بين حقوق القبايل المشروعة ومخاطر التفكك… هل يكون القبايل ضحية رهانات الخارج وحسابات الداخل؟

انتفاضة القبايل في تيزي وزو وبجاية تمثل ثالث أكبر انتفاضة لهذه الفئة من السكان ضد الحكم المركزي في الجزائر. فأول انتفاضة كانت مسلحة وحدثت عام 1963 وقادها حسين آيت احمد ضد استيلاء احمد بن بلا وجيش الحدود علي الحكم في الجزائر وإبعادهما للحكومة الجزائرية المؤقتة. وثاني انتفاضة حدثت في ربيع عام 1980 في تيزي وزو وقادها رجال أسسوا في ما بعد التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية أمثال سعيد سعدي. أما انتفاضة اليوم فلا يعرف إلي حد الآن من ورائها بالضبط. فالمتأكد منه أن التنظيمين السياسيين التقليديين، أي جبهة القوي الاشتراكية بقيادة حسين آيت احمد، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بقيادة سعيد سعدي، ليسا وراء الأحداث، حيث يبدو أنها تجاوزت الجميع. فقط فرنسا بدأت تصب الزيت علي النار وتشن هذه الأيام حملة عما تسميه الاضطهاد العربي للبربر في الجزائر وهي سياسة قديمة استخدمتها ضد كل الأقليات في الدول التي سبق أن استعمرتها.

خصال القبايل

لكن في المقابل لا بد من التنبيه إلي تميز القبايل بعدة خصال لعلها تكمن في:
ــ الذكاء الفطري والشغف بالعمل السياسي منذ أيام الثورة إلي اليوم، حيث نجد قادة شيوعيين، وقادة إسلاميين، قادة إقليميين معادين للعرب، وقادة قوميين عربا، تقريبا نجد القبايل في كل المواقع وفي مختلف التيارات السياسية الأيديولوجية.
ــ وعي تام بأنهم جزء لا يتجزأ من الجزائر. فلم تلحظ لديهم نزعة انفصالية تطالب حتي بالحكم الذاتي، هم إذن يناضلون من الداخل.
ــ يرفع أغلب القادة شعارات الديمقراطية وهو ما يساعد علي تقدم الجزائر في الطريق الديمقراطي الذي انتهجته منذ عام 1988 مدا وجزرا. ولعل حسين آيت احمد يمثل نموذجا في الإخلاص والنضال في سبيل الديمقراطية مع التشبث بالوحدة الوطنية.

التعددية المجتمعية في الجزائر

إن الواقع الاجتماعي الجزائري يتكون من تعددية ثقافية جلية، هذه التعددية التي تميز بين البربر والعرب تنتج أكثر المشاكل تعقيدا وصعوبة.
إن جذور الصراع تكمن في تركيبة المجتمع الجزائري نفسه، فهو منقسم إلي عرب وبربر. فالعرب يمثلون أغلبية داخله، وينتشرون جغرافيا علي كل مساحة الجزائر باستثناء منطقة القبايل (بجاية، تيزي وزو). أما البربر فهم منقسمون إلي أربع فئات:

القبايل
وأهم مركزهم يوجد في منطقة القبايل، وهي منقسمة إلي القبايل الصغري (بجاية) والقبايل الكبري (تيزي وزو). حافظوا علي خصوصيتهم اللغوية (الأمازيغية)، ويعدون أكبر المعادين للهيمنة العربية علي الحزب أو الدولة في ما بعد.

الشاوية
يسكنون منطقة الأوراس، الولاية الأولي في الثورة، وتعرف اليوم بمدن: تبسة، باتنة، سوق أهراس، ويتميزون عن القبايل بعدم معاداتهم للعربية، بل يعدون أكثر المدافعين عنها والمتحمسين لها. وتصدوا لمحاولات القبايل في التشكيك في عروبـة الجـزائر. بـرز منهم الشيخ عبدالحميد بن باديس، مؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان دائما يقول: العربية لغتي والاسلام ديني والجزائر وطني ، ثم جاء منهم أيضا هواري بومدين قائد حملة التعريب، ولهم مراكز قوية في أجهزة الدولة وخاصة في الجيش (الرئيس السابق للجزائر اليمين زروال من أصل بربري شاوي) تحالفوا مع العرب لإزاحة القبايل.

الموزابيين
هي فئة بربرية أقل عددا. يعتمدون المذهب الخارجي الأباضي. اهتموا بالتجارة أكثر من السياسة، لم يدخلوا في أي صراع نفوذ داخل الجبهة. أشهر أبنائهم المفدي زكرياء مؤلف النشيد الوطني الجزائري.

