سقوط صدام حسين: الملفات السرية 3

لكن سعيد أبو الريش يعتبر أن فرار صدام لم يكن ليحدث دون موافقة ولو ضمنية من أمه صبحة التي تركته يخرج من بيتها إلى بيت أخيها خير الله. فقد كان يمكنها في كل الأحوال، لو أرادت ذلك، أن تسترجع ابنها. لكنها لم تفعل . ويضيف أن عمره حينما دخل لأول مرة المدرسة يتراوح بين 8 و10 سنوات. لقد كان بدون شك أكبر أقرانه سنا في الفصل، وقد يكون تعرض إلى سخريتهم الدائمة منه. وهو ما يجعله يتصارع معهم مستخدما قوته الجسدية.

والمعروف عن صدام أن ذاكرته قوية جدا فهو لم ينس طوال حياته إهانة أو شتيمة وُجهت له، كذلك تذكر بخير وكرم من ساعده في طفولته بشكل خاص وفي مسيرة حياته بشكل عام. ويتذكره زملاءه الذين درسوا معه بكونه قد عانى من عقدة الفقر، ومن تأخره في الالتحاق بالمدرسة، ومن كونه لم يمتلك حذاءا إلا مؤخرا… ولكن في المقابل يكاد الجميع يعترف له بما في ذلك أعداؤه بخصال كثيرة يلخصونها في شدة ذكائه، وفي سرعة تعلمه، وفي تنظيمه المنهجي منذ سنه المبكرة .

أما الرواية شبه الرسمية لسيرة صدام والتي جاءت في كتاب أنيق الطباعة لأمير إسكندر الذي حاور الرئيس العراقي طويلا، فقد قدمت قصة فرار صدام من بيته والتحاقه ببيت خاله بشكل بطولي ورومانسي يجعل من الصبي الصغير رجلا ذا عزيمة قوية لا تقهر وإرادة صلبة لا تلين أمام الصعاب…

يقول أمير إسكندر في كتابه واصفا عملية الهروب : “مع ظلمة الليل، وعندما انتشر الظلام الدامس، تسلل الولد الصغير ذي العشر سنوات من فراشه، أخذ بعض الأدباش وانطلق خارجا ليواجه لوحده، مثلما فعل دائما، مصيره الجديد. واتجه إلى منطقة الفتحة حيث التقى بأبناء أعمام له كانوا يعملون في حراسة احدى الشركات الكبرى المتواجدة في تلك الناحية. وقال صدام سيكونون دليلا لي في معرفة الطريق الذي سيأخذني إلى تكريت. وكانت الفتحة تبعد حوالي ساعتي زمن مشيا عن قريته العوجة… استغرب أبناء عمه طرقه بابهم فجرا وقالوا له : “ما الذي جاء بك في هذا الفجر؟ وما الذي حدث لك؟”. فقال لهم بإصرار وبثبات أنه قرر الذهاب إلى المدرسة، وأن أسرته ترفض ذلك وهو ما جعله يصمم على مغادرتها والذهاب إلى تكريت عند خاله حيث يمكنه تحقيق هدفه. وذكرهم بأنهم هم أيضا ذهبوا إلى المدرسة رغم أن آباءهم أجبروهم على إيقاف دراستهم لاحقا. لم يعترض أبناء عمومته على مشروعه بل على العكس شجعوه في مسعاه، وصاحبوه إلى محطة السيارات، وأركبوه في واحدة وطلبوا من سائقها أن يُركبه سيارة أخرى بعد أن يقطع نصف الطريق لتوصله إلى تكريت هدفه النهائي من هذه الرحلة. ولم ينس أبناء أعمامه أن يعطوه أهم شيئ يحتاجه المسافر لأمنه، لقد أعطوه مسدسا وكان أول مسدس يمتلكه صدام في حياته” .

يبدو هذا المشهد شاعريا أكثر من اللازم لطفل يبلغ سنه بين الثمانية والعشرة أعوام. ويبدو المسدس غريبا في المشهد لصبي مثله. هل هو إسقاط صدام حسين الرئيس / الكهل على طفولته؟ المهم في هذه القصة أن ولع صدام بالسلاح وما يرمز إليه من قوة وسلطة وبطش كان مبكرا جدا في حياته وحتى إن لم تكن القصة حقيقية فإن دلالتها ذات مغزى كبير لمن يريد سبر أغوار شخصية الرجل.

