سقوط صدام حسين: الملفات السرية 13

حزب البعث بدأ رومانسيا حالما وانتهى دمويا قامعا

حزب البعث وُلد في سوريا واشتد عوده في العراق لكنه فشل في الوصول إلى السلطة في بقية الدول العربية. بدايته الأولى كانت في سنة 1932 في سوريا حينما قام ممثلون عن البرجوازية الصغيرة جاؤوا من أوساط صغار ومتوسطي التجار، ومن أوساط الأساتذة والمدرسين ومن الموظفين… بتأسيس رابطة العمل القومي وكانوا قد تأثروا بانتشار الجمعيات السرية في بداية القرن العشرين مثل جمعية الفتاة، أو القحطانية، أو العهد، كما كان بعضهم قد سبق أن انضم إلى حزب الاستقلال ذو التوجه القومي العربي… لكن سرعان ما دبت الخلافات والصراعات في الرابطة ثم اشتدت سنة 1939 بين السكرتير العام الذي يتعاون مع السلطات الاستعمارية الفرنسية والاتجاه المعارض الذي يمثله زكي الأرسوزي. ووصل الأمر إلى انشطار الرابطة وخروج الأرسوزي منها وتأسيسه لحزب قومي عربي أصبح بتأثير من مثقف دمشقي، اسمه ميشال عفلق وسوري آخر اسمه صلاح بيطار يسمى حزب الإحياء العربي الذي سرعان ما تغير اسمه إلى حزب البعث . يختلف القادة الثلاثة من حيث الانتماء الطائفي لكنهم يتفقون في الآراء والأفكار والبرامج. فزكي الأرسوزي علوي، وميشال عفلق مسيحي أرثوذكسي، وصلاح بيطار مسلم وهم مدرسون نهلوا كثيرا من الفلسفة الفرنسية وبخاصة فلسفة برودون، فورياي، وإيماويل مونياي. ونشروا أفكار القومية العربية لدى طلبتهم تحت ثلاثة شعارات كبيرة: الحرية، الوحدة العربية، الاشتراكية. وفي سنة 1943 ينسحب زكي الأرسوزي من الحياة السياسية العملية ولكن تبقى أفكاره قوية حيث شكلت تيارا في الحزب سيعارض لاحقا توجهات ميشال عفلق وصلاح بيطار المتهمان بخضوعها للعسكر وبعدم اهتمامهما كثيرا بالمسألة الاشتراكية . وفي سنة 1947 يندمج حزب البعث مع حزب آخر قريب جدا من أفكاره اسمه الحزب العربي الاشتراكي ويصبحان حزبا واحد يُدعى حزب البعث العربي الاشتراكي.

وقد بدأ اهتمام البعث السوري بالساحة العراقية مبكرا. حيث أسس عفلق سنة 1941 “اللجنة السورية لمساعدة العراق” وغايتها مساندة حركة راشد عالي الكيلاني الانقلابية وكانت مجموعة عفلق ترحب بإنشاء كيان سياسي اسمه سوريا الكبرى ويضم سوريا والعراق وفلسطين والأردن. ولكن لم تتم بلورة أفكار البعث في برنامج إلا في مؤتمر الحزب الأول الذي انعقد في شهر أبريل 1947.

… ونجح الحزب في اختراقه للساحة العراقية وانتشاره فيها في حين فشل في بقية الساحات العربية.

