تونس تعيش بثلث ديموقراطية أو أقل وشرعيتها تبدو أبدية بلا نهاية…!

حرية التعبير ممتازة في تونس لكن الديموقراطية نعيشها ثلثا وربما أقل. الحكم المركزي في العاصمة ما زال يعين “الولاة” و”المعتمدين” و”العمد”. وهذا مناقض لمفهوم الديموقراطية المحلية. كل السلطات المحلية في كل الديموقرطيات تكون منتخبة، إلا في تونس. أي “وال”، أي حاكم إقليمي، في الهند أو في أمريكا أو في اليابان … يكون منتخبا انتخابا حرا ومباشرا من سكان ولايته الذين يعرفونه حق المعرفة واختاروه لأسبابهم الخاصة بهم. ولا دخل للحكم المركزي في خيارات السكان المحليين. وتنطبق نفس القاعدة على “المعتمدين” وعلى “العمد”. “والي” سليانة الذي رفضه السكان لم يكن شرعيا ولم ينتخبه أحد.. لكن الحكومة المركزية فرضته على أناس يرفضونه، وتحدتهم عبر رئيس الحكومة أنذاك السيد حمادي الجبالي الذي قال “أنا أرحل قبل والي سليانة إن لزم الأمر”… أهالي المنطقة انتصروا في النهاية على “وال” لم ينتخبه أحد وإنما فرضته الحكومة فرضا. فدخلت في معركة “لي ذراع” انتصر فيها الشعب… مفارقة تبدو سريالية لمن يدرس تجارب الديموقراطيات الأخرى. هل ابتدعت تونس “بدعة” على رأي أهل الفقه فحرمت المواطنين من اختيار سلطاتهم المحلية على عكس كل ديموقراطيات العالم؟ تبدو خياراتنا نشازا وخروجا عن قواعد اللعبة الديموقراطية.

لماذا يجب انتخاب الوالي والمعتمد والعمدة؟

لكن لماذا يجب علينا انتخاب الوالي والمعتمد والعمدة؟ لعدة أسباب تفطن إليها غيرنا مبكرا.

أولا لأن السلطة المحلية المنتخبة تستجيب للمثل العربي القديم “أهل مكة أدرى بشعابها”. ففي كل تجمع سكاني ثمة أناس قادرون على القيادة وتتوفر لهم الكفاءة في الإدارة يعرفهم أهلهم ولا تعرفهم بالضرورة الحكومة المركزية. وحينما يختارون عبر الاقتراع فإنهم سيزدادون تحفزا لإرضاء الناخبين والاقتراب منهم والتواضع معهم بعيدا عن “عنجهية” السلطة المركزية. هذا ما يفسر أن الحكام المحليين في أوروبا نراهم يذهبون إلى العمل على الدراجات أو عبر النقل العمومي حتى يندمجوا بحياة سكان منطقتهم.
السبب الثاني في اختيار الديموقراطية المحلية يتمثل في إحداث توازنا في السلطة بين الأحزاب. فمن يفوز مركزيا في الانتخابات لا يعاقب كل الجهات ويفرض لونه الحزبي عليهم. التوازن والتنافس السلمي ضروري جدا للديموقراطية. سيكون الوضع أفضل مثلا لو كان والي القيروان من “النهضة” ووالي سوسة من”نداء تونس” ووالي قفصة من “الجبهة الشعبية”… على سبيل المثال لا الحصر… بهذه الطريقة تضعف سلطات الحزب الحاكم مركزيا على كامل البلاد فيتم تجنب “الدكتاتورية الحزبية” التي عاشتها تونس منذ الاستقلال.

وهذا ما هو معمول به في الديموقراطيات في العالم فلماذا النشاز التونسي؟

في أمريكا حتى قادة الشرطة في المدن والقرى، كبيرة أو صغيرة، ينتخبهم الشعب ولا تعينهم وزارة الداخلية. ذلك “الشريف” الذي يضع نجمة على صدره هو قائد جهاز الأمن في منطقته وهو منتخب من سكان مدينته أو قريته في أي مكان في أمريكا ويقود أفراد الأمن المحترفين. هو اختيار ذكي لمواجهة إمكانية “تغول” أجهزة الأمن أيضا على المواطنين. لابد من أن “توقف السلطة السلطة” يقول مونتسكيو.

