تونس تغلق الباب أمام دعاة الوهابية والكويت والإمارات يثوران على آل سعود وآل ثاني في سياسة نشر الوهابية والإخوانية

إذاعة “صوت روسيا” في حوار مع د. رياض الصيداوي- رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية بجنيف.
نص الحوار:
سؤال: الدكتور رياض الصيداوي مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية فب جنيف أهلا بكم ضيفا على موجات إذاعة صوت روسيا من موسكو، أنطلق من خبر وصلنا من تونس مفاده أن تونس تمنع دخول دعاة خليجيين إلى أراضيها، وهناك موقف داخل تونس تجاه بعض الحركات التي توصف بأنها متطرفة ويأتي دعاتها أساسا من بعض بلدان الخليج، وبما أن حضرتك متابع لهذا الملف ما هي الأهداف التي يريد هؤلاء الدعاة تحقيقها في البلدان التي تغيرت فيها الأنظمة السياسية خلال ما يسمى بالربيع العربي؟

جواب: شكرا لك على هذا السؤال القيم، نحن لدينا طبعا تحليل سيسيولوجي لما يحدث، وأنت تعرف أن أول ثورة عربية كانت الثورة التونسية التي توفرت فيها عوامل الثورة بامتياز وقد رفعت شعارا مركزيا وهو ” شغل، حرية، كرامة وطنية” وهذا الشعار أرعب الكثير من الدول وبخاصة دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، لأنه أيضا انطلاقا من علم اجتماع الثورات نرصد أن ثمة عوامل متوفرة لامكانية حدوث ثورة في السعودية، مثل الانفجار السكاني ومثل الانفجار الديموغرافي ومثل اهتراء الحكم وصراع الأمراء على السلطة، وهاك 27 مليون نسمة في السعودية منهم 5 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر و70% شباب، إذن، شعرت الأجهزة السعودية والسلطة السعودية بأن الثورة التونسية التي وصلت إلى مصر واليمن ممكن أن تعديها وأن تصل وتدخل الأراضي السعودية، وفعلا توجد مظاهرات تقريبا يوميا في أماكن متفرقة في السعودية، فماذا فعلت؟ لقد قامت بضربة وقائية بمعنى تخريب قيم الثورة التونسية وهي “شغل، حرية، كرامة وطنية” من الداخل. فاستثمرت أموالا كثيرة وأرسلت شيوخا ودعاة باسم الدعوة وهم ينتمون إلى المذهب الوهابي السعودي الرسمي لنشر التكفير في تونس، ومن المعروف أن تونس مجتمع حداثي ومجتمع ديمقراطي تقدمي يعيش مرحلة انتقالية في الديمقراطية، فجاءت هذه الجماعات لتضرب ذلك عنوانها الرئيسي ” الديمقراطية كفر” و”الديمقراطية بدعة”.

ثم الأكثر من ذلك بدأوا يهاجمون الصوفية والمقامات الصوفية في تونس، وكما تعلم تونس والمغرب العربي هي كلها أماكن صوفية وتيارات صوفية متواجدة بقوة لأن الصوفية هي التي حاربت وقاومت الاستعمار الفرنسي فالناس تحترمها وهذه الزوايا محترمة وهي جزء من المشهد الفني والاجتماعي التونسي،. فقاموا بحرق هذه الزوايا الصوفية وبالاعتداء عليها.

وأدخلوا مفاهيم جديدة مختلفة تماما مع المجتمع التونسي المتسامح دينيا مثل “القبوريين” وعباد القبور أي من يزور المقامات الصوفية ومثل تحريم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف… وذلك أساء كثيرا للتونسيين لأن التونسيين يتمتعون كل سنة بالاحتفال بالمولد الشريف.

فالمحصلة: منظومة دينية سياسية هجينة خارجة كليا عن النسق الديمقراطي التونسي تغزو بامكانيات مالية هائلة. فهؤلاء الدعاة يأتون بأموال ضخمة وسيولات نقدية هائلة وسيارات فاخرة جدا كلها أمريكي الصنع طبعا، ويدخلون المجتمع التونسي ويجدون شيوخا تونسيين يحتاجون إلى المال ليجندوهم وليضربوا الإسلام الزيتوني المالكي السني المعتدل في تونس.

سؤال: دكتور رياض لك عبارة لافتة تقول إن الخليج يرسل الأموال إلى الغرب ويرسل الشيوخ إلى البلدان العربية، لكن إذا نظرنا إلى الحالة التونسية على سبيل المثال، هناك عدة تيارات وعدة اتجاهات إسلامية، هل ترصد نوعا من المنافسة والتباين في التعاطي مع هذه الأنظمة من قبل قطر والسعودية من حيث الدعوة أو من حيث التمويل؟

جواب: نعم ثمة تنافس شديد بين قطر والسعودية، حيث أن السعودية تمول من تسميهم بالسلفية العلمية أي الوهابية ولديها تنظيم دولي أنشأتها منذ عام 1962 وهو الرابطة الإسلامية العالمية ويتكون من شيوخ وهابيين.

أما قطر بالمقابل أنشأت عام 2004 ما سمته الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ووضعت يوسف القرضاوي على رأسه وهي تساند حركات الاخوان المسلمين ومن يذهب في هذا الاتجاه.

إذن: ثمة صراع كبير على استقطاب الاسلاميين في تونس بين هذين التيارين : الوهابي السعودي الممول من السعودية والاخواني الممول من قبل قطر، وقد دخلت من أجل ذلك أموال طائلة وهائلة.

