سقوط صدام حسين: الملفات السرية 12

الفصل الثالث

صعود وهبوط حزب البعث

حزب البعث لقي مصير الحزب الشيوعي السوفياتي مع ستالين

كانوا مجموعة صغيرة من الطلبة قدموا من لواء الإسكندرون بغاية الدراسة في بغداد. جاؤوا في أواخر الأربعينات وبداية الخمسينات من سوريا وكانوا يحملون معهم أفكار مثقف مسيحي أرثوذكسي اسمه ميشال عفلق، الرجل الذي أسس حزبا في سوريا سنة 1947 اسمه حزب البعث العربي الاشتراكي. لم يعرف هؤلاء الطلبة أن الأفكار القومية التي كانوا يتحدثون بها في أسوار الجامعة هي التي ستحدد تاريخ العراق لمدة عقود من الزمن.

وأخذ بسرعة المشعل من هؤلاء الطلبة الأشقاء السوريين طلبة عراقيون آخرون. كان من بينهم طالب كلية الهندسة الخجول الشاب فؤاد أحمد الركابي، القادم من مدينة الناصرية الجنوبية، وطالب آخر اسمه تحسين معلة، وهو يدرس الطب وقادم من ضريح الإمام علي في منطقة النجف، وطالب ثالث هو شفيق الكمالي، يدرس في كلية الآداب … ومجموعة أخرى من الشباب أعجبتهم أفكار إخوانهم السوريين فاعتنقوها وأسسوا الخلايا الأولى لحزب البعث في العراق.
لقد بدأ البعث صغيرا في العراق وكبر بسرعة. بدأ مع طلاب رومانسيين ليصبح أجهزة وكوادر ومخابرات ودولة ذات نظام عنيف مغلق. فالطالب فؤاد أحمد الركابي شارك في أول وزارة تشكلت بعد ثورة 1958 ولم يكن عمره يتجاوز 28 سنة. وبعد سنوات، وبعد أن وصل البعث إلى السلطة اعتقله حزبه الذي “سبق أن أسسه”، وأعدمه بشكل وحشي.

أما الطالب الثاني تحسين معلة، “رجل المنظمة القديم، والذي لم يدخل إلى أسرارها، فمازال في منفاه الأنكليزي يشتم الأنكليز ويعاني من ضغوط نفسية، لا تعادلها الضغوط النفسية والخشية من كاتم الصوت” .

ويتذكر حسن العلوي، البعثي القديم، والمعارض لاحقا لنظام البعث، المأساة التي حلت به ويعترف ويقول:
“أما أنا، فمع أنني لم أدخل صميم الحياة الحزبية فقد اتصلت بحزب البعث بطريقة وبأخرى منذ أواسط الخمسينات، ولم يغادر عمودي الصحفي، منذ عام 1958 حتى خروجي من العراق عام 1980، دائرة التبشير الحزبي رغم أن شريطا من أسماء البعثيين الأوائل، كان ينتصب أمامي. قتلى في طور التنفيذ وقتلى في طور الانتظار” .
لقد أكل الحزب أبناءه، بل أكل مؤسسيه الأوائل وذلك الجيل الرومانسي الحالم الذي لم يتصور يوما أن ما حدث قد يحدث ذات يوم.

“فالحزب ظهر في العراق في الخمسينات كحركة سياسية تشكلت من مناضلين متضامنين ومخلصين للقضية القومية العربية. وبفضل عقيدته العلمانية والتقدمية شهد توسعاً سريعاً في أوساط الطلاب وفي عالم صغار التجار وفي الجيش. وقد لعب دوراً حاسماً في انقلاب 17 تموز / يوليو عام 1968 الذي فتح الطريق أمام النظام الحالي. لكن هذا النظام جرده فيما بعد تدريجياً من طبيعته هذه ليحصر دوره في جعله أداة للسلطة مطواعة ومسخرة بلا رحمة” .
“إن حجم الجيل الثاني للحزب والمنتمي في أعقاب ثورة يوليو (تموز) بدأ يطغي على البعثيين الأصوليين في الجيل الأول والذي تشبع جناح واسع منهم بأفكار باندونج والحياد الإيجابي ومبادئ الثورة المصرية وأفكار عبد لناصر بينما تشبع الجيل الثاني بأفكار رد الفعل في ثورة تموز والدعوة لإبادة رموزها والإجهاز على القوى المساندة لها… إن أبرز ممثلي الجيل الثاني هم أبناء القرى والمناطق الواقعة في أعالي دجلة وأعالي الفرات. بمن فيهم العسكريون الذين اكتشفوا في منظمة الحزب مجالا مضاد لثورة تموز، كالعقيد أحمد حسن البكر والعقيد رشيد مصلح وآخرين” .

لقد اكتسح صدام حسين، وهو أحد أبراز عناصر هذا الجيل، الحزب وحكم العراق طيلة عقد الثمانينات وجزء من عقد التسعينات عبر هذا الجيل، من خلاله وباسمه… لكنه سيأتي تدريجيا بجيل ثالث يهيمن على الحزب والدولة في أواخر التسعينات.
يمثل عدي وأخيه قصي هذا الجيل الشاب أحسن تمثيل. وهو جيل يتندب كثيرا من الكوادر الانتهازية التي ليست لها علاقة كبيرة بـ”مبادئ البعث” وإنما تمثل المصالح المادية اليومية والمنافع التي يمكن أت تقدمها لها بيروقراطية الحزب والدولة.

“لقد قلص الرئيس صدام حسين دور الحزب الى سلطة تنفيذية ثانية تتجاوز دور جهاز الدولة، وهو على الدوام يسد ما يصيبه من عجز. لكن بالرغم من التغيرات فان الحزب يواصل النظام بكل صلف استخدام الايديولوجية التي شوهها في نوع من السفسطة المصطنعة التي لا تفيد بشيء ومن التحايل الذي ينقذ ماء وجه الجميع. وفي الوقت نفسه هو بسياسته هو يهدم بكل استخفاف ركائز العقيدة. فمع انه العدو التقدمي للفكر الظلامي الديني فقد بات ينظم الاحتفالات بذكرى مولد النبي. وقمة السخرية من هذا الحزب العلماني هو أن مؤسس البعث العراقي ميشال عفلق السوري الأصل ومن الطائفة المسيحية الاورثوذوكسية، قد أعيدت تسميته لدى وفاته “أحمد” ودفن رسمياً بحسب الطقوس الدينية الاسلامية” .

“إذن، ما هو حزب البعث؟ إنه شبيكة ضخمة من حالات التعجرف والخبث والتنكر والخوف. فهو في حين يزهو بملايينه من “المتطوعين” الذين جمعوا ليمثلوا في ما يشبه التقليد التام، عملية تحرير فلسطين، يجد نفسه عاجزاً عن جمع 10000 مقاتل لمواجهة الجيش الأميركي على الأرض. فكل حبكة الحزب ستتفكك بمجرد ان يسقط النظام، والى ان يحين ذلك الوقت سيبقى صامداً في العراق واثقاً ومتماسكاً طالما أن المستقبل ليس واضحاً” .