جان زجلر يتحدث إلى العرب (3)

الحوار الثاني
* ما قاله جوسبان في إسرائيل اعتبره فضيحة لكل الأحزاب الاشتراكية في العالم
* ليونال جوسبان صدمني بتصريحه. وهو خرج عن توجيهات الاشتراكية الدولية
* حزب الله حزب سياسي، وليس تنظيما إرهابيا كما تدعي الدوائر الصهيونية
* وليد جنبلاط أكبر أصدقائي وهو يحاول إعادة مشروع والده الراحل كمال جنبلاط
* اللبنانيون يعاملون الفلسطينيين معاملة عنصرية غير محترمة
* ذات صباح شتائي جاءني بوتفليقة إلى مكتبي وطلب مني أن أشرف على أطروحته لنيل الدكتوراه
* عبد العزيز بوتفليقة عرفته طالبا نبيها متحمسا للعلم والمعرفة ورأيته اليوم رئيسا ملتزما بإنقاذ بلاده
* على عكس الجيش التركي العلماني، الجيش الجزائري يحمي القيم الإسلامية
* حاورنا صدام حسين ساعتين ونصف من الزمن حتى يطلق سراح 18 رهينة سويسرية
* قلت لصدام حسين أن رهائننا عندكم يحبون العراق والعرب وجاءوا للإنجاز والتشييد

جان زجلر ظاهرة سويسرية وأوروبية فرضت نفسها على الساحة السياسية والإعلامية منذ ثلاثين سنة. هو يخوض حربا شرسة ضد البنوك الشهيرة في بلاده، يتهمها باختلاس أموال فقراء العالم الثالث. ويكتب وينشر كتبا ضد المافيا. يتذكر دائما صديقه شي غيفارا حينما قال له يوما في بداية الستينات، وبعد أن أراد جان الشاب الالتحاق بالأدغال وحمل السلاح ومقاتلة الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية، “مكانك في سويسرا، في قلب العقل العالمي للرأسمالية، هناك يجب أن تناضل” . انتخب جان زجلر أربع مرات في البرلمان السويسري ممثلا لمقاطعة ودويلة جنيف. وهو قيادي في الحزب الاشتراكي السويسري، ونائب رئيس منظمة الاشتراكية الدولية التي تجمع كل الأحزاب الاشتراكية في العالم. ويدرس علم الاجتماع في جامعة جنيف وهو مؤلف عشرات الكتب التي ترجمت لأكثر من 15 لغة بما فيها اللغة العربية. فاوض سنة 1990 الرئيس صدام حسين من أجل تحرير 18 رهينة سويسرية. ويرتبط بعلاقات صداقة خاصة مع كثيرين من الزعماء والقياديين العرب. منهم الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي كان يدرس عنده من أجل إنجاز رسالة دكتوراه في علم الاجتماع. وبشير بومعزة رئيس مجلس الأمة إضافة إلى أحمد بن بلا وحسين آيت أحمد وشخصيات سياسية وعلمية جزائرية أخرى. وتربطه علاقة خاصة بالزعيم الليبي معمر القذافي، وبوليد جنبلاط وجورج قرم من لبنان، وبخالد محي الدين من مصر..
زار جان زجلر مؤخرا لبنان والجزائر حيث كانت له مجموعة لقاءات متنوعة. فتباحث مع القادة الجزائريين مطولا في شؤون الجزائر وعلاقاتها بأوروبا وخاصة بسويسرا وما الذي يمكن أن تفعلها لهم. أما الطريف في هذه الزيارة فهو لقاء الأستاذ زجلر بطالبه بوتفليقة. هذه العلاقة التي تشكلت وانصهرت في قسم علم الاجتماع بجامعة جنيف منذ بداية الثمانيات بين الرجلين مضى عليها اليوم أكثر من 15 سنة. تابع فيها الأستاذ طالبه السابق من بعيد أحيانا ومن قريب أحيان أخرى.
في هذا الحوار الشامل الذي خص به مجلة “الزمان الجديد” يربط المفكر العالمي وأستاذ علم الاجتماع والقيادي السياسي في الحزب الاشتراكي السويسري، الماضي بالحاضر ليعرفنا على الجانب الآخر من شخصية الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة. ثم يحدثنا عن مفاوضاته مع صدام حسين في سبيل إطلاق سراح الرهائن السويسريين. وقبل ذلك كله، يعطي موقفا منددا بتصريحات رئيس الحكومة الفرنسي ليونال جوسبان، ويحدد طبيعة المقاومة اللبنانية ودور حزب الله فيها. إضافة إلى ما يراه من معاناة الفلسطينيين في لبنان، من أشقائهم قبل أعدائهم… كان الحوار صريحا وعاطفيا في بعض الأحيان. وهذه تفاصيله.