الطوارق
يقطنون جنوب الصحراء، علي الحدود المالية، النيجيرية والليبية. لم تكن لهم أية نشاطات سياسية ولا طموحات من أجل السلطة. بعيدون جغرافيا، عادات وتقاليد، عن بقية بربر الجزائر.
سينحصر الصراع منذ تأسيس جبهة التحرير الوطني عام 1954، بين العرب وحلفائهم الشاوية من ناحية والقبايل الذين حوصروا وتم أقصاؤهم من ناحية ثانية.

تاريخ الصراع الإثني
لا بد من الانتباه أنه قبل عام 1831، سنة الاستعمار الفرنسي للجزائر، لم يشهد هذا البلد مثل هذه النزاعات، لأنها نشأت واشتدت تحت ظل الاستعمار الفرنسي وتواصلت بعد الاستقلال.
يعتقد المؤرخ الجزائري محمد حربي أن الصراعات الإثنية في الجزائر ظهرت إبان الفترة الاستعمارية، وبالتحديد في السنوات العشرين من هذا القرن، حيث برز المذهب البربري من جهة والمذهب العربي الإسلامي من جهة أخري… وقد مست أغلبية الأحزاب المتواجدة علي الساحة. كما أنها لم تخرج من إطار النخبة، فلم تكن موضوعا مطروحا عند العامة.
يؤكد محمد حربي هذه النقطة حينما يقول : إن أثنية ethnisation العلاقات السياسية تشكلت في غضون العهد الاستعماري، وتقوت عبر تواجد حركات شعبية أبرزت مجموعات من السكان يجهل بعضها البعض الآخر. يمكننا القول إنه علي الصعيد الإيديولوجي، قد تمت ولادة النزعة البربرية ومقابلها النزعة العربية الإسلامية في الفترة نفسها، أي السنوات العشرين. وفي حين تصدت النزعة العربية الإسلامية منذ نشأتها للاستعمار، فإنه لا بد من انتظار سنوات الأربعين حتي نرصد أصحاب النزعة البربرية ينضمون بدورهم تحت علم الوطنية . ومنذ اندلاع ثورة نوفمبر، لعب البربر، سواء كانوا قبايل أو شاوية، دورا حاسما في إنجاحها وانتشارها علي كامل التراب الجزائري. ولا بد من الانتباه أن الشاوية مثلا ورغم كونهم بربرا إلا أنهم يتميزون بتبنيهم العميق للعربية لغة وثقافة واعتزازهم الشديد بها. فبومدين الشاوي كان رائد التعريب في الجزائر. كما لم تعرف عنهم أية نزعة اعتراضية ضد العربية أو دعوة مبالغ فيها لفرض الأمازيغية واعتبارها منافسا أو خصما للعربية. فالمشكل يكمن في الحقيقة مع القبايل. فقد كان طموحهم جارفا في القيادة مما أدي إلي استبعادهم النسبي بفضل بروز نوع من التحالف بين العرب من جهة والشاوية من جهة أخري.

صراعات متتالية مع الحكم المركزي

تصبح المقاربة التاريخية لفهم وتفسير آلية الهيمنة والازاحة مسألة ضرورية لفهم شعور الحرمان المتزايد لدي القبايل.

