سقوط صدام حسين: الملفات السرية 6

مرحلة 1963 وثورة البعث الأولى
في سنة 1963 عندما وقع انشقاق حزب البعث في سوريا بين جناح قائده المؤسس ميشال عفلق والجناح العسكري، ساند صدام حسين ميشال عفلق وتبنى أطروحاته. وهو ما دفع بعفلق إلى “تبني” صدام حسين ودمجه في المراتب القيادية للحزب. ومن هناك بدأ “تسلقه” السريع في قيادة الحزب .
ويشهد التاريخ لصدام أنه بقي وفيا لميشال عفلق طيلة حياته، وقد حمل نعشه سنة 1989 حينما توفي وذرف عليه بعض الدموع.
يروي حسن العلوي رواية تبين مدى ارتباط صدام بميشال، يقول:
“سألت صدام حسين… لماذا لا تكون أنت أمينا عاما للحزب بدلا من ميشال عفلق؟
فأجاب… لا تكن كالسوريين الذين تنكروا له، ولا كالرفاق الذين عرضوا رغبة مماثلة.
قلت: أفضل ما فعله السوريون أنهم تخلصوا منه.
قال: لكن علي صالح السعدي (يقصد الأمين القطري للحزب في العراق عام 1963) فعلها قبل السوريين وسقط.
قلت: الأمر معك مختلف.
قال: بقدر احترامنا للقيادة التاريخية سنكون في وضع أفضل لمواجهة السوريين.
… إن خط ميشال عفلق انتصر كالعادة! وقوة صدام حسين في القيادة مستمدة من ولائه التام لميشال عفلق …
“لقد كان يرتقي سلم القيادة سريعاً في حزب البعث. وحين عاد إلى العراق العام 1963 بعد استيلاء البعث على السلطة، انتخب عضواً في مجلس القيادة، وعيّنه مؤسس الحزب ميشال عفلق، الذي كان معجباً به، خليفة له” .

لم تكن رحلة صدام السياسية منحصرة في النجاحات فقط فقد عرف الفشل أيضا.
لقد عاش صدام حسين انكسارا كبيرا أثناء صعوده في قيادة الحزب، حيث سجن في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 1964 إلى أن هرب من سجنه سنة 1966. وذلك بعد أن أقصى الجناح القومي بقيادة الأخوين عبد السلام عارف وعبد الرحمان عارف (والمقرب من جمال عبد الناصر) شركاءه البعثيين في ثورة 1963 ضد قاسم من الحكم. كما سجن قياداتهم وشردها.
فكر صدام حسين طويلا في هذه النكبة التي حلت بالحزب وجعلته خارج السلطة بعد أن كان في قلبها. واقتنع بعد تفكيره أن “ثورة 1963” قد استولت عليها “أرستقراطية عسكرية يمينية” متحالفة مع بعثيين مرتدين… وقد حان الوقت لوضع حدا لانقسامات الحزب الداخلية وصراعات أجنحته وأفراده التي لا تنتهي. فكان اعتقاده جازما بأن وحدة الحزب ضرورية للوصول إلى السلطة والمحافظة عليها وعدم تضييعها مثلما حدث سنة 1963. ولتحدث هذه الوحدة وليحدث هذا الانضباط لا بد من القيام بتطهير حزبي حتى ولو تم عبر إسالة الدماء واستخدام العنف في أقصى مداه من أجل المحافظة على وحدة الحزب وانسجامه. وتوصل إلى قرار بوجوب إنشاء جهاز أمني للحزب يكون بمثابة قوة أمنية ضاربة تتكون من خلايا حزبية ذات ولاء مطلق له، ولا يحاسبها أحد عن أفعالها غير صدام حسين نفسه. فهي فوق الحزب تراقب كل أعضائه وتتدخل في أجهزته ولا تطيع إلا قائدها صدام .
ومنذ فراره من سجنه، بدأ صدام حسين عمليا وبدون إضاعة كثير من الوقت في تكوين هذا الجهاز وسماه “الجهاز الحُنين” وكان قاسيا في تصفية خصومه السياسيين جسديا من داخل الحزب أو من خارجه. واشتهر منذ تكوينه هذا الجهاز بمهندس الرعب والخوف داخل الحزب وخارجه .

