كان يسقي القري الفلاحية. صرح بومدين مرة في هذا السياق: سنقوم بترقية كل الكوادر التي أثبتت مدي التزامها في كل مكان من البلاد. إن ما نطلبه اليوم من الكوادر هو الكفاءة النزاهة، والالتزام بعملية تطبيق الاشتراكية. يقول فؤاد الخوري بشكل عام في هذا السياق، ويظهر أن استمرار التغييرات التي يحدثها العسكري في المجتمع لا يتوقف فقط علي أهواء القادة إنما علي تجاوب الجيش والشعب معهما. هذا يدل علي ان الانقلاب الحدث، وإن بدأ بشلة من الضباط، فإنه قد يؤثر في تنظيم المجتمع وقواعده السياسية والاقتصادية العامة. قد يحدث الانقلاب تغييرات وتبدلات تاريخية يصعب الرجوع عنها في ما بعد.
لقد أكد بومدين الخيار الاشتراكي منذ 19 حزيران (يونيو) عام 1965. لقد تأثر، مثله مثل رفاقه، بالظروف الدولية المحيطة والمتميزة بهيمنة الايديولوجيا الاشتراكية علي بقاع كثيرة من العالم. ويجب التأكيد ايضا علي مدي مساعدة الدول الشيوعية والبلدان الاشتراكية بما فيها مصر الناصرية للثورة الجزائرية، لقد شجع جميعهم الجزائر المستقلة علي انتهاج النهج الاشتراكي. كما يمكننا اضافة عامل آخر يتمثل في انتماء الرئيس هواري بومدين الي طبقة الفلاحين واعتزازه الدائم بهذا الانتماء دفعه الي التشبث بالخيار الاشتراكي. أما العامل الثالث فيجسده انتصار الشق الاشتراكي في الثورة علي الشق الليبرالي منذ هزيمة الحكومة الجزائرية المؤقتة عام 1962.

التطبيق الاشتراكي

شمل التطبيق الاشتراكي البومديني جانبين مهمين في التنمية الاقتصادية. الاول يتعلق بالفلاحة وسمي بالثورة الزراعية. أما الثاني فيتعلق بالصناعة وسمي بالصناعة التصنيعية. واستفاد من تدفق الريع النفطي في الميدانين الاثنين.
ارتكز المجهود الاقتصادي في العهد البومديني عي تحقيق هدفين، الهدف الاول يسعي الي تكثيف استغلال قطاع المحروقات والبحث عن أسواق جديدة، الهدف الثاني يسعي الي تصنيع مكثف للبلاد. حيث تم وضع أسس الصناعة الثقيلة مستفيدين من مداخيل الريع النفطي ومساعدة الدول الاشتراكية. واتخذت في هذا الصدد سلسلة اجراءات بين عامي 1966 وعام 1971 مكنت الدولة من مراقبة او الاشراف علي الانشطة البنكية، الصناعية، وقطاع المعادن والمحروقات. وأعطت الدولة الشركات المؤممة الي حوالي خمسين شركة وطنية، حيث برزت شركتا سوناطراك (الشركة الوطنية للمحروقات) و(شركة المعادن) كإحدي أكبر الشركات التي أدارت الاقتصاد الجزائري.

التصنيع الجزائري

إن محور عملية التصنيع الجزائرية اعتمد علي المشروع الاساسي الذي سمي بالصناعة التصنيعية وهو مشروع مستوحي من نظرية الاقتصادي الفرنسي دستان دو بارنيس. يعتقد هذا الاخير ان سرعة التصنيع تعتمد علي إنشاء صناعات قادرة علي زيادة انتاجية القطاعات الاخري. وتتمثل هذه الصناعات في صناعات الحديد والصلب، في الصناعات الميكانيكية، في الصناعات الكيميائية، وفي الصناعات الاليكتروميكانيكية. وحتي تقوم هذه الصناعات بدور تصنيع البلاد، يجب عليها أن تكون قادرة علي تأطير الاقتصاد والقيام بعملية التوسيع في اتجاه أنشطة اخري مثل النشاط الفلاحي الصناعي او النشاط الفلاحي، او التجارة، او مواد الاستهلاك او مواد التجهيز والانتاج. وكان الهدف من هذا المشروع الذي يمكن نعته بالمشروع التقنوقراطي، هو الاستخدام المكثف لآخر انتاجات التقنية المتقدمة في العالم بهدف تصنيع سريع للجزائر وتحويلها الي بلد مصدر للمنتوجات الصناعية. لكن المشكل الذي واجه هذا المشروع الطموح تمثل في الفشل في عمليات التصدير لوجود عقبتي قلة الجودة في المنتوج أولا، ثم احتكار السوق العالمي من قبل الدول الكبري المتقدمة ثانيا. وبعد تقلص عائدات الريع النفطي، الممول الوحيد لهذا المشروع، أفلست هذه الصناعات، وهي اليوم تمثل عبئا علي الدولة التي تحاول التخلص منها ببيعها للقطاع الخاص او للمستثمرين الاجانب.