تستمر قصة صدام لكاتب سيرته أمير إسكندر الذي كتب على لسانه “وصل إلى بيت خاله في تكريت ودخله واستقبله الموجودون مرة أخرى بنظرات حائرة وأسئلة كثيرة: “ما الذي جاء بك يا صدام؟ كيف أتيت إلى هنا؟ من جاء بك؟ ما الذي حدث؟ ما الأمر؟”. بهدوء وشجاعة وكأنه يعلن قرارا نهائيا لا رجعة فيه قال لهم “أريد أن أذهب إلى المدرسة”. وكانت إجابتهم مشجعة جدا حيث رحبوا به وقالوا له “لقد فعلت حسنا يا صدام. أسرتك ليس لها أي حق. يجب أن تذهب إلى المدرسة. يجب أن تسجل منذ الغد في المدرسة وتدرس وتواضب على الذهاب” .

بقطع النظر عن صحة كافة التفاصيل التي أراد صدام أن يرويها عن طفولته وبخاصة هروبه الأول من أجل الدراسة، فإنه يمكن اعتبار “فرار” صدام من بيت زوج أمه والتحاقه بخاله أكبر منعرج حاسم في مصير حياته. حيث كان من الممكن أن يمضي الصبي حياته كلها راعيا للغنم، أميا لا يحسن القراءة والكتابة… لكن القدر تدخل لصالحه في التعلم أولا وفي كون خاله خير الله رجل يتميز عن بقية الرجال. وهو الذي سيضع ابن أخته على طريق السياسة.

كان خير الله طلفاح ضابطا في الجيش العراقي. وكان قد شارك في محاولة انقلاب سنة 1941 الذي قاده راشد عالي الكيلاني، المتعاطف مع ألمانيا النازية، ولكن الانقلاب أجهضته القوات البريطانية المتواجدة في المنطقة. وبعد طرده من الجيش العراقي التحق بالتعليم وواصل نشاطه السياسي على الأقل كمناضل وطني يكن للاستعمار البريطاني كل العداء. وهي المشاعر التي غرسها في الصبي ثم في الشاب صدام حسين. وكان تأثير الخال في ابن الأخت بلا حدود…
“خير الله هذا سيقّدر له ليس فقط أن يكون بمثابة والد لصدام، بل أيضاً معلمه الخاص. كان خير الله قد قاتل ضد بريطانيا خلال الانتفاضة العراقية في العام 1941 وأمضى خمس سنوات في السجن بسبب نشاطاته الوطنية. وهو ملأ رأس صدام الصغير بالقصص عن بطولات جّده الأكبر وعمومته الأوائل الذين ضحّوا بحياتهم من أجل العراق. كما أنه جعله يؤمن بالقومية العربية التي كان يبشّر بها حزب البعث الذي تأسس العام 1940، وحّضه على مقت الأجانب مقتاً شديداً. وفي العام 1981 أعاد صدام نشر منشور كتبه خاله عنوانه (ثلاثة كان يجب على الله أن لا يخلقهم: الفرس واليهود والذباب)” .

التحق صدام حسين بمدرسة تكريت الثانوية، ومرت السنوات الأولى ولكن كثُرت غياباته عن المدرسة إلى أن قرر المدير اعتباره راسبا فرد صدام حسين بمحاولة اغتياله. وكانت “أول جريمة” مخططة يقوم بها المراهق صدام في حياته.

أجريت حوارا مع الدكتور حسن العطار حول موضوع محاولة قتله من قبل صدام حسين، وقد جاء فيه:

