سقوط صدام حسين: الملفات السرية 1

المقدمة
عن صعوبة اتخاذ موقف

اعترف أنني تأخرت كثيرا في نشر هذا الكتاب. لقد بدأت فيه قبل بدء الغزو الأمريكي للعراق في شهر أذار (مارس) 2003 ولكنني توقفت عن الكتابة فيه لفترات طويلة ومتقطعة. وأحد أهم أسباب التـأخر يتعلق بشخصية صدام حسين نفسها. فقد طرحت أسئلة كثيرة على نفسي لأحدد موقفا نهائيا منه. فهل هو بطل يقاوم الاستعمار الجديد وهيمنته أم هو مجرم مغامر شرد شعبه ودمر بلده بحروب عبثية طائشة لا معنى لها؟

وزاد في التعقيد أن الموقف من صدام حسين يختلف جذريا بين العراقيين والعرب. فأغلب الشعب العراقي يكرهه ويمقته ويتهمه بإبادات جماعية وبإنشاء دولة قمعية تحارب كل نفس حرية في البلد وتحدد للعراقيين مناهجهم التعليمية وصحافتهم وتفرض عليهم عبادة الفرد وإنشاء التماثيل في كل مكان له. وهنا، يجب أن يعرف العرب أن أغلب الشعب العراقي المتكون من شيعة وأكراد قد عاني معاناة قاسية من حكم صدام حسين. كانوا يعيشون القمع في حياتهم اليومية وكان الرعب خبزهم اليومي…

وفي المقابل فإن أغلبية الجماهير العربية تعاطفت معه دون أن تعرف أو حتى دون أن تريد أن تعرف ماذا يحدث داخل العراق. يكفيها أن صدام حارب الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية لتتعاطف معه. ويكفيها أنه هدد إسرائيل وضربها ببضعة صواريخ وإن لم تحدث أي أثر جاد… كل ذلك كان يكفي للتعاطف معه. وأغلب الجماهير العربية لا تحب صدام ولكنها تتعاطف معه لأنه تعرض إلى غزو خارجي. ثمة صعوبة كبيرة لأن تقبله كزعيم تاريخي مثل جمال عبد الناصر. فهي لم تكن تستغ الزعامة والترف المادي الفاضح في الآن نفسه. حيث كان مطلوب من الزعيم التقشف في محيط عربي يموج بالفقر والحرمان… لكن صدام حسين كان يعيش حياة ألف ليلة وليلة ويبني قصورا فخمة ويدخن السيجار الفاخر ويشيد تماثيلا له في كل مكان من العراق ويتحدث بلغة دكتاتور لا يقبل النقد أو التراجع… ويمارس سياسة تأليه شخصه واختزال العراق بل الأمة العربية بأكملها في بعض الأحيان في ذاته… لكل هذه الأسباب ثمة شك حوله، حول شخصيته، حول دوره في التاريخ. هذه الشكوك جعات الغالبية العظمى من الجماهير العربية تتعاطف معه لكنها تحترز في تبنيه كلية وفي اعتباره زعيما كاريزميا لها. كانت فقط تقوم بما هو واجب تجاه بلد عربي تم غزوه من الخارج لا أكثر…

… كما كان مشهد سيدة جزائرية وهي تبكي على إثر سقوط بغداد بليغا للمراقب وكانت تمثل أغلب المشاهدين العرب الذين تفاعلوا مع الحرب مباشرة أمام شاشات التلفزيون. كما كان مشهد شيخ عراقي يضرب بنعله صورة صدام حسين معتبرا أن هذا الرجل هو سببب مآسي العراق منذ ثلاثين سنة بليغا أيضا لأنه يقدم رؤية الداخل المختلفة مع رؤية الخارج… والإشكال أن الاثنين صادقان. حيث ثمة صدق في الحالتين رغم تناقض جذري في الموقفين. فقد صدق الذين فرحوا بسقوطه وصدق أيضا الذين حزنوا لسقوطه… ومن ثمة حدثت المأساة وحدث الخلاف…