الجيش والفلاحة

أما علي الصعيد الفلاحي، فقد أعلن بومدين الثورة الزراعية في ربيع عام 1974. وستمس مباشرة قطاع ملاك الاراضي، حيث وقعت منذ بداية عمليات التأميم سلسلة من الاضطرابات المضادة للثورة الزراعية والتي انتشرت في كثير من انحاء البلاد. وطرح بومدين علي نفسه فكرة كيف يمكنه حماية المكتسبات الاشتراكية. وكانت الإجابة تكمن في أن الجيش هو الضامن الاول لتطبيق الاشتراكية في الجزائر حسب الدستور. وكان الغطاء المتبع هو استخدام اسلوب دولة التعبئة الجماهيرية التي اعتمدت اعتمادا كليا علي البيروقراطية.

اشتراكية المخابرات

يجب ملاحظة أن النهج الاشتراكي للرئيس هواري بومدين قد استخدم الاساليب القمعية واعتمد علي جهاز مخابراته الشهير المسمي بـ الامن العسكري أكثر من اعتماده علي جماهير منظمة وواعية ومنتخبة ديمقراطيا، ورغم التزامه بـ طبقة الفلاحين واعتباره المدافع الاول عنها فإن نظامه كان في الحقيقية نظاما يجمع بين سلطته الفردية وسلطة المؤسسة العسكرية التي قمعت كل من عارض مشاريعه الاشتراكية قمعا أمنيا مباشرا. لقد قام الامن العسكري باختراق واسع لكل القطاعات الاقتصادية والاجتماعية وحتي الثقافية في البلاد. وأنشأ لأجل ذلك مكاتب استخبارات ومراقبة داخل كل الشركات والمؤسسات في الجزائر. وكان أعوان الامن المسؤولون عن هذه المكاتب يتمتعون بصلاحيات وسلطات واسعة. فهم يشاركون مثلا في مجالس الادارة، بل يشاركون حتي في المجالس العلمية في الجامعات.
كما يجب ملاحظة أن اشتراكية بومدين كانت اشتراكية (شعبوية) لم تعتمد علي نظريات اشتراكية حقيقية وواضحة المعالم، وحتي الدستور الجزائري الذي نص علي أن الجيش هو الضامن الرئيسي لتطبيق الاشتراكية، لم يجد صدي كبيرا في الواقع حيث لم يكن كل الضباط يؤمنون بالاشتراكية. إن الضامن الوحيد لاستمرار هذا النهج هو بومدين نفسه، وبضعة ضباط عقائديين منحدرين من جيش التحرير الوطني او بعض ضباط جيل الاستقلال الشباب الذين دعموا هذا النهج. ولأجل هذه الاسباب لم يكن من الممكن استمرار هذا التناقض بين دستور اشتراكي وقيادة عسكرية في معظمها غير اشتراكية.
علي الصعيد الايديولوجي الثقافي، لم يتجاهل بومدين ثقافته الاصلية المتشبعة بالروح العربية الاسلامية. وكان ايمانه راسخا بأن إزالة هيمنة اللغة الفرنسية علي الشعب الجزائري هو طريق الاستقلال الوطني الحقيقي، فقام بإعلان حملة تعريب واسعة مست كل الميادين، وكلف زميله في مجلس الثورة محمد صالح اليحياوي بتنفيذ حملة التعريب وأعطاه وزارة التربية والتعليم.

