سقوط صدام حسين: الملفات السرية 2

الفصل الأول
حينما تتحول الضحية إلى جلاد
بدأ حياته شريدا طريدا وانتهى كذلك. طفولته مأساة ونهايته أيضا. كأنه شيخ خارج من توه من كهف نام فيه مئات السنين، أو كأنه فوضوي عبثي لا علاقة له بالعالم الخارجي… في كل الأحوال لم ينتحر ولم يقاوم كما فعل ابناه وحفيده… استسلم في مشهد سريالي والأمريكان يقولون أنه “سيتعاون”… حوكم ثم أُعدم… من هو صدام حسين؟

وُلد صدام حسين في 28 أبريل 1937 في قرية العوجة، وهي قرية قريبة من مدينة تكريت من ناحية الشرق، على بعد 150 كلم من شمال بغداد. هذه المدينة فاقت شهرتها شهرة قرية “العوجة”. فكتاب سيرة صدام الرسميون وأبواقه الإعلامية تروج عادة لمدينة تكريت وتتجنب الحديث كثيرا عن “العوجة”. فالمدينة الأولى مدينة تاريخية مشهورة، رغم فقر سكانها في النصف الأول من القرن العشرين، فقد كانت قلعة رومانية حصينة، ثم هي المدينة التي وُلد فيها صلاح الدين الأيوبي الذي سيوحد المنطقة ويطرد الغزاة الصليبيين . أما قرية “العوجة” فهي موضوع تندر العراقيين المعارضين الذين يقولون “كيف لحكام جاؤوا من قرية عوجة أن يكونوا أسوياء؟!”.

تاريخ مولده هذا المعلن رسميا، والذي أصبح فيه يوم عيد ميلاد الرئيس يوم عطلة واحتفال لكل الشعب العراقي، حدث فيه اختلاف كبير بين المنقبين في سيرة صدام. فالكاتب العراقي حميد البياتي أثار كثيرا من الشك والبلبلة حول تاريخ ميلاد الرجل. فقد نشر مضمون ولادة صدام بتاريخ 1 يوليو 1939 .

ولا يستبعد كثير من العراقيين هذا التاريخ لأن أهل تكريت كثيرا ما يتأخرون في تسجيل مواليدهم الجدد في دفاتر الحالة المدنية.

ويعتقد الكاتب سعيد أبو الريش أن تغيير تاريخ ولادة صدام قد يكون لأسباب اجتماعية وسياسية.
فالسبب الأول قد يعود لكونه تزوج من ساجدة ابنة خاله خير الله طلفاح. وهي مولودة سنة 1937 ولا يمكنه الزواج منها إذا كانت أكبر منه سنا وذلك بسبب التقاليد والعادات المهيمنة في تلك الفترة على العراق والتي ترفض أن يتزوج الرجل امرأة أكبر منه سنا.

أما السبب الثاني فقد يعود إلى حاجة صدام الأكيدة للزيادة في سنه الحقيقي حتى يكون مقبولا كقائد وزعيم سياسي يقود حزب البعث ومن ثمة قيادة العراق . كان من مصلحته إضافة بعض السنوات إلى عمره الحقيقي ليبدو مقبولا اجتماعيا بالنسبة إلى زواجه من ابنة خاله وليبدو مقبولا سياسيا بالنسبة إلى تزعمه حزب البعث وقيادته للعراق.

أما عائلته فتنتمي إلى فئة الفلاحين المعوزين حيث يسودها الفقر الشديد، فهي لا تمتلك الأرض ولا المال. لكن كتاب سيرة صدام وجدوا معه مخرجا لأسرته شديدة التواضع. فهم اعترفوا بفقرها لكنهم أكدوا على معطى جديد سيجعل من هذه الأسرة أسرة شريفة. لقد توصلوا إلى أن صدام حسين وعائلته هم من ذرية الإمام علي بن أبي طالب.

يكتب، أمير إسكندر المقرب من صدام في سيرته شبه الرسمية: “… إن صدام حسين المنتمي إلى عائلة فقيرة هو أيضا منتمي في الحقيقة إلى أنبل أسرة عرفها التاريخ العربي الديني والسياسي… إن تقصينا لجذور صدام حسين العائلية توصلنا إلى الأسرة العلوية وتاجها الإمام علي بن أبي طالب. إن صدام حسين لم يتحدث في حواراته ولا في خطبه عن هذه الحقيقة. وربما يعود السبب لكونه يرفض أن يتميز عن الآخرين بأصوله الدينية والعائلية أمام الذين لا يملكون مثل هذه الأصول ويعملون على تجسيد معنى القيم الحديثة والعلمية للكرامة والشرف…” .

لا يعرف كتاب سيرة صدام حسين إلا القليل عن طفولته الأولى. فكتاب سيرته الرسميون يتجنبون الحديث عن تفاصيل هذه الفترة من حياة “القائد” . فهي فترة يبدو أنها كانت شديدة القسوة على ذاكرة صدام. حيث أن المتأكد منه أن طفولته لم تكن سعيدة، وأن لا حاجة للتطرق إليها والبحث في تفاصيلها. بل إن أحد كتاب سيرته، وهو سعيد أبو الريش، يذهب إلى أن الأمر حينما يتعلق بصدام حسين، يصبح من الصعب التفريق بين الحقيقة والمبالغة أو نسيج الخيال، حتى وإن كانت الوقائع المروية ضده .