أنت نائب رئيس الاشتراكية الدولية، التنظيم العالمي الذي يضم كل الأحزاب الاشتراكية بما فيه الحزب الاشتراكي السويسري الذي تنتمي إليه والحزب الاشتراكي الفرنسي..كيف استقبلت تصريح رئيس الحكومة الفرنسية ليونال جوسبان في إسرائيل حينما اتهم حزب اللـه في لبنان بالإرهاب، مما جعله هدف حجارة الطلبة الفلسطينيين في جامعة بير زيت؟

ما قاله جوسبان في إسرائيل اعتبره فضيحة لكل الأحزاب الاشتراكية في العالم. وهو خرق صارخ لما اتفقنا عليه. فتوجيهاتنا واضحة في هذا المجال، والتي أكدناها في اجتماعنا في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1999 في باريس. ومفادها تأكيد مبدأ الأخذ بقرار 242 الذي أصدرته الأمم المتحدة: أي الأرض مقابل السلام. وضرورة انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان.

أعرف أن ليونال جوسبان صديقك الشخصي، وتعرفه منذ زمن بعيد، فبعيدا عن المواقف السياسية الرسمية كيف تقبلت تصريحاته؟

بصراحة دهشت وصدمت من تصريحاته، لقد وضعني في موقف شديد الإحراج. فأنا أساند الحكومة الاشتراكية وأساند ترشحه لرئاسة فرنسا في الانتخابات القادمة. لكن في المقابل لا استطيع أن أتسامح في حق العرب. اعتقد أن جوسبان ذهب ضحية للوبي صهيوني نافذ في فرنسا.

زرت مؤخرا لبنان والتقيت بأصدقائك الكثيرين هناك، وفي الآن نفسه عاش هذا البلد سلسلة هجمات قصف عنيفة من قبل الطيران الإسرائيلي. فكيف تقيم الوضع اليوم في لبنان؟

في البداية أود أن أؤكد، أن العدوان موجه في الأساس ضد الدولة اللبنانية. فإسرائيل تحتل 850 كلم2 من ترابه بشكل غير شرعي، وتعتبرها منذ سنة 1985 منطقة حزام أمني. وحدث اتفاق بين المقاومة اللبنانية وإسرائيل يلتزمان على ضوئه عدم ضرب المدنيين. لكن المفارقة أن إسرائيل اليوم تقوم باعتداء مزدوج، فهي تحتل أولا أرضا بدون وجه حق، ثم لا تحترم اتفاقا وقعت عليه ثانيا. فما تقوم به إسرائيل اليوم اعتبره إرهاب دولة.
دوليا، انتقدت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت حزب اللـه واعتبرته معتديا على إسرائيل، فما هو رأيك؟

اعتبر أن موقفها غير صحيح، لأن حزب اللـه يقاوم احتلالا قائما على وطنه. فهي حرب تحرير وطنية مشروعة في كافة الأعراف الدولية. إن موقفها هذا يعبر عن نفاق كبير يخفي حسابات سياسوية متعلقة بالانتخابات الرئاسية القادمة واللعب على كسب دعم اللوبي اليهودي. لقد زرت جنوب لبنان ووقفت على مشارف التحصينات العسكرية الإسرائيلية في الشريط المحتل وأدركت أن هذه الحالة لن يقبل بها أي وطني لبناني.
كيف تقيم حزب اللـه اليوم؟