الجيش والعروبة والإسلام

واعتقد بومدين ان الدين الاسلامي مثله مثل اللغة العربية من المكونات الاساسية للشخصية الجزائرية وهويتها. وكان يلح احيانا ويفرض احيانا اخري علي إطارات الدولة استخدام اللغة العربية. وحققت العربية في ظرف 10 سنوات من حكمة نتائج باهرة.
في هذه الفترة، يمكننا وصف ايديولوجيا في اطار شعبوي الي إحداث عملية تصالح بين تراث الماضي ومتطلبات الحداثة والمعاصرة. وكان من السهل الربط بين الاصول الاجتماعية للقائد هواري بومدين وترؤسه للجيش مع الخيارات الاشتراكية الكبري التي اتخذت وطبقت في الجزائر. لكن المشكل الذي سيحدث في المستقبل يكمن في أن أغلبية ضباط الجيش لم تكن لهم علاقات حقيقية بالايديولوجيا الاشتراكية، خاصة ضباط الجيش الفرنسي الذين حافظوا سرا علي نزعة فرنكفونية لغويا وليبرالية اقتصاديا. وحينما سيقوي نفوذهم في الجيش في عهد الشاذلي بن جديد ليصلوا الي قمة القيادة، فإنهم سيشجعون عملية التخلي عن الإرث الاشتراكي البومديني.

ليبرالية بن جديد

توفي الرئيس هواري بومدين يوم 27 كانون الاول (ديسمبر) عام 1978. وتم تعيين العقيد الشاذلي بن جديد خليفة له علي رأس الدولة الجزائرية. وكان هناك بينهما اختلاف عميق في الاسلوب ومنهج الحكم يعود أصلا الي طريقة وصول كل منهما الي السلطة. فبومدين وصل الي السلطة في الجزائر عبر القوة لأنه كان القائد الحقيقي، وبدون منازع للمؤسسة العسكرية. أما الرئيس الشاذلي بن جديد فإن تعيينه رئيسا للدولة حدث لأن الضباط الكبار (لا بد من الإشارة خاصة الي دور قاصدي مرباح قائد جهاز المخابرات الامن العسكري في هذا التعيين، وفرضه لبن جديد رئيسا للدولة) رغبوا في تعيينه ضد المرشحين البارزين آنئذٍ: وزير الخارجية عبد العزيز بوتفليقة ورئيس جبهة التحرير الوطني محمد صالح اليحياوي. وكانت تعلتهم أنهم انتقوا أكبر الضباط سنا وأرفعهم رتبة عسكرية للحكم. وسرعان ما حدثت عمليات تصفيات سياسية وعسكرية علي نطاق واسع استهدفت التيار البومديني وأقطاب الاشتراكية مثل بوتفليقة او يحياوي او ضباط جيش التحرير الوطني، وأصبحت ميزانيات الثكنات تستخدم لمصالح الضباط الشخصية، وبعضها وقع الاستيلاء عليها من قبل بعض الضباط. وأعلن عن بداية إنشاء ثكنات عسكرية في المنطقة الثانية، الثالثة والخامسة منذ بداية الثمانينيات، لكن لم ينجز منها الي حدود عام 1992 سوي 40% وتوقفت لأن الصناديق كانت فارغة، وبعض المجندين الاحتياط كانوا يستخدمون كخدم في شقق كبار الضباط، ولم يتحرك أحد ضد اختلاس أموال الجيش او حتي التنديد بها. وفي الآن نفسه قام الرئيس الجديد الشاذلي بن جديد، تزامنا مع استبعاد الضباط والسياسيين البومدينيين، بانتهاج سياسة تحرير الاقتصاد والحد من المنجزات الاشتراكية والتخلي التدريجي عنها.