أزمة الشرعية

ثمة أزمة شرعية حقيقية وعميقة في تونس حتى على مستوى الحكم المركزي. الرئيس محمد المنصف المرزوقي أكثر الناس حديثا عن الشرعية ووجوب احترامها لكنه لم يسأل نفسه يوما سؤالا بديهيا: من انتخبه؟ ولأية فترة؟ كل رؤساء العالم يتمتعون بشرعية تزيد على 50 بالمائة فازوا بها في الانتخابات. أوباما أو هولاند من حقهم الحديث عن هذه الشرعية. لكن من انتخب الرئيس المرزوقي؟ الشعب التونسي؟ قطعا لا. راشد الغنوشي ومصطفى بن جعفر؟ يبدو ذلك. أو ليست آلية تعيين الرئيس المرزوقي هي نفسها أيضا يمكنها أن تعين محمد الهاشمي الحامدي رئيسا لتونس، والرجل يقول أنه حصل على ثاني أكبر أصوات في البلاد. ولماذا لا يكون السيد مصطفى بن جعفر رئيسا للجمهورية؟ أو الأفضل الشيخ راشد الغنوشي نفسه يكون رئيس الدولة باعتبار أن حزبه هو الحزب الأول في انتخابات 23 أكتوبر 2011. ثمة دول قليلة فيها رؤساء لا ينتخبهم الشعب وإنما البرلمان لأن أنظمتها برلمانية مطلقة. ولكن من يعرف اسم رئيس “إسرائيل” أو رئيس “إيطاليا”؟؟؟ قليلون يعرفون اسماءهم لأن مواقعهم شرفية رمزية وليست لديهم أية صلاحيات.

تونس لم تحترم منذ 23 أكتوبر 2012 مواعيدها الانتخابية. وعمليا الشرعية انتهت.

درس أول في الديموقراطية : المواعيد الانتخابية مقدسة. وأية شرعية هي مرتبطة بموعد ألف الذي حدثت فيه الانتخابات وتمتد إلى موعد باء الذي تجدد فيه هذه الشرعية عبر انتخابات جديدة. يمكن القيام بانتخابات سابقة لأوانها في حالة أزمة سياسية كبيرة أو بالعكس في حالات نادرة جدا قد تتأجل فيها الانتخابات مثل حالات الحروب… ولكن عادة ما تتشكل حكومة وحدة وطنية في حالات الحرب حتى توجه كل الجهود السياسية نحو الخارج.
لكن في تونس لم تحترم المواعيد الانتخابية. بل حدث مماطلة لا مبرر لها إلا برغبة الاستفادة من امتيازات السلطة والبقاء فيها. السلطة مغرية وتقدم فوائد وامتيازات كثيرة كما يقول موريس دوفرجيه عالم السياسة الفرنسي.
رئيس الدولة أو المجلس التأسيسي أو الحكومات المنبثقة عنه منذ 23 أكتوبر 2012 غير شرعيين بالمعنى الدستوري، القانوني والأخلاقي للكلمة.
كل من شارك في انتخابات 23 أكتوبر 2011 كان في ذهنه أنه سينتخب مجلسا تأسيسيا لمدة سنة واحدة فقط لكتابة دستور. لم ننتخب برلمانا ولم ننتخب رئيسا. ولم تحدث في تونس منذ ثورة 14 جانفي 2011 إلى اليوم لا انتخابات رئاسية ولا انتخابات تشريعية برلمانية. وإنما انتخبنا فقط مجلسا تأسيسيا ماطل في كتابة الدستور ولم يكتبه إلا بضغط شعبي خارجي كبير بعد اغتيال الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي وبثورة داخلية لبعض النواب… للتذكير الدستور الأمريكي بضعة ورقات والدستور البريطاني أصلا غير مكتوب لأنه عرفي فقط.. ويريدون أن يتحول المجلس التأسيسي إلى برلمان دون مواعيد دقيقة للانتخابات القادمة.

تواريخ متضاربة

أول تاريخ تم تقديمه للانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تونس كان قبل نهاية سنة 2012. ثم تحدثوا عن مارس 2013 ثم قالوا جوان 2013 وأتذكر النقاش أن ذلك يتعارض مع امتحانات التلاميذ والطلبة. ثم حديث عن أكتوبر 2013 ثم وعد وجزم من السيد علي العريض بأن الانتخابات ستكون قبل نهاية سنة 2013 في خطابه الشهير عندما كان رئيسا للحكومة.. ثم الشيخ راشد الغنوشي يصرح لجريدة “لوموند” الفرنسية بأن الانتخابات الرئاسية والتشريعية ستحدث إما في شهر جويلية أو في شهر أوت 2014. ومن طرائف الانتخابات تصريح الرئيس المنصف المرزوقي لصحيفة الدستور الأردنية بأن الانتخابات ستحدث في ستة أشهر واختيار الحكومة في ستة أسابيع… كان إلحاحا طريفا غير مبرر عقلانيا على الرقم ستة…

يبدو أن الكثير مرتاح في هذه الوضعية: الرئيس المنصف المرزوقي وراتبه الضخم والنواب وحياتهم المرفهة…
وإلى حد اليوم لا يعرف الشعب التونسي متى ستحدث انتخاباته الرئاسية والبرلمانية لأول مرة منذ ثورته…
المواعيد الانتخابية ليس “مزحة” في الديموقراطيات ولا موضوعا للمماطلة والتأخير غير المبرر إلا ربما برغبة من في الحكم في أن يبقوا في الحكم…

المصدر: الحوار المتمدن