قبل كل شيء هو حزب سياسي، وليس تنظيما إرهابيا كما تدعي الدوائر الصهيونية. فهو حزب يشارك في العملية الانتخابية الديموقراطية وله ممثليه في مجلس النواب. فهو حزب معترف به دستوريا من قبل الدولة اللبنانية. وقد أوكلت إليه الحكومة اللبنانية مع متطوعين آخرين مهمة مقاومة الاحتلال في تنظيم شامل نسميه المقاومة اللبنانية من أجل تحرير الأراضي المحتلة. والفكرة الأساسية كانت أن الجيش اللبناني غير قادر على مواجهة العدوان الإسرائيلي، فتم الالتجاء لحرب العصابات التي أثبتت نجاعتها في كل الحروب عندما تكون المواجهة التقليدية الجبهوية مكلفة وغير ناجحة للمقاومة.
والأكثر من ذلك أن حزب اللـه ليس وحده في المعركة. لقد تحدثت إلى صديقي، الاقتصادي الدولي المعروف جورج قرم، وهو اليوم وزير المالية، عن حزب اللـه. وقال لي “إنه مكلف من الدولة اللبنانية لتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي، وأننا جميعا نقف إلى جانبه”. وأنت تعرف أن جورج قرم مسيحي أرثوذكسي يوناني وليس شيعيا مقربا من إيران.
من هم أقرب أصدقائك في لبنان؟

لدي أصدقاء كثيرون في هذا البلد الذي أحبه بشكل خاص. أذكر خاصة وليد جنبلاط الذي يدعوني باستمرار لزيارته، وهو ما فعلته مؤخرا. لقد أعجبت بتواضعه ومدى ارتباطه بسكان منطقته في المختارة الذين يتوافدون عليه في بيته ليطرحوا مشاكلهم وقضاياهم اليومية. فيحاول أن يساعدهم ويجد حلولا لهم. واعتقد أن جنبلاط يمثل المرجعية الأساسية لليسار في لبنان. وحقق تقدما كبيرا في مؤتمر حزبه (الحزب الاشتراكي التقدمي) الأخير. حيث أسندت مهمات إلى النساء في اللجنة المركزية للحزب. كما حدث الاتجاه نحو تعدد الطوائف في الحزب، حيث يوجد فيه اليوم مسلمين سنة، ومسيحيين، وشيعة، فهو لا يقتصر كما يشاع على الطائفة الدرزية. واعتقد الآن أن اليسار اللبناني في حالة إعادة بناء لإحياء مشروع المناضل الراحل كمال جنبلاط في توحيد الجبهة الوطنية التقدمية.
هل رصدت وضع الفلسطينيين في لبنان وكيف هي أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية؟

يوجد كثير من الفلسطينيين في لبنان. ويحز في نفسي أن أقول أن اللبنانيين لا يعاملونهم بشكل لائق ومحترم. هناك عنصرية بشعة ضدهم. فالجيش اللبناني يحاصر المخيمات في صبرا وشاتيلا وعين الحلوة..وتوجد فوارق اجتماعية ضخمة. رأيت المنطقة الرياضية التي أعيد بناؤها بشكل عصري وتتميز بالفخامة والضخامة، وهي تقع على حدود أنقاض مخيم شاتيلا، حيث ينتشر الفقر المدقع، وحيث يمنع الفلسطينيون من بناء مساكن لهم. ولاحظت أن الفلسطينيين المسيحيين كانوا أكثر حظا، حيث تحصلوا على جوازات سفر وسافروا وهاجروا إلى أوروبا وأمريكا. وبقي الفلسيطنيون المسلمون الفقراء. واعتقد أنهم سينفجرون غضبا ذات يوم. فياسر عرفات أهملهم، والسوريون حاصروهم، واللبنانيون يعاملوهم بعنصرية ممقوتة.