وتقول السيرة الرسمية أن والد صدام حسين، ويدعى حسين المجيد، قد توفي قبل ولادة صدام أو ربما بعد ولادته حيث لم يعش مع ابنه إلا بضعة أشهر. أما رواية سكرتير صدام السابق والمنشق عنه فتقول أن والد صدام حسين قد يكون ترك ابنه وزوجته لمصيرهما ليختفي. ورواية أخرى مصدرها المعارضة العراقية تقول أن هروب حسين أب صدام من البيت يعود لكون زوجته صبحة كانت تمارس البغاء في قرية العوجة. وينتقد سعيد أبو الريش هذه الرواية ويرى أنها غير ممكنة . أما الكاتب العراقي حميد البياتي، وهو من أشد منتقدي صدام، في رواياته عنه فيُقر بأن حسين قد عمل خادما في بيت الوزير الأول توفيق السويدي أثناء الحكم الملكي .

ومن جهته، فإن صالح عمر العلي، زميل صدام ووزير الإعلام وعضو مجلس قيادة الثورة لحزب البعث في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، يعتقد بوجود أب لصدام اسمه حسين. لكنه لا يعتقد بأن الرجل اشتغل في عمل محدد. ويضيف: “لم يكن شيئا يذكر… لا أحد من هذه العائلة نجح في القيام بعمل يجذب الانتباه..”. ويضيف فرضية موت حسين خلال عملية عراك عنيف ويقول: “في نهاية المطاف، إن سكان العوجة كانو شديدي العنف إلى حد أنهم عندما يذهبون إلى تكريت، يقوم التجار بغلق محالهم” .

المهم أن والدة صدام “صبحة” بقيت وحدها مع ابنها إلى أن التقت بابراهيم حسن، أخ زوجها المتوفي وعم صدام، حيث تزوجت منه بعد أن أقنعته بترك زوجته من أجلها .

تتميز “صبحة”، أم صدام، بقوة الشخصية وبفرضها نفسها على قرية “العوجة” حيث لا يكون للنساء عادة تأثير كبير. لقد عاشت في تكريت إلى أن توفيت سنة 1982 وجعل ابنها من البيت الذي عاشوا فيه صرحا كبيرا .

ومن سوء حظ الطفل الصغير صدام أن زوج أمه كان خشنا معه، بل كان أميا ويعامله بقسوة مبالغ فيها. يتذكره صدام بألم بعد أن أصبح رئيسا ويقول عنه “كان يوقظني من نومي في الفجر ويصرخ في وجهي: استيقظ يا ابن “…” وأسرع لتذهب بالغنم وترعاها”. وكثيرا ما يتشاجر ابراهيم مع صبحة حول طفلها الصغير ويعايرها : “إنه ابن كلب. ولم أعد استطع احتماله”. لكنه رغم ذلك وجد بعض الفوائد في هذا الطفل. فكثيرا ما يكلفه بسرقة الدجاج والأغنام ليعيد بيعها فيما بعد .

لم يكن زوج أمه إبراهيم الحسن يعمل في شغل قار حيث كان أميا مثل صبحة. لذلك لم يُعرف عنه أنه اشتغل في موقع محترم أو حتى في مهنة دائمة. كان على صدام أن يعيش في عائلة شديدة الفقر تنتمي إلى قرية فقيرة وعشيرة متواضعة. فعشيرته تنتمي إلى قبيلة صغيرة تعتمد المذهب السني اسمها آل بو ناصر ويُطلق عليها أيضا البجات. ويتميز أبناء هذه العشيرة بالدهاء وبالسرية وبالكتمان . لكن الفقر غلب على أسرها.
وحينما أصبح صدام رئيسا، فعل كل ما في وسعه لمسح صفحة زوج أمه من سيرة حياته الشخصية. فلا نجد أثرا كبيرا لحسن ابراهيم في هذه السيرة، كما يكاد ينعدم ذكره أيضا في المحاولات البيوغرافية التي قام بها كل من أمير إسكندر وفؤاد مطر. كلاهما تجاهل شخصا أثر تأثيرا كبيرا في حياة صدام حسين حتى ولو كان هذا التأثير بشكل سلبي وعكسي. اختفى حسن إبراهيم من الصورة العلنية التي أرادها صدام لنفسه، لكنه قطعا ويقينا لم يختف من ذاكرة صدام الطفل، كما أنه لن يختفي من صفحات التاريخ العراقي الذي نجح صدام حسين في شخصنته لعقود من الزمن.