كما أن سقوط صدام حسين صاحبه في نفس الوقت سقوط بغداد أمام القوات الأمريكية البريطانية. وحيث أن بغداد تعني الكثير للعرب وللمسلمين ولها دلالة رمزية بالغة الأهمية، فهي عاصمة الدولة العباسية التي بلغت فيها الحضارة العربية الإسلامية قمة ازدهارها وقمة مجدها… فإن وقوعها بهذه السرعة كان حدثا أليما للعرب وللمسلمين بقطع النظر عن الظروف التي أحاطت بهذا الانهيار. فسقوطها الأول كان سنة 1258 على أيدي المغول الذين ذبحوا أهلها وألقوا بمكتبة الحكمة في نهر دجلة الذي اختلط فيه لون الدم بلون حبر الكتب التي أُتلفت. وهو ما جعل المقارنة بين السقوطين واردة. وزاد في الألم أن الذاكرة الجماعية للعرب لم تنس بعدُ سنوات الاستعمار القاسية في بداية القرن الماضي ومواجهته بانتفاضات ومقاومة عنيفة استمرت لعقود من الزمن…

… وأخيرا مثلت محاكمة صدام حسين وإعدامه وصول تراجيديا الرجل إلى قمتها. بالتأكيد لقد نجح في اختبار التاريخ كرجل فرد حمل قيم القبيلة والرجولة إلى آخر لحظة. لقد جادل القضاة الذين حاكموه بصبر كما واجه الموت بشجاعة. ولكن صدام القائد ورجل الدولة فشل أيضا بالتأكيد في مهماته. فشل في صيانة العراق وتجنيب شعبه ويلات الحروب المجانية التي لا طائل من القيام بها. وهو بطل مأساوي بالمعنى التراجيدي اليوناني للكلمة ولكنه أيضا طاقة تدمير هائلة أوصلت العراق إلى الدمار والخراب. أعداؤه استدرجوه إلى فخ وقع فيه بكل سهولة تنم عن سذاجة مفرطة وعن عدم التمييز بين المعقول وغير المعقول نتيجة للتفرد بالحكم وعدم الاستماع إلى الآخرين…

وأضيف عامل جديد لم يكن معروفا في السابق في الحروب والمعارك وهو عامل البث الفضائي المباشر. لقد شاهدت كل عائلة عربية سقوط صدام حسين عبر القنوات الأجنبية والعربية بخاصة، عبر الجزيرة وأبو ظبي أصبح المشاهد شاهدا لما يحدث وكأنه في بغداد نفسها. وإن كانت الجماهير العربية في القاهرة وتونس والرباط والجزائر وغيرها… تتمنى صمود بغداد وإطالة الحرب، فإن العراقيين كانوا يتمنون انتهائها بسرعة للتخفيف من حدة الخسائر المادية والبشرية. كان ثمة جمهوران مختلفان: واحد يعيش المأساة وآخر يشاهدها وكأنه في شريط سينمائي يتفاعل معه بأحاسيسه ولكنه لا يعيش مأساته، لا يتعرض لقصف طائراته ورعبه اليومي…
… وتمت محاكمة صدام حسين على أيدى قضاة عراقيين ظاهرا ولكنا كنا نعرف أن محاكمته الحقيقية تمت على أيدى قادة أمريكيين لا نراهم ولكنهم فاعلون خلف الستار. وهم الذين توصلوا إلى ضرورة إعدامه وأوكلوا المهمة إلى عراقيين… لقد نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في النفاذ إلى ثغرة العراق، حيث وجدت أن خلافات طوائفه وأحزابه كثيرا ما تعلي المصالح الصغيرة على مصالح العراق الكبيرة… فاستخدمت البعض ضد البعض الآخر ونجحت في ذلك نجاحا كبيرا…