انتقل بك إلى الجزائر التي زرتها مؤخرا والتقيت فيها برئيس الدولة وبرئيس مجلس الأمة بشير بومعزة وبقادة جزائريين كثيرين. وأعرف أن لك علاقة خاصة جدا بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة، فمتى عرفته لأول مرة وأين تم ذلك؟

عرفته أولا من خلال شهرته، فقد كان وزير خارجية لامعا أثناء حكم الرئيس الراحل هواري بومدين. برز نجمه سنة 1974 حينما ترأس الجمعية العامة للأمم المتحدة. وهو الذي أتاح الفرصة لياسر عرفات حتى يلقي كلمته في هذا المحفل الدولي وجعل من منظمة التحرير الفلسطينية عضوا مراقبا. وهو أيضا الذي ساهم وساعد على إعلان حظر اقتصادي ومالي على دولة جنوب إفريقيا العنصرية. ولا بد من الاعتراف أنه بفضل بوتفليقة أصبحت الدبلوماسية الجزائرية قائدة لطموحات العالم الثالث المشروعة وأحسن معبر عنها. هذا الرجل شد إعجابي من بعيد قبل أن أعرفه.
ذات صباح، وفي شارع سانت أورش في جنيف وفي بداية الثمانينات، حيث كان الطقس باردا بسبب الشتاء، دخل مكتبي بوتفليقة مرتديا معطفا أزرقا متواضعا وقال لي أريد أن أنجز أطروحة دكتوراه معك. تناقشنا في هذا الموضوع، حيث اقترحت عليه أن تعتمد رسالته على تجربته السياسية والدبلوماسية. كما اقترحت عليه أن يكون موضوعها “إنشاء اتحاد المغرب العربي”. ومنذ أول لقاء معه، حيث تبعته لقاءات أخرى، وجدته رجلا متواضعا، يحاسب نفسه بشدة قبل أن يطلب من الآخرين. ثم يتميز بكونه شديد الاستقلال في تفكيره وتحليله للأشياء.

كيف كانت حياته في جنيف إلى جانبك؟

عاشها بكل تواضع كأي مواطن خاصة على الصعيد المادي. فكما تعلمون جنيف مدينة صغيرة. وشاهدنا فيها أثرياء جزائريين كبارا يعيشون حياة رفاهية وملذات…لكن في المقابل لم أسمع أبدا أن بوتفليقة ينتمي إلى هذه الفئة أو تصرف مثل هؤلاء الناس. وعلمت منه أنه عمل في شركة خليجية مثله مثل أي أجير حتى يقدر على تمويل حياته. وكثيرا ماكنت التقيه في المدينة يمشي على قدميه أو التقيه في الباصات مع عامة الناس.

بالمقارنة مع بقية السياسيين الجزائريين المقيمين في سويسرا ما الذي جذب انتباهك في حياة بوتفليقة؟

أود أن أضيف أيضا أن بوتفليقة عاش طول هذه الفترة عازبا حيث كنت دائما أراه وحيدا. فكل أصدقائي من الجزائريين والمقيمين في سويسرا كانوا جميعا متزوجين، مثل احمد بن بلا أو بشير بومعزة أو حسين آيت أحمد.