اعترف صدام حسين لأمير اسكندر بقسوة الطفولة التي عاشها وبالظروف الصعبة التي وُلد فيها. يقول إسكندر: “لم يشهد صدام حسين طفولة سهلة ولا مريحة. لقد انتقل خلال السنوات العشر الأولى من حياته بين البيت الذي وُلد فيه، وبيت خاله ثم بيت عمه “الحاج إبراهيم” الذي تزوج أمه بعد وفاة والده وهو تقليد متعارف عليه في هذه المنطقة وفي مثل هذه الظروف… إن مشاعر اليتم الكامنة في أعماق روحه كان عليها إما أن تدفعه إلى الانطواء على نفسه وغلبة الحزن عليه أو الانفتاح على الآخرين ليجد في اتحاده معهم تعويضا لوحدته الشخصية. ومن حظه السعيد رفض صدام الانطواء على النفس… وواجه الحياة القاسية كرجل، كمناضل منذ ولادته، في حين أن الواقع يقول أنه لم يكن في تلك الفترة إلا طفلا” .

كان البيت الذي نشأ فيه صدام حسين يتكون من غرفة واحدة، مثلما هو الحال في أغلب بيوت العوجة. وكان يتعايش فيه في الآن نفسه صبحة وزوجها حسن ابراهيم وصدام وإخوته الصغار. أما البهائم فكانت تعيش في ركن ملحق بالبيت. ولم يُوجد في بيت صدام الطفل كهرباء ولا ماء ولا مطبخ، ولا حتى غرفة حمام. ويُعرف أمثال هؤلاء الفقراء بالناس الذين يأكلون بأصابعهم : “إلي يأكلوا بالخمسة”، فهم لا يمتلكون صحونا ولا ملاعق، بل يأكلون في نفس الصحن، وعادة ما يتكون أكلهم من بعض الأرز ونادرا ما يضاف إليه اللحم. وكانت العائلة تنام جميعا على الأرض، لأنه لا يُوجد أسرة ولا أفرشة .

عاش صدام طفولته أيضا في الشوارع فهو “ابن أزقة”، يروى عنه البعض أنه سرق الدجاج والبيض ليعيل عائلته، وأنه باع البطيخ في محطة القطارات في تكريت التي تربط بين الموصل وبغداد. ويذهب البعض الآخر إلى القول أن صدام كان يطارد الكلاب بقضيب من الحديد ليقتلها …

لكن أمير إسكندر يصف تأثير طفولة صدام الصعبة على شخصيته لاحقا بشكل إيجابي يثمن فيه سلوك الرئيس ويعتبر أنه استفاد من فقره حيث برزت فيه خصال حميدة. يقول : “إن الحياة القاسية التي عاشها في وسطه الأول، حيث توجد أراضي الفلاحين الفقراء التي تجود في بعض الأحيان بالثمار الطيبة وفي أحيان أخرى تبخل عليهم… علمته مبادئ أساسية لن يتخلى عنها طوال حياته وطوال كفاحه. لقد علمته الحياة أن لا يعتمد إلا على نفسه، أن يكون شجاعا وجريئا، أن يكون شديد القسوة في نقده لنفسه وفي أن يتحكم أخلاقيا في سلوكه. لقد علمته الحياة وبخاصة حب الفقراء والتعامل مع الناس البسطاء” .

قد تكون بعض الصفات التي ذكرها أمير إسكندر صحيحة مثل صفة أن لا يعتمد إلا على نفسه أو صفة الجرأة… لكن المؤكد أن هذا الفقر المدقع الذي عاشه صدام في طفولته يفسر ولعه لاحقا، وبعد أن أصبح رئيسا للعراق، بمظاهر الترف والبذخ التي تنافس حكايات ألف ليلة وليلة. فقصوره تعددت، وأثاثها وأفرشتها وأسرتها ومطابخها وحماماتها مستوردة من أغلى المتاجر الأوروبية. قام صدام الرئيس بعملية انتقام شاملة لطفولته المعذبة، فـ”متع” نفسه بكل ملذات الحياة من أكل وشرب وقصور ونساء… ولم يقتصر البذخ والترف على شخصه وإنما تعداه إلى أبنائه واخوته وكل أبناء العوجة بل حتى أبناء تكريت… لقد انتقم لنفسه ولأمه ولعشيرته ولقبيلته. كان ثأره اجتماعيا قبل أي ثأر آخر. كان الغنى يثأر من الفقر وكان الترف يثأر من الحاجة. فكر صدام أنه دفن العوز إلى الأبد. وأصبحت ثنائية الكرم أو القصاص هي محور حياته. فهو يهب بلا حدود وبكرم وافر لكنه يقتل بلا حدود أيضا وبقسوة شديدة مبالغ فيها…

وعندما بدأ ابن خاله عدنان خير الله (سيصبح وزير دفاعه لاحقا) الذهاب إلى المدرسة، أعلن الطفل صدام عن رغبته في أن يصبح مثله ويذهب بدوره إلى المدرسة ليتعلم. لكنه اصطدم برفض زوج أمه ابراهيم الذي لم يقبل بذهابه إلى المدرسة لأنه يريد أن يرعى غنمه ويسهر عليها. لكن في نهاية المطاف تمكن الطفل من فرض إرادته بمساعدة خاله خير الله طلفاح، وهو معلم يدرس في مدرسة في قرية الشاويش، وهي قرية قريبة من تكريت، الذي تبناه وألحقه بالمدرسة سنة 1947، أي أن الصبي كان عمره 10 سنوات .