“متى التقيت صدام حسين لأول مرة؟

كنت مديرا لثانوية تكريت أثناء السنة الدراسية 1954-1955. وكان صدام حسين أحد التلامذة وكان يدرس في الصف الثاني. وكان يتغيب كثيرا عن المدرسة ليذهب إلى قرية العوجة. وبموجب نظام المدارس الثانوية لسنة 1952: إذا تغيب الطالب أكثر من 25 يوما، يُعتبر راسبا في صفه تلك السنة. وصدام حسين كان الطالب الوحيد من حوالي 500 طالبا الذي يتغيب باستمرار ولمدة طويلة. وبما أنني مديرا للمدرسة، فكان من واجبي أن التزم بالنظام وبتطبيقه على الجميع… فاعتبرنا صدام حسين راسبا في صفه في تلك السنة. بعد ذلك حاول خاله خير الله طلفاح، وقد كان في ذلك الوقت موظفا في وزارة المعارف، أن يغير القرار الذي صدر من قبلي عن طريق الدائرة التي كان يعمل فيها في وزارة المعارف. ولكنني لم أوافق على إعادته إلى المدرسة. ولذلك أعتبر أن أول جريمة ارتكبها صدام حسين في حياته كانت ضدي. حيث جاء ليلا من العوجة حاملا معه بندقية وممتطيا فرسا وأطلق الرصاص على الغرفة التي كنت نائما فيها في البيت الذي كان يقع على الشارع مقابل ثانوية تكريت ولحسن الحظ فقد كنت مستلقيا على السرير فلم تصبني طلقاته. بل لم أكن أتصور أبدا بوجود عملية اغتيال موجهة ضدي. كنت أعتقد أن الذي حصل هو إطلاق رصاص بين الحرس الليلي للحكومة وبين بعض اللصوص… ولهذا بقيت هادئا.
وفي اليوم التالي، ذهبت صباحا إلى المدرسة كالعادة لكني فوجئت بضابط شرطة جاء لزيارتي وقال لي أن إطلاق الرصاص كان يستهدفك عمدا وليس برصاص طائش. وسألني هل لديك عداوة مع أي شخص؟ فقلت له: لا ليست لي عداوة مع أي شخص كان. ثم دقق السؤال أكثر وقال لي هل لديك مشكلة ما مع أحد طلابك؟ عندئذ تذكرت صدام حسين وقلت له نعم. وشرحت له مشكلة هذا التلميذ وكيف اعتبرناه راسبا بسبب تغيبه الكثير. فقال لي: طيب إلى اللقاء. ثم أرسل الضابط الشرطة إلى قرية العوجة وألقوا القبض عليه واعترف لهم بكل شيء عند التحقيق معه. ثم تمت إحالته إلى المحكمة.
كم كان عمره آنذاك؟
كان عمره حوالي 17 أو 18 سنة.
ذهبنا إلى المحكمة، حيث استجوبه القاضي. وقد اصطحب صدام محاميا للدفاع عنه. وقام القاضي بتأجيل المحاكمة إلى جلسة ثانية.
وهل كان صدام حسين يملك المال اللازم حتى ينتدب محاميا للدفاع عنه؟
لا بد من ذلك، وقد يكون أخذ المال إما من زوج أمه أو من خاله خير الله.
أعود للقاضي الذي أجل الجلسة. فبعد ذلك وقبل انعقاد الجلسة الثانية، جاء وفد يضم أشخاص معروفين في مدينة تكريت إلى بيتي وكان يضم إبراهيم الحسن، زوج أم صدام ومعه المحامي ومعه مدير مدرسة ابتدائية في تكريت ومعهم شخص آخر نسيت اسمه… وقالوا لي: نرجوك أن تعفو عن صدام. وفكرت أنا، أن أهل صدام قد جاءوا إلى بيتي وهم عندي ضيوف، ومن عاداتنا وتقاليدنا احترام الضيوف ومحاولة تلبية طلباتهم، فقلت لهم: سوف أعفو عن صدام أمام المحكمة في الجلسة القادمة. وهو فعلا ما حصل في الجلسة الثانية حيث قلت للقاضي أنني أعفو عن المتهم. فاستغرب القاضي وطلب من الحاضرين الآخرين من محامي وشهود أن يتركوا القاعة. وقال لي: هل تريد أن تعفو عنه بسبب تعرضك للتهديد؟ فأجبته لا، إنني أعفو عنه لأسباب إنسانية ولاحترام الضيوف الذين جاءوني إلى البيت. فأجل الجلسة ثلاثة أيام حتى يُصدر القرار وهو ما حدث فعلا حيث أصدر قرارا بالعفو عن صدام حسين. وقال لي نفس القاضي: لو لم تعف عنه لبقي في السجن سنوات عديدة.
الشيء الآخر إلذي أود أن أنبه إليه هو وجود قانون يخص المدارس الثانوية يقول أن أي طالب يحمل السلاح داخل المدرسة أو خارجها حتى بدون استخدامه يجب أن يُفصل من المدرسة فصلا نهائيا. وتوجد مادة أخرى تقول أن أي طالب يعتدي على أستاذه بأي شكل من الأشكال حتى دون استعمال بندقية، يُفصل أيضا من المدرسة فصلا نهائيا ومعنى ذلك أنه يُحرم من الدراسة طيلة حياته.
وأنا، لأسباب إنسانية، قدمت لصدام خدمة كبيرة جدا في حياته: لقد أنقذته أولا من السجن، ولم أفصله ثانيا من المدرسة… وبذلك استطاع في السنة التالية العودة إلى فصول الدراسية وإكمال الثانوية ومن ثمة دخوله إلى الجامعة متأخرا.
وبعد أن أُعتبر صدام راسبا في السنوات التالية انتقل ليدرس في بغداد. وسكن في بيت خاله ثم تزوج من ابنته لاحقا. إن ذهابه إلى بغداد ساعده على أن يُصبح مشهورا وأن يتقدم في العمل السياسي، ويتسلق في المسؤوليات الحزبية… ولو بقي في تكريت لما وصل إلى مراتب عالية داخل الحزب ومن ثمة في الدولة.
هل تعرف لماذا كان يتغيب صدام حسين عن المدرسة، هل كان ذلك لأنشطة سياسية، أم من أجل العمل أم من أجل ماذا؟
كلا، لا أعتقد أنه كان يتغيب لأسباب سياسية، حيث لم توجد في تلك الفترة في مدينة تكريت حركة سياسية هامة وبخاصة أن عمره كان صغيرا، لقد كان يذهب إلى القرية.
ألم يبرر صدام غياباته المتكررة عند استجوابه؟
لا، لم يبرر، لكنه اعترف أنه كان يغيب كثيرا.
هل كان صدام يحصل على علامات جيدة في الامتحانات؟
لا، لم يكن تلميذا نجيبا. لقد فُصل من المدرسة. وكان طالبا عاديا.
لم يتفوق في دراسته؟
لا، لم يحصل ذلك.
لم تره بعد هذه الحادثة؟
تركت العراق في السنة التالية وذهبت إلى فرنسا للدراسة. لذلك لم أعلم ماذا فعل بعد ذلك. ولكن سمعت إشاعات كثيرة تقول أنه قام بعمليات قتل واغتيال في أيام شبابه.
هل كان صدام حسين فتوة المدرسة، أي يضرب زملائه ويستخدم العنف ضد الجميع ليهابه الآخرون؟
يمكن أن يكون قد فعل ذلك لاحقا، لكن عندما كنت أنا مديرا كان نسبيا صغير السن. لكن خارج المدرسة كانت عنده تصرفات عنيفة. ولقد قرأت لاحقا أنه اعتدى على أحد المدرسين الأكراد في السنة التي تلت سفري إلى فرنسا.
عندما أصبح صدام رئيسا للعراق، هل قام بدعوتك والالتقاء بك ليشكرك على عفوك عنه؟
أبدا، لم يتصل بي ولم يلتق بي أيضا. لكنه كان في السبعينات طالبا في كلية القانون والسياسة. وأنا كنت أستاذا في قسم العلوم السياسية في حين كان هو طالبا في قسم القانون. لكن كنت ألاحظه بين حين وآخر يدخل إلى الكلية ويخرج منها” .