كيف يمكنك تفسير تواجد النخب السياسية الجزائرية في سويسرا بشكل كثيف وعدم إقامتها في بلدان أخرى؟

اعتقد أن الجزائريين أكثر الناس إحساسا بالكرامة والعزة والكبرياء. ويتميزون بنزعة شديدة نحو الاستقلال. وفي نفس الوقت عاشوا تجربة طويلة وقاسية مع فرنسا إبان الاستعمار وحرب التحرير وحتى اليوم تتميز علاقاتهم مع فرنسا بالتعقيد والصراع. أذكر أنهم يحسنون عادة بشكل جيد اللغة الفرنسية. لقد وجدت مثلا الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يتحدث فرنسية راقية وبسلاسة وفصاحة مدهشتين. أما اختيارهم لسويسرا بشكل عام وجنيف بشكل خاص فيعود لكون جنيف مدينة ناطقة باللغة الفرنسية أولا. وهي مدينة عالمية ثانيا، نظرا لتواجد الأمم المتحدة والمنظمات الدولية على ترابها. إضافة إلى تواجد علاقات تاريخية بين سويسرا والجزائريين ثالثا. فجنيف شكلت داعما لوجيستيكيا مهما للثورة الجزائرية إبان حرب التحرير الوطني. كما لعبت سويسرا بشكل كبير دورا هاما في الاتصالات والمفاوضات الصعبة التي دارت بين الطرفين وانتهت باتفاقيات إفيان الشهيرة التي استقلت بموجبها الجزائر. لقد رفض المفاوضون الجزائريون أن يقيموا على التراب الفرنسي واختاروا سويسرا. فكرامة الجزائريين تمنعهم من أن يقيموا في البلد الذي سبق أن استعمرهم.

حينما راجت أنباء صحفية عن إمكانية تعيين بوتفليقة رئيسا للجزائر أثناء مؤتمر المصالحة الوطنية الذي انعقد في شهر يناير 1994 ولم يحدث ذلك، كيف استقبلت النتيجة؟

لم يدهشني رفض بوتفليقة تولي الرئاسة، فأنا أعرفه جيدا، لا يقبل موقعا ما لم تقبل شروطه كاملة. لهذا السبب، اعتقد اليوم أن وجوده على رأس الدولة يعني أن محاوريه قد قبلوا بشروطه…

انتقل إلى السؤال الموالي، كيف استقبلت نبأ ترشحه لانتخابات 15 أبريل الماضية؟

انطباعي الأول كان الفرح والسعادة في رؤية طالب قديم عملت معه يتقدم لحمل عبء مسؤولية كبيرة. خاصة وأنني أثق في إمكانياته وفي تاريخه النضالي الطويل.

نجح الرئيس بوتفليقة في ظروف محرجة بعد انسحاب منافسيه الستة في آخر لحظة، كيف استقبلت انسحابهم وبقائه وحده في حلبة الصراع الانتخابي؟

يتميز الوضع في الجزائر بوجود أزمة حادة، بألم شديد يعصف بالشعب الجزائري…بتخلي أوروبا عن الجزائر وعدم مساعدتها حتى تتخطى محنتها…كان من الصعب إيجاد انتخابات ديموقراطية بدون شوائب. وقد حضرت الشرعية الثورية النضالية بقوة، وهي ما زالت تعتبر منبعا ناجعا للسلطة، فبوتفليقة يمتلك الشرعية التاريخية، وحياته صفحة نضال مشرق لا غبار عليها. لقد زرت الجزائر بعد ستة أسابيع من الانتخابات والتقيت بأناس كثيرين وخاصة من الشارع …ولم ألمس أبدا وجود رفض لشرعية بوتفليقة رئيسا للدولة الجزائرية. المواطن الجزائري كان سعيدا به والأغلبية تعقد الأمل عليه، فهو يجسد جانبا هاما من التاريخ الجزائري ويلبي رغبة جارفة لدى مواطنيه في التشبث بالعزة والفخر الوطنيين.