عودة الليبراليين

لنذكر أن انتصار تحالف الجيش/ بن بلا عام 1962 مثل انتصارا للاتجاه الاشتراكي ضد (التحالف الليبرالي)، قال عنه الرئيس السابق احمد بن بلا: ان الايديولوجيا الاشتراكية تجيب بشكل عميق علي تطلعاتنا نحو حياة كريمة تسودها العدالة الاجتماعية، كما تجيب علي متطلباتنا في التقدم في كافة الميادين. وقال بعده هواري بومدين: لم نقم بالثورة حتي نصبح خماسة لدي الملاك الجزائريين. (الخماس) في لهجات المغرب العربي هو العامل الفلاحي الذي يستثمر الارض مقابل خمس المحصول. وهي علاقة شبه اقطاعية سادت طويلا في هذه المنطقة. ويمثل تعبير (الخماس) قمة الازدراء والإهانة في النظرة الاجتماعية لهذا القطاع.
لنذكر ايضا ان الليبراليين ردوا الفعل مبكرا ضد تطبيق النهج الاشتراكي، سواء كان الامر في عهد بن بلا او في عهد بومدين. كتب فرحات عباس رئيس أول حكومة مؤقتة للجمهورية الجزائرية قائلا: تعقد الاشتراكية معطي جديدا أضيف لبيان أول تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1954. حيث لم يتعرض الي ذكرها أحد طيلة سنوات حرب التحرير. وأضاف ساخرا: إن سلوك الجمهورية الجزائرية يشبه سلوك امرأة زانية. متزوجة رسميا وعلنا بالاسلام، في حين تنمام سرا في فراش ستالين.
يجب ملاحظة أن هزيمة التيار الليبرالية كانت هزيمة مؤقتة. حيث سيقوم بتنظيم نفسه في عهد الرئيس الجديد الشاذلي بن جديد. وسيستفيد من الظروف الدولية المواتية التي تميزت بانكماش الاتحاد السوفياتي والكتلة الشيوعية وبداية انحطاطهما. وسينجح في معركته الجديدة ضد بقايا الاشتراكيين وسينسج علاقات واسعة ومتينة مع رموز الرأسمالية الدوليين كالبنك العالمي وصندوق النقد الدولي. أصبحت الاشتراكية في أواخر حكم الرئيس الشاذلي بن جديد إرثا ثقيلا من الماضي سيتخلص مه كليا مع الذين تولوا الحكم بعده.

نهاية الاشتراكية

قام الرئيس الشاذلي بن جديد بحملة خصخصة وبيع للقطاع العام بشكل تدريجي في المرحلة الاولي من حكمه ثم بشكل متسارع في أواخر الثمانينيات. وشجعته في مسعاه الجديد طبقة الاثرياء الصاعدة التي استفادت بطرق ملتوية من الريع النفطي ومن احتكار التوريد. أما علي مستوي الجيش فقد نجح بن جديد في استبعاد من تبقي من ضباط جيش التحرير الوطني الذين شاركوا في الثورة والمتميزين باتجاهاتهم العربية الاسلامية والاشتراكية، وتعويضهم بضباط الجيش الفرنسي. كما أبعد القيادات الاشتراكية في جبهة التحرير الوطني مثل مدير الحزب محمد شريف مساعدية ومناضلين آخرين. انتجت هذه المتغيرات الاقتصادية الاجتماعية نتائج وخيمة علي الاقتصاد الجزائري. حيث انهارت العملة الوطنية (الدينار) وتزايد حجم الديون.
وتمزقت الطبقة المتوسطة وتم تفقيرها كما مست الرشوة والفساد قطاعات واسعة في المجتمع والدولة، وهو ما أدي بالبلاد الي أزمة شاملة. تلخص الازمة الاقتصادية عبر الارقام التالية: تزايد حجم فوائد الديون مثلا من 4 مليار دولار عام 1980 الي 5 مليار دولار عام 1986 الي 4،5 مليار عام 1987 الي 5،8 مليار عام 1988. وانتقل حجم الدين الكي من 15 مليار دولار عام 1985 الي 24 مليار دولار عام 1990. وبلغ حجم البطالة حسب الارقام الرسمية 22% من مجموع اليد العاملة، ثبت فشل إمكانية أن تنجح البيروقراطية العسكرية في تطبيق الاشتراكية وإحداث التنمية. إن انحراف العسكر عن دورهم في حماية أمن البلاد وتدخلهم في كل مجالات الحياة وبخاصة المجال الاقتصادي والثقافي لا يؤدي في النهاية إلا الي كارثة محتمة.

المصدر:الحوار المتمدن