يلخص هذا الحوار طبيعة الحياة الدراسية التي عاشها صدام حسين مع خاله في مدينة تكريت، ولكنه يلخص أيضا طبيعة شخصيته التي تضرب خصمها في الوقت الذي لا يتوقع فيه هذا الخصم أي أذى منه.
لكن من الضروري التأكيد أن القدر لعب دائما إلى جانب الرجل وساعده وأنقذه من حالات كثيرة ميؤوس منها.
***

لقد ساعد القدر مرة أخرى الشاب صدام حسين حينما قرر خاله خير الله في بداية الخمسينات الانتقال إلى مدينة بغداد والعيش فيها، تحديدا في منطقة الكرخ. هذا الانتقال سيوفر لصدام إمكانية النجاح السياسي. فبغداد هي المركز، وبقاؤه في تكريت قد يكون مدفنا لكل طموحاته السياسية. لكن الحظ كان معه دائما إلى أن خسر نهائيا اللعبة ذات شهر إبريل من سنة 2003.

بدت بغداد غريبة على الشاب صدام. فهو متعود على قريته الصغيرة “العوجة”، أو على مدينة تكريت. لكنه في المقابل بقي في وسطه القبلي التكريتي. حيث يسكن خاله في الضفة الغربية من نهر دجلة في حي في منطقة الكرخ حيث أن أغلب سكانه تكريتيين. وهي عادة قديمة في بغداد تعود إلى الفتح الإسلامي للعراق حيث يتوزع سكان المدن على نمط قبلي. أي أن كل قبيلة تأخذ حيا معينا تسكنه. وبهذه الطريقة تحافظ العشيرة على روابطها الدموية رغم مغادرتها البادية .

لقد عمل صدام أثناء دراسته في مهن عديدة شديدة التواضع حتى يكسب بعض المال. فقد ساعد مثلا صاحب سيارة تاكسي حيث اشتغل عنده كمنادى للزبائن. ويتذكر عضو سابق في حزب البعث أن صدام باع السجائر في شوارع بغداد مناديا بأسماء ماركات السجائر التي يبيعها في طبق معلق برقبته. وبعثي سابق آخر ذكر بأن الصبي قد اشتغل أيضا في المقاهي وتعرض لمضايقة الزبائن (!) …

أنهى صدام حسين دراسته الثانوية وأراد الالتحاق بالأكاديمية العسكرية في بغداد ليتخرج ضابطا وليلتحق بالجيش العراقي، لكن مطلبه رُفض بسبب أصوله الفقيرة المتواضعة.