لقد قابلت طالبك القديم وهو رئيسا للجمهورية، والمعروف عن الجزائر أن الجيش يلعب فيها دورا حاسما فيما يتعلق بمستقبل البلاد، أفلم تشعر بأنه رهين قادة الجيش؟

كنت اعتقد أن النظام الجزائري شبيها بالنظام التركي حيث يشرف الجيش على السلطات العليا…ولكن اكتشفت أن الوضع في الجزائر مختلف تماما. فالجزائر بلد مسلم لم يشهد نظاما علمانيا مثل نظام أتاتورك حيث أن الجيش يعتبر نفسه حارس العلمانية الوفي وحيث حاول القضاء على أربكان وعلى الحركة الإسلامية…الجيش الجزائري يدافع عن جزائر مسلمة، يدافع عن القيم الإسلامية النبيلة ويتشبث بها…

هل تعتقد أنه حر ومستقل عن إرادة قادة الجيش؟

أنا أرى أن بوتفليقة وضع حياته موضع خطر وجازف بها. فالمصاعب الداخلية لا حد لها، وهي ليست فقط مصاعب أمنية عسكرية وإنما أيضا قضايا اجتماعية واقتصادية شائكة، منها مخطط إعادة الهيكلة الاقتصادية وانهيار القدرة الشرائية لغالبية المواطنين…لقد قلت له كيف قبلت أن تتحمل كل هذه المسؤوليات. فأجابني أنه كثيرا ما تردد في تحمل هذه المسؤولية وكثيرا ما استيقظ ليلا لتأمل ما يحدث لبلاده وصمم في النهاية أن يفعل كل ما في وسعه لإنقاذ بلاده. والأكثر من ذلك أنه يتجول في الجزائر دون أي اهتمام ببروتوكولات التشريف أو إجراءات الحراسة المشددة. فقد ذهب مثلا لزيارة أرملة محمد بوضياف التي تربطه بها علاقة صداقة وتضامن.

ما هو تصوره تجاه صديق آخر لك وهو الرئيس السابق أحمد بن بلا؟

اعتقد أن بوتفليقة يسعى إلى تجميع الكل لفائدة الجزائر. فهو يعمل على جمع شمل الطاقات المبعثرة لتعمل طاقة واحدة من أجل وطنها.

وما مدى إدراكه لمعاناة الشعب الجزائري اليومية؟

هو قريب جدا من الشعب الجزائري خاصة من الطبقتين الفقيرة والمتوسطة. وهو عازم على دعم قدرتيهما الشرائية. كما وجدته مطلعا على التفاصيل الدقيقة في حياتها اليومية. فقد ذكر لي، مثلا، أن المواطن الجزائري يشترى من السوق كمية من زيت الزيتون الجيد ليهربها إلى الحدود المغربية ويبيعها بسعر مضاعف. فالدولة الجزائرية وجدت نفسها تمول استهلاك السوق المغربي…اعتقد أنه واع كل الوعي وملم كل الإلمام بما يحدث في بلده وما يعانيه شعبه وأن الحلول لا بد أن تكون عاجلة ولا يمكنها أن تتأخر أكثر من ذلك.

اسمح لي أن اتهمك بأنك تبالغ في الانتصار لطالبك القديم، فصحيح كل العرب يتفقون على حبك الكبير لهم ودفاعك المستميت من أجل قضاياهم، لكن ألا تشعر بأنك قدمت الجانب الذاتي على الجانب الموضوعي وغلبت عليك مشاعر الصداقة والحب للرئيس بوتفليقة مما جعلك تتخلى عن أسلوبك النقدي في تحليل الظواهر السياسية؟

لقد أكدت على حبي الخاص للعرب، وهو ما افتخر به واعتز به طوال الوقت. لكنني أستطيع أن أضيف أن حبي للجزائريين أيضا ليس له حدود. لقد عايشت ثورتهم، وعرفت قادتها مبكرا، وحملت لي الجزائر أمالا عريضة في إمكانية أن يسود العالم العدالة الاقتصادية والاجتماعية…لا يمكنك أن تنكر أن الجزائر حملت كثيرا من الآمال في ذلك الوقت، وأنها كانت قلعة تعادي الإمبريالية الاستعمارية الغربية…وكان بوتفليقة وزير خارجيتها. اليوم حينما أرى ما يحدث في هذا البلد أشعر أن ظلما قد حدث. فالجزائر لا تستحق ما يقع على أرضها. واعتقد أنه يجب أن أتفاءل وأن نعمل جميعا من أجل أن ننقذ الجزائر. وأنا أثق في الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وفي جهوده…وبدل من نقده، كما تفعل معظم وسائل الإعلام الغربية، اعتقد أنه من الأحسن دعمه وعدم التفريط في هذه الفرصة الذهبية. لا بد من تصالح الجزائريين حتى تعود بلادهم كما كانت رائدة التحرر الوطني. إن إنقاذ الجزائر مسألة ملحة لا تحتمل التأجيل.