وجب علي إذن في خضم هذا التناقض المشاعري بين اتجاهين متناقضين أن اختار اتجاها عاما للكتاب خاص بي لا يخضع للأهواء، لا يخضع لفكرة الانتقام من رجل كان في قمة مجده ثم سقط، كما لا يخضع لفكرة اعتبار الرجل بطلا قوميا عربيا كاريزميا يقود الجماهير العربية لمجرد أنه حارب الولايات المتحدة الأمريكية حتى ولو خسر…
لقد اخترت المنهج العلمي في البحث وأحد ثوابته الأساسية هو الموضوعية، والابتعاد عن التحيز، وتجنب استخدام عبارات الأحكام القيمية على حد تعبير عالم الاجتماع الألماني ماكس فايبر. فلن ُتستخدم في هذا الكتاب عبارات تنعت صدام حسين بالبطولة ولا بالإجرام، فلا هو فارس العرب ولا هو قاطع طريق وإنما سأحاول أن أفهم، وليس وحدي وإنما مع القارئ، أغوار شخصية هذا الرجل. فهو قبل كل شيئ إنتاج للمجتمع العراقي الشبيه ببقية المجتمعات العربية. فصدام لم يأت من الفراغ وإنما جاء كحلقة من سلسلة حلقات متتالية شهدها العراق، وشهدها الوطن العربي منذ بداية عصر التحرر من الاستعمار منذ أوائل القرن العشرين.

وزاد التعقيد في الكتابة أن المراجع والمصادر متناقضة إلى حد كبير. فصورة صدام حسين في أغلب هذه الكتب إما شيطانا مطلقا أو بطلا مطلقا. انتفى التركيب وغابت النسبية في الأحكام. ولكل مصالحه، وأهدافه وغاياته من الكتابة عن صدام.

ويمكن تقسيم الكتب التي تناولت شخصية صدام حسين إلى ثلاثة أنواع:

– النوع الأول هو التمجيدي البحت، هذه الكتب التي تقدم صدام على أساس أنه بطل فريد في عصره يجمع بين الحنكة والعدل والشجاعة والإنسانية في سلوكه. ولعل أشهر هذه الكتب كتابين واحد لأمير إسكندر وآخر لفؤاد مطر.

* كتب أمير إسكندر قصة حياة صدام حسين في كتاب باللغة الفرنسية سماه:
Saddam Hussein, le militant, le penseur et l’homme
وترجمته باللغة العربية “صدام حسين، المناضل، المفكر، الإنسان” وصدر عن دار هاشات الباريسية سنة 1980. وهو كتاب كما يدل عنوانه يقدم صدام في ملحمة أقرب منها إلى الأساطير من قربها إلى الواقع. وكُتب الكتاب بلغة رومانسية حالمة تمجد انتصارات صدام حسين من طفولته المعذبة إلى انتصاراته السياسية المتعددة.

* أما الكتاب الثاني فهو لفؤاد مطر وعنوانه :
Saddam Hussein, ou le devenir Irakien
وترجمته إلى اللغة العربية “صدام حسين أو المستقبل العراقي”. ونُشر عن دار لوسيكومور الباريسية سنة 1981. وهو أيضا رواية ملحمية لمسيرة صدام حسين لا ترى في بطلها إلا المجد والعظمة…

وإن كان مألوفا أن يكتب العرب وحتى وإن كان بلغات أجنبية كتبا تمجد الحكام الأحياء، فإن الغربيين نادرا ما يسقطون في هذا الاتجاه. ولكن من بين هذه النوعية من المراجع أجد كتابا لكاتب فرنسي اسمه شارل دو سانت برو ونشر مؤلفه سنة 1987 تحت عنوان : Saddam Hussein وشبه فيه صدام حسين بشارل ديغول. ويجب ملاحظة أن هذا الكاتب متعاطف إجمالا مع القضايا العربية حيث خصص مجموعة مؤلفات في هذا المجال.

هذه الفئة من الكتب يمكن استخدامها كمراجع لأنها تقدم الصورة التي أرادها صدام حسين لنفسه. فتأثير الرجل على المؤلفين واضح حيث يبدو جليا أنها كتب دعائية تنوه وتثمن وتشيد لكنها لاتقترب من النقد أو من ذكر العيوب. فهذه صورة صدام حسين من خلال ما يريد صدام أن يراه في المرآة… لا صورته الحقيقية في التاريخ.

– أما النوع الثاني من الكتب، فهي الكتب النقدية الشديدة والتي تصل في بعض الأحيان إلى حد الحملة الشاملة ضد الرجل لتقدمه كشيطان أذاق الشعب العراقي ألوانا كثيرة من العذاب وتقدم الرجل أيضا كمريض نفسيا يجد لذته في القتل والتعذيب. ولعل أبرز هذه الكتب هي :

* حسن العلوي في كتابه “العراق، دولة المنظمة السرية”، وفيه انتقد المؤلف صدام حسين بحدة من وجهة نظر منشق عن حزب البعث العربي الاشتراكي. وهو يتخذ موقفا سياسيا من خصم يعتقد أنه مسؤول عن كل مآسي العراق.