وللأسف السعوديون والقطريون لا يستثمرون في بناء المصانع في تونس أو امتصاص البطالة أو في مشاريع اقتصادية مثمرة بقدر ما يرسلون أموالهم لتجييش وتجنيد شباب في إطار الوهابية أو في إطار الاخوان المسلمين وهذا خطر حقيقي على التجربة الديمقراطية التونسية الي رفعت شعار إنساني وهو “شغل، حرية، كرامة وطنية”.

والنتيجة أنه ثمة محاولة ركوب على الموجة التونسية، وغزو تونس انطلاقا من وفرة الأموال والسيولة الكبيرة جدا وإيجاد شباب محتاج ماليا للقيام بغسل أدمغتهم.

وصل الأمر بهم لإرسال بعض الشباب للقتال ضد الجيش العربي السوري في مهمات جهاد، وهذا طبعا خطأ حتى فقهيا، فشيوخ الزيتونة المالكيين السنة بينوا أن هذا خطأ لأن الجهاد لا يحدث إلا في “ديار الحرب” ولا يمكن أن يحدث في “ديار المسلمين”.

كما استفاد هذا الغزو الخارجي أيضا من تفكك الأجهزة الأمنية في تونس وعلى رأسها المخابرات التونسية وبخاصة جهاز “أمن الدولة” سابقا الذي كان قوة ضاربة يمنع مثل هذه الاختراقات الخارجية، لكن تم تفكيكه وتم حله بعد الثورة، لهذا أصبحت تونس مرتعا للجميع، وأنا شبهتها منذ الأيام الأولى للثورة بلبننة تونس أي يريدون أن تصبح تونس مثل لبنان أي أن الأطراف السياسية ترتبط بالخارج وبالمال السياسي وبالمال الديني وبالمال الطائفي يتدفق على تونس لتخريب التجربة الديمقراطية وليس لبناء المصانع.

فعلى سبيل المثال قلت ذلك وذكرته وكالة الأنباء الفرنسية وانتشر في كل مكان : “أن السعودية وقطر ترسل أموالها إلى الغرب وشيوخها إلى تونس”، لأنهم لم يستثمروا جديا أمولا في تونس، والمساعدات كانت شحيحة وقليلة جدا وتعد ببعض عشرات ملايين الدولارات في حين أنهم يستثمرون أكثر من ألفين وخمس مائة مليار دولار في بورصات وول ستريت وأمريكا والغرب وخسروا منها أكثر من ألف مليار دولار في بورصة وول ستريت فقط، وهذه المبالغ فلكية، فعندما أقول 2500 مليار دولار في حين ميزانية تونس هي 17 مليار دولار فقط، هذا يعني أن المال لا يدخل للتصنيع في تونس ولا من أجل مساعدة تونس وإنما من أجل نشر مذاهب طائفية معادية للتسامح الديني المالكي السني التقليدي.

سؤال: دكتور رياض لا شك أنك تابعت تحذير من خطر بعض الاتجاهات الإسلامية وهو موجود حتى في بعض البلدان الخليجية مثل الكويت وبشكل خاص في الإمارات العربية المتحدة، كيف يمكن أن نفسر أنه حتى بعض البلدان الخليجية أيضا تعيش حالة قلق من وصول هذا التيار إليها وهي التي كانت تدعمه لفترات طويلة؟

جواب: نعم أحسنت في هذا السؤال، ولهذا السبب أنا لا أقول الخليجيين، بل أنا أقول دائما السعودية وقطر لأن عمان مثلا هو بلد إباظي بعيد كل البعد عن هذه التيارات ومهتم بنفسه ولا يتدخل بشؤون الآخرين، والكويت أيضا ضحية للوهابية والاخوان المسلمين والقطريون ويتدخلون بشؤونه بشكل مباشر.

أما الإمارات فحدث ولا حرج. ونذكر جميعا التصريحات النارية لقائد شرطة دبي ضاحي خلفان الذي اتهم الاخوان المسلمين بالتآمر على الامارات. بل اتهم حتى السفير الأمريكي أنه يتآمر مع الاخوان المسلمين على الامارات وقام بحل تنظيم الاخوان المسلمين في الامارات، ثم أن يوسف القرضاوي محكوم عليه بالسجن ولا يستطيع أن يدخل إلى الامارات والعلاقات متوترة ايضا مع قطر.

أضف إلى ذلك حتى مع الوهابية، لأن صحيفة “الامارات اليوم” وعلى لسان صحفي اماراتي شجاع نشرت مقالا قويا جدا ضد الوهابية وضد السعودية واتهم الكاتب الوهابية والسعودية بالتدخل في الشون الاماراتية وبأنهم يريدون ضرب تجربة التنمية وتجربة البناء التي تحدث في الامارات كنموذج ليبرالي وضربها بايديولوجيات شديدة التخلف ثم قال بالحرف الواحد أنكم أنتم في السعودية تعانون من الفقر ولديكم خمسة ملايين إنسان عاطل عن العمل وتريدون ضرب نموذجنا بالتنمية والتقدم.

ولهذا لا يجب أن نتحدث عن دول الخليج بالمطلق وإنما يجب أن نحدد السعودية التي تمول “السلفية العلمية” أي الوهابية، وقطر التي تمول الاخوان المسلمين وفي بعض الأحيان السلفية الجهادية مثل ما حدث في مالي.

حاوره: فهيم الصوراني

المصدر: الحوار المتمدن