مرت في الأسابيع الماضية الذكرى التاسعة لتحرير الكويت، وأعرف أنه كان لك دور كبير في تحرير الرهائن السويسريين الذين احتجزهم صدام حسين منذ بداية شهر أغسطس 1990. فكم كان عددهم؟

كانوا 18 رهينة. لقد قمنا بتشكيل بعثة برلمانية وقابلنا الرئيس صدام حسين وقيادة حزب البعث. تم ذلك في قاعة كبيرة وتحدث إلينا الرئيس العراقي طويلا. ولاحظت أن بقية القادة العراقيين لم يتدخلوا في الحديث.
بأية لغة تحادثتم؟

أنا تحدثت بالإنكليزية، وصدام حسين تحدث باللغة العربية. وبدا لي أنه يحسن الإنكليزية بوضوح رغم أنه ينصت في كل مرة إلى المترجم.
كيف كانت نتيجة هذه المقابلة وعن ماذا أسفرت؟

لقد حققت مقابلتنا مع صدام حسين هدفها المنشود، حيث اتخذ قرار الإفراج عن كافة الرهائن السويسريين.
كم أمضيتم من الوقت مع الرئيس صدام حسين؟
تحديدا، تحادثنا لمدة ساعتين ونصف.
هل شرح لك الرئيس العراقي سبب حجز رهائن غربيين؟

أجل، لقد قدم الطرح العراقي الرسمي. وقال أن العراق معرض في أية لحظة لخطر هجوم واسع النطاق تشنه قوات التحالف. وهو يحاول تجنب هذا الهجوم أو تأجيله من خلال التهديد بورقة الرهائن.
كيف استطعتم إقناعه بضرورة إطلاق سراح كل الرهائن السويسريين؟

لقد بينا له أن سويسرا ليست معادية للعراق، وليست شريكا في التحالف العسكري الموجه ضده. وأن أسلوب حجز الرهائن طريقة لا يمكن قبولها ولا تبريرها من منطلق حقوق الإنسان. وبينا له أن الرهائن السويسريين هم مواطنون عاديين، منهم تقنيون، ومختصون في الصناعات التي يحتاجها العراق. فهم في العراق من أجل إنجاز المصانع التي اشتراها من سويسرا. باختصار هم أولا أبرياء لا ذنب لهم. وثانيا، يحبون العرب والعراق لذلك جاؤوا ليعملوا فيه ويساهموا في تقدمه. ومن العبث أن تحطم هذه العلاقة الإنسانية.
هل رد عليكم صدام حسين فوريا أم انتظرتم إجابته لاحقا؟

كلا، لم يجبنا في الحال، وإنما بعد يومين من التحاقنا بالفندق في بغداد، وصلتنا رسالة منه تقول يمكننا أن نعود إلى سويسرا مصطحبين معنا كل الرهائن، حيث قرر إطلاق سراحهم جميعا وبدون استثناء.
أين التقيت بالرهائن السويسريين؟

أول لقاء معهم تم في المطار وكان الجميع سعيدا بهذا اللقاء.
هل حدثوكم عن طبيعة معاملة السلطات العراقية لهم؟

كانت معاملة حسنة جدا. ولم يتعرضوا إلى أي نوع من المضايقات.

أجري اللقاء في جنيف
في آخر شهر مارس (أذار) 2000

المصدر:الحوار المتمدن