أول أزمة

إن أول أزمة حقيقية شهدتها الحركة الوطنية الجزائرية حول مسألة الصراع العربي ــ البربري، كانت في حركة انتصار الحريات الديمقراطية عام 1949 حينما رفض 28 عضوا من أصل 32 يشكلون فيدرالية فرنسا للحركة، فكرة أن الجزائر عربية إسلامية، وأيدوا أطروحة الجزائر جزائرية. واتسعت الأزمة حين فتحت الحركة اكتتابا من أجل فلسطين… وعارضه البربر بقيادة رشيد علي يحيي… وسرعان ما جري الانزلاق إلي العداء لكل ما هو عربي، وراح التطرف يتغذي من التطرف… حـتي قـام مصالي الحـاج (وهـو عـربي من الغرب) بحملة تطهير واسعة ضد العنصر القبايلي في الحزب … ، وقال في ما بعد …كان ذوو النزعة البربرية يدخلون الحزب، كبارا وصغارا، إلي كل المواقع فيه تقريبا، كجرثومة تدخل جسما قد ضعف، تنقلوا بسهولة وذهبوا هكذا يزرعون الجرثومة في كل فرنسا… كانوا لفترة من الزمن سادة الحزب .
وعلي إثر انشقاق حركة انتصار الحريات الديمقراطية، تسارعت الأحداث حتي ظهور جبهة التحرير الوطني، التي وجد فيها المناضلون القبايلون مواقع قيادية منذ تأسيسها، حتي أن أول هيئة تنفيذية قائدة للجبهة وهي لجنة التنسيق والتنفيذ كانت تحت هيمنتهم، من خلال عبان رمضان وكريم بلقاسم، وكانوا قادة للولايات مثل مصطفي بن بولعيد، وعميروش، آيت حمودة، سي الحواس… ووزراء مثل حسين آيت أحمد.
وحينما تضخمت جبهة التحرير الوطني، وتضاعف عدد مناضليها، أصبحت تعكس أكثر التركيبة الإثنية للمجتمع الجزائري. فلم يعد مقبولا أن تهيمن الأقلية القبايلية علي الأكثرية العربية والشاوية داخل الجبهة. ومن ثمة تعرضوا إلي حملة إقصاء وإزاحة فتم اغتيال عبان رمضان. وأزيح القادة الآخرون مثل كريم بلقاسم وآيت أحمد، وذلك في إطار الحد من هيمنتهم علي الجبهة، وهي هيمنة اكتسبوها بفضل أسبقية انضمامهم التاريخية. لقد خسروا مواقعهم داخل الجبهة/ الدولة، لأنهم راهنوا علي الحكومة المؤقتة وقاوموا مجموعة تلمسان وجيشها المنظم. لقد كانت النتيجة أن أعلن القبايل عن معاداتهم لجبهة التحرير الوطني ومقاومتهم لها.
يشرح الباحث الجزائري شاكر سالم الخلافات الإثنية وكيف ظهرت إبان حرب التحرير من وجهة نظر قبائلية معادية للعرب فيقول: إن أحد الانشغالات الكبيرة للقادة العرب أثناء الثورة كمن في تهميش القادة السياسيين القبايل. فهم يعتقدون حسب رأيهم أن كل جميع القبايل متهمون بالنزعة البربرية وولاءهم العربي غير مضمون . وحقيقة، لقد خسر القبايل كثيرا من نفوذهم الذي اكتسبوه منذ اندلاع الثورة عندما تم اغتيال أحد أبرز قادتهم عبان رمضان عام 1957. وزادت خسارتهم عندما وصل تحالف بن بلا / بومدين إلي السلطة وبعد فشل ثورة زعيمهم آيت أحمد المسلحة سنة 1963 بمنطقة القبايل.

مواجهة بن بلا

وكان رد فعل بن بلا حاسما تجاههم، فأكد عروبة الجزائر، وقال في خطاب له بتونس نحن عرب، عرب، نحن عشرة ملايين عرب ومارس بومدين سياسة تعريب، جعلت القبايل أكثر عداوة للتحالف العربي الشاوي.
قام القبايل بأول رد فعل عنيف في 29 أيلول (سبتمبر) عام 1963، عندما ثاروا بقيادة حسين آيت أحمد الذي انسحب من جبهة التحرير الوطني وأسس جبهة القوي الاشتراكية. ولئن أكد هذا الأخير علي أن الغاية من تأسيس هذا الحزب هـو الدفـاع عـن الأطـروحة الاشتراكية كمـا يـراها، فإن الدعم الذي وجده في منطقته لا يمكن اعتباره دعما إيديولوجيا بقدر ما كان دعما إثنيا. ذلك أن حركته لم تجد أي صدي خارج منطقة القبايل. تمكن الجيش من إخماد هذه الثورة المسلحة واعتقال زعيمها الذي فر في ما بعد من سجنه ليستقر في أوروبا. لكن مقاومة القبايل استمرت. وكانت مطالبهم مركزة علي الاعتراف باللغة الأمازيغية وتدريسها. وكانوا أكثر المعادين لجبهة التحرير الوطني لأنهم يرون فيها مؤسسة محتكرة من قبل العرب والشاوية.
كما واصل بومدين بعده سياسة تعريب الجزائر وإبراز هويتها العربية الإسلامية.