* سمير الخليل (اسمه الحقيقي كنعان مكية) في كتابه : Irak, la machine infernale. Politique de l’Irak moderne. . عن دار جان كلود لاتاس سنة 1991، وهذا الكتاب في الأصل كُتب باللغة الإنجليزية ونُشر لأول مرة سنة 1989 عن مطبوعات جامعة كاليفورنيا. وهو كتاب موجه بالأساس إلى القارئ الغربي ويفكك فيه الكتاب طبيعة النظام الأمنية التي تعتمد على أجهزة المخابرات وأسلوب التخويف والقمع.

أما النوع الثالث من الكتب فهو الكتاب الموضوعي المعتمد على البحث العلمي وعلى التوثيق وعلى تمحيص المعلومات وغربلتها ومحاولة إيجاد تركيب لها يقترب بنا إلى الحقيقة. إن أفضل هذه الكتب على ندرتها وعلى الإطلاق هو كتاب سعيد أبو الريش : Saddam Hussein ; The Politics of Revenge . وترجمته بالعربية: صدام حسين: سياسة الثأر . لقد تميز سعيد أبو الريش في هذا الكتاب كما تميز في كتابيه الأخرين البيوغرافيين عن ياسر عرفات وجمال عبد الناصر.

هذه بعض الأمثلة عن الكتب والكتاب الذين تناولوا شخصية صدام حسين. وهي كتب أغلبها متناقضة في رواياتها. كل واحد يكتب انطلاقا من مصلحته وليس انطلاقا من قناعاته. المادحون مثل المنتقدون يتفقون في أنهم ينطلقون من مصالح مسبقة حددوها لأنفسهم فلا يرون إلا جانبا من الحقيقة ويتجاهلون الجانب الآخر لأنهم كُلفوا بمهمة أخذوا عنها أجرا ويجب إتمامها حسب العقود المبرمة مع الجهات المتفق معها.

أحاول أن أجد تركيبا لكل هذه المتناقضات، حتى اقترب مع القارئ من شخصية صدام حسين، محور هذا الكتاب، ومن ثمة تاريخ العراق المعاصر الذي تمت شخصنته في حالة فرد واحد. وقد أقع في أخطاء كما قد أصل إلى بعض النتائج التي يمكن تعديلها بعد سنوات من الزمن أو حتى بعد عقود… فليغفر لي القارئ ذلك لصعوبة البحث. فالموضوع آني والصورة لن تتضح نهائيا إلى بعد عقود من الزمن حينها سنخرج من إطار ما نسميه بالتاريخ الآني L’Histoire immédiate إلى ما نسميه بالتاريخ المعاصر L’Histoire moderne. وسوف تتوفر للمؤرخين فرصة أفضل لإعادة كتابة ما حدث على ضوء مناهج علمية وعلى ضوء دافع أكاديمي منهجي تتبناه الجامعات الجادة.

وأحاول أيضا في هذا الكتاب الاقتراب من شخصية صدام حسين ومحاولة فهمها كظاهرة فردية وفي الآن نفسه كإنتاج مجتمعي. أين هي حدود دور الفرد في التاريخ؟ هل المجتمع هو الذي يصنع الإنسان أم الفرد هو الذي يغير من صورة مجتمع بأكمله؟

وأود أن أوضح أن هذا الكتاب يتناول قصة صعود نجم صدام حسين وسقوطه. والحدث يمتد من ولادته سنة 1937 إلى سقوطه في 9 أبريل 2003. فهو لا يتناول مثلا محاكمته أو طبيعة الاحتلال الذي تم أو التعرض لما حدث بعد السقوط من مقاومة ودخول العراق في دوامة من العنف الدموي وعدم الاستقرار. هذه المرحلة، مرحلة ما بعد صدام، تحتاج إلى كتاب آخر مستقل بذاته.
ملاحظة: سيصدر الكتاب قريبا في بيروت

المصدر:الحوار المتمدن