صعود الحزب… وسنوات المجد

ظهر حزب البعث لأول مرة كقوة سياسية منظمة عندما انضم إلى جبهة الاتحاد الوطني التي تشكلت عام 1957 لمعارضة حلف بغداد وسياسة حلف بغداد. ويذهب حسن العلوي إلى أن “اسم البعث لم يكن شائعا في الأوساط العامة ولم تكن الحكومة الملكية معنية بملاحقة نشاطه. بل كان واضحا أن أجهزة الأمن أنذاك كانت تغض النظر عن نشاط البعثيين. بينما يرى جناح في السلطة الملكية أن حزب البعث ممكن أن يُستخدم لمواجهة الحزب الشيوعي العراقي الذي تعتقد السلطة أنهه يشكل الخطر الأول عليها” .
وبعد نجاح ثورة 1958، اتخذ حزب البعث منذ الشهور الأولى موقفا مؤيدا للقائد الثاني للثورة عبد السلام عارف في مواجهة زعيم الثورة عبد الكريم قاسم. واتخذ من صحيفة “الجمهورية” منبرا يُروج من خلاله لشخصية عارف كما تبنى شعار الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة.
في المقابل، يرى حسن العلوي أن “عبد الكريم قاسم لم يضع حسابات أو احتياطات أو حتى اهتمامات تأخذ بنظر الاعتبار أخطار حزب البعث على السلطة. فقد نظر زعيم الثورة إلى البعث باعتباره حزبا صغيرا لم يرتبط بالتراث الوطني للشعب العراقي، ولعل عبد الكريم قاسم فكر جديا –وضمن سياسة التوازنات- باستخدام البعث لمواجهة القوى المتنامية للحزب الشيوعي العراقي” .

وبعد إقالة عبد السلام عارف في 5 أكتوبر (تشرين الأول) 1958 من مناصبه الحساسة وهي: 1- نائب رئيس الوزراء، 2- نائب عام للقوات المسلحة، 3- وزير الداخلية، ليُعين سفيرا في بون، خرج الشيوعيون العراقيون يهتفون “خمسة بالشهر ماتوا البعثية” . وذلك تشفيا وانتقاما منهم من حزب البعث.
سنة 1968، سنة وصول الحزب إلى الحكم، لم يكن يتجاوز المنتسبين الفاعلين للبعث بضعة آلاف. وفي سنة 1976 وصل عدد البعثيين وأنصارهم المنظمين إلى حوالي نصف مليون عضوا. ولكن المفارقة تمكن في أن عشرة آلاف فقط من البعثيين هم أعضاء كاملي العضوية في الحزب أما البقية فهم أنصار موزعون على مراتب مختلفة. وحتى يصل نصير الحزب إلى مرتبة العضو الكامل يجب عليه أن يمر بمراحل عديدة من بينها القيام بتمرين وإعداد في “مدرسة الإعداد الحزبي”. أما الأعضاء الرسميون فهم عادة ينتمون إلى البعثيين الأوائل المؤسسين للحزب أو المشاركين في أهم الأحداث التي عاشها وبخاصة المشاركة في ثورتي 1963 و1968 وهم أصحاب امتيازات كبيرة في الحزب وفي الدولة .

انعقد في بغداد أيام 8 و12 يناير 1974 المؤتمر القومي القطري الثامن لحزب البعث. وتم تبني التقرير السياسي بالإجماع والذي يصور التغييرات التي أحدثها الحزب منذ استلامه السلطة سنة 1968 ويقدم المهمات الباقية والتي يجب تنفيذها ليس فقط في العراق وإنما في بقية العالم العربي. وهذا التقرير يمثل بالنسبة للقادة العراقيين وجماهير الحزب المرجع الأول بدون جدال .

أما عدد أفراد ميليشيا الحزب فقد قُدر في منتصف السبعينات بـ50 ألف عنصرا. في حين أن الأبحاث الأمريكية تبين أنه في سنة 1978 كان عدد أفراد هذه الميليشيا يصل إلى 100 ألف أو أكثر”. ومنذ اندلاع الحرب مع إيران وصل العدد التقريبي بين سنتي 1980 و1981 إلى 250 ألف .
وفي سنة 1984، تحدث كتاب قريب من النظام عن “1.5 مليون عراقي، أي ما يعادل 10.7 بالمائة من مجمل السكان (14 مليون نسمة) مرتبط بالبعث كأنصار أو متعاطفين، في حين أن الأعضاء الكاملي العضوية فقد بلغ عددهم 25 ألف” .