ربيع تيزي وزو

وبلغ صراعهم ذروته مع الحكم المركزي في الجزائر في مصادمات ربيع تيزي وزو الدموية. حيث استمرت نفس السياسة مع بن جديد، الذي رد بعنف علي أحداث آذار (مارس) عام 1980 بتيزي وزو، حينما انتفض الطلبة القبايل مطالبين بالاعتراف باللغة الأمازيغية. وقال إن الجزائر بلد عربي مسلم، ولا مجال للتساؤل هل نحن عرب أم لا، فلغتنا هي العربية وديننا هو الاسلام (…) كما أن التراث الوطني ليس حكرا لجهة أو مجموعة معينة .
وأسس الدكتور سعيد سعدي التجمع من أجل الثقافة البربرية . وكانوا أول المتحمسين لإزاحة جبهة التحرير الوطني من السلطة بعد أن تم ذلك وأصبح لهم نفوذ واسع داخل أجهزة السلطة الفعلية وامتداداتها علي الساحة الإعلامية والثقافية. ويعتقد بعض المحللين أن استراتيجيتهم كانت تهدف منذ صعود الظاهرة الدينية، إلي إبعاد جبهة التحرير واستبدالها بتكتل يساري ــ بربري أكثر انسجاما مع السلطة الفعلية الممثلة أساسا في الجهاز العسكري ـ الإداري. ولئن عارض حسين آيت أحمد هذا الاتجاه، فإن البقية قد أيدوه وتحمسوا له.

تحول مع زروال

غير أننا نلحظ، في العشرية الأخيرة، تحولا مع الرئيس السابق اليامين زروال الذي أعاد الاعتبار نسبيا للنخبة السياسية الاتية من القبايل، لكن من دون التفريط في الهيمنة التاريخية للتحالف العربي الشاوي. ففي عهده كلفت مثلا الشخصيات القبايلية بالمناصب التالية: احمد اويحي، رئيسا للحكومة ثم تلاه في نفس الموقع إسماعيل حمداني، الجنرال محمد العماري، قائدا لهيئة اركان الجيش الجزائري، الجنرال محمد مدين، قائد المخابرات العسكرية، بشير بومعزة رئيسا للغرفة النيابية الثانية (مجلس الأمة). أما مدي هذا التطور في اتجاه دعم تواجدهم داخل أجهزة الدولة، فإن الأيام وحدها، وقرارات الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، القادرة علي الإجابة.

دور فرنسا

أكدت فرنسا من خلال حملتها الإعلامية ضد الجزائر والتركيز علي مسألة الاضطهاد العربي للقبايل علي مدي التزامها بمشروع زعزعة الجزائر وتفكيكها. يجب أن نذكر أن النخبة التي وصلت إلي السلطة في الجزائر علي إثر الاستقلال وأدارت البلد اعتمدت علي شعار التطرف في معاداة فرنسا. التقي هواري بومدين، رئيس أركان الجيش، مع احمد بن بلا في تحالف يهدف إلي إزاحة الحكومة الجزائرية المؤقتة المتهمة بتقديم تنازلات للسلطات الاستعمارية. واستخدم أغلب رؤساء الجزائر المستقلة خطاب معاداة فرنسا. كان بومدين اكثرهم صرامة معها. وفي الوقت نفسه اتجه نحو الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية أو منظمة دول عدم الانحياز. ولم يخف الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة امتعاضه الشديد من المواقف الفرنسية. انتقدها بعنف وقال علي الفرنسيين أن يهتموا بشؤون بلادهم. وسبقه الرئيس اليمين زروال حينما رفض لقاء جاك شيراك.

معاداة فرنسا

لقد مارست الدولة الجزائرية المستقلة إيديولوجية معاداة فرنسا التي أصبحت جزءا من عملية تعبئة الشعب الجزائري. بل وصل الأمر بالسلطات الجزائرية الي أن اتهمت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بأنها تجمع لأبناء الحركيين ، أي عملاء الاستعمار الفرنسي السابقين! ولم يزر فرنسا إلا الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد. أما البقية فقد تجنبوا زيارتها طيلة فترات حكمهم المتعاقبة. إن أكبر دليل علي انتهاج الدولة الجزائرية سياسة معاداة فرنسا يتجسد في عمليات التعريب الواسع والشامل التي قام بها رؤساء الجزائر المتعاقبون. كما تجب إضافة أن تسليح الجيش الجزائري هو في الأساس روسي، لكنه يتجه منذ نهاية الحرب الباردة إلي التنويع والاستيراد من الولايات المتحدة الأمريكية. بقيت حجة مضادة لهذا الطرح وهي تواجد ما اعترف عليه بـ ضباط الجيش الفرنسي في قيادة المؤسسة العسكرية. صحيح توجد مجموعة من الضباط المرتبطين عاطفيا بفرنسا وقد يكون علي رأسهم قائد قيادة الأركان الحالي اللواء محمد العماري. لكن يبدو أن نفوذهم ضعف، وإلا كيف نفسر أن العماري لم يكن راغبا في وصول بوتفليقة للرئاسة مفضلا عليه مولود حمروش. ورد هذا الخبر في صحيفة لوموند الفرنسية في 28 نيسان (ابريل) عام 99 المقربة من أوساط نافذة في الحكم الفرنسي. وكان القصد منه التنبيه إلي أن بوتفليقة ليس رجل فرنسا في الجزائر. وعلي الرغم من أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كثيرا ما يتحدث باللغة الفرنسية، وهو ما مثل استثناء مع بقية الرؤساء الذين سبقوه، فإنه يبقي في إعماقه عربيا مخلصا ومتقنا للغة العربية، لكنه يناور في إطار موازين محلية ودولية جديدة فرضت عليه فرضا.

البربر واللعب بالنار

فقدت فرنسا كل المجالات الحيوية التي يمكن أن تؤثر من خلالها في هذه المنطقة. ولم يبق لها إلا المراهنة علي اللغة الفرنسية والمثقفين المرتبطين بها والأقلية البربرية. وهو رهان خاسر منذ بدايته وأظهر فشلا ذريعا. لقد تفطن كثير من البربر إلي خطورة الارتباط بفرنسا، كدولة لا تمارس تأثيرا حقيقيا علي الساحة الدولية. فحسين آيت أحمد الزعيم التاريخي للحركة الأمازيغية في الجزائر فعل كل ما في وسعه ليتبرأ من فرنسا ويكيل لها التهم باستمرار، واختار خندق الجبهة الإسلامية للإنقاذ ورفع شعار مناهضة حزب فرنسا. حاولت فرنسا تبني قضية البربر أو الأمازيغية فأنشأت معهدا لتدريسها علي ترابها، وأنفقت أموالا لخلق اللغة الأمازيغية مكتوبة بحروف لاتينية…لكنها لم تجد صدي يذكر وأصبح المرتبطون بها أقلية شديدة لا في أوطانهم فقط وإنما داخل العائلة البربرية نفسها التي أنجبت، وهذا ما قد يشكل مفاجأة غير منتظرة، كثيراً من النشطين القوميين العرب أو حتي الإسلاميين. فأغلب قادة الجماعات المسلحة الجزائرية من البربر، وزعماء التيار القومي العربي في الجزائر من البربر مثل الدكتور عثمان سعدي…كما أنجبت كثيرا من القادة الإسلاميين.

قبايل ولكنهم إسلاميون

يجب أولا تعديل فكرة خاطئة انتشرت لدي الأوساط الإعلامية الغربية، بوعي أو من دون وعي، تعتمد مقولة إن الظاهرة الأصولية في الجزائر هي ظاهرة عربية يقابلها نزعة ديمقراطية (عادة لائكية) ترتكز علي العنصر القبايلي. إن الحجة المضادة لهذا الحكم المضلل تمكن في أن أغلب قادة الجماعة الإسلامية المسلحة هم من أصول قبايلية وليست عربية. يقدم لنا الباحث الجزائري عيسي خلادي كثيرا من الأسماء ويقول: إن أغلب القادة العسكريين الإسلاميين بربر، سواء تعلق الأمر بسعيد مخلوفي قائد الجيش الإسلامي للإنقاذ أو محمد السعيد بالنسبة إلي الجماعة الإسلامية المسلحة. والأكثر من ذلك من علال محمد المكني مح لفيلي إلي جمال زيتوني، مرورا بجعفر الأفغاني المكني مراد سي أحمد..فإن قادة الجيا هم جميعا تقريبا قبايل، مثل ما هو عليه حال مؤسس الحركة الإسلامية المسلحة مصطفي بويعلي أو رمز الإسلام الراديكالي، المنظر الإيديولوجي سلطاني عبد اللطيف..اليوم أهم شخصية للإسلامية الجزائرية: أحمد سحنون هو أيضا قبايلي. ولكن في المقابل يعتقد نفس الباحث محذرا القارئ بأن الظاهرة الأصولية في شكلها العام تبقي ظاهرة عربية .

خاتمة

القبايل فئة سكانية شديدة النشاط في الجزائر.. وانتفاضتها اليوم هي ربما تكون انتفاضة اجتماعية اقتصادية أكثر منها انتفاضة ثقافية تطالب بالأمازيغية والاعتراف بالهوية المحلية.. يبدو أنها انتفاضة تختلف عن انتفاضة ربيع عام 1980 وتقترب كثيرا من انتفاضة تشرين الأول (اكتوبر) عام 1988. ويبدو أن المتضرر الأول من هذه الانتفاضة هو الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي لم يحصل في انتخابات نيسان (ابريل) عام 1999 علي أكثر من 6 في المائة في هذه المنطقة باعتراف النتائج الرسمية نفسها.

المصدر:الحوار المتمدن