مرحلة ثورة البعث 1968

برزت تأثيرات خير الله طلفاح كثيرا على مسار الشاب صدام. ولعل أحد العلامات البارزة في مساعدة الخال لابن الأخت وفتحه أبواب السلطة له جاءت من علاقة قديمة ربطت وتربط خير الله بضابط آخر لم يطرد من الخدمة العسكرية اسمه أحمد حسن البكر. لقد كان خير الله يلتقي باستمرار بضباط تكريتيين لم يطردوا من الجيش ولم يلقوا مصيره. وكان البكر على رأسهم. وهو على عكس خير الله كان يعمل بالتدريس ثم التحق بالجيش، في حين أن طلفاح عمل في الجيش ثم طُرد والتحق بالتدريس. وكانت بين الرجلين علاقة قرابة دموية حيث يُعتبر البكر ابن خالة خير الله وقد نجا من عمليات التطهير التي تعرض لها الجيش سنة 1941. كما شارك في ثورة 1958 إلى جانب عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف. ونجح في انقلاب حزب البعث سنة 1968 في أن يصبح رئيس الدولة. وقد أثر فيه خير الله كثيرا حينما عدد له خصال الشاب صدام وإمكانياته في مساعدته في الحكم وأقنعه بضرورة تبنيه وجعله ساعده الأيمن. وأعطاه منصب نائب رئيس الدولة… وحسب أحد الشهود فإن خير الله قال صراحة لأحمد حسن البكر : دعك من الأيديولوجيين ومن المناضلين السياسيين، واختر مساعدا لك شابا من أهلك وعشيرتك، فالدم أكثر أهمية من الأيديولوجيا .
كما قال صدام ذات يوم للبكر: “إعطني السلطة اللازمة وسأعطيك حزبا قادرا على حكم العراق” .
ويورد ضابط سابق شهادته في دور خيرالله طلفاح في إقناع البكر بـ”تبني” صدام حيث كان يقول له باستمرار: “إنك واحد من القادة القليلين الذين حالفهم الكثير من الحظ لينجحوا. استفد من ذلك. صدام ابنك. يمكنك الاعتماد عليه. إنك تحتاج لحماية العائلة، لا لحماية الجيش أو الحزب. في هذا البلد تغير الجيوش والأحزاب باستمرار قادتها” .
وكانت لعلاقات النسب والمصاهرة دور أساسي في هذه العلاقة التي ربطت صدام بالبكر. فزوجة صدام حسين “ساجدة” كانت السبب الرئيسي في تمتين هذه العلاقة. حيث تمكنت من إقناع ابن الجنرال البكر بالزواج من أختها. ثم تمكنت أيضا من ترتيب زواج بنتين من أبناء البكر من شقيقيها. وبهذه الطريقة التأم شمل العائلة عن طريق القرابة الدموية من جهة وعن طريق المصاهرة من جهة أخرى. وبعد مدة وجيزة نجح أحمد حسن البكر في أن يصبح سكريتيرا عاما لحزب البعث، كما نجح صهره وابن خاله صدام في أن يكون نائب سكرتير الحزب .

في 30 يوليو (تموز) 1968 سيصل حزب البعث مرة أخرى إلى الحكم، ولكن في هذه المرة سيحتفظ به وسيمارس السلطة بدون منازع. وأصبح أحمد حسن البكر يشغل المواقع التالية: فهو رئيس الجمهورية العراقية، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو رئيس مجلس قيادة الثورة وهو الأمين العام للحزب. وفي المقابل فإن صدام حسين تولى منصب نائب رئيس مجلس قيادة الثورة مكلفا بالأمن. وكان هذا المنصب لوحده كافيا ليستولي تدريجيا على كل شيئ وليصبح قائد العراق الأوحد وبدون منازع. وكانت خطته تعتمد على الصبر والتدرج إلى أن تحين اللحظة المناسبة لإزالة الرجل الذي كان عليه فضل كبير حتى يصل إلى ما وصل إليه.
كانت خطة صدام بسيطة ولكنها ناجعة. فقد بدأ يعمل منذ اليوم الأول لثورة 1968 على تنمية سلطاته الأمنية الكبيرة لتصبح سلطات مطلقة تصل إلى أي مكان في العراق كما تصل إلى أي مسؤول مهما بلغ شأنه. وفي سبيل تحقيق هذه الغاية انتهج أسلوب تعيين أقربائه في المراكز الحساسة في الأجهزة الأمنية. عين إخوته : برزان، سبعاوي، ووثبان وعشرات من أبناء أخواله وخالاته مثل علي حسن المجيد الذي سيلعب لاحقا أدوارا مهمة في قمع الأكراد بالقنابل الكميائية وفي غزو الكويت .
يعلق حسن العلوي على استراتيجية صدام قائلا: “على مدى عام من استلام السلطة، اكتفى صدام حسين بالقليل الذي لا يرضي أعضاء عاديون. فلم تظهر عليه نوازع حب السلطة بل كان يدفع برفاقه إلى مسطحات الدولة فانغمسوا بالجنس والأضواء وهموم الإدارة وتعرف المجتمع خارج الحزب على أسماء الوزراء وكبار المسؤولين ولم يكن أحد يعرف إلا القليل عن صدام حسين هذا القابع في كوة المنظمة، والقانع بعمل حزبي بسيط. إنه فقط يوقع على بطاقات الهوية الحزبية التي تسمح لحاملها بحمل المسدس وأحيانا الكلاشينكوف!
وكان يختار في معتكفه حاشية بسيطة بطقوس أكثر بساطة… فقد توصل، هكذا فهموا، إلى توزيع ممتاز للمسؤوليات… فهم وزراء الدولة البارزون ملء العدسات والعيون وصدام حسين سيكون الكادر المتفرغ لشؤون الحزب التنظيمية ولعلهم استسلموا إلى أنه قد يسبق زميله عبد الخالق السامرائي في حياكته شبكته الأمنية وتزويدهم بمرافقين أشداء وحرس خاص يدرأون بهم عن مواقعهم ومساكنهم ونسائهم أي شر مبيت!
… وقد يكون من أسباب الرضا والاطمئنان أن صدام حسين العنيد المقتحم وزعيم الجناح التعرضي في الحزب، سيتكفل لهم بتصفية ناجحة وسريعة لرفاقهم السابقين الذين جنحوا إلى اليسار ساحبين معهم ثلاثة أرباع التنظيم” .
وتمكن صدام أيضا من إزاحة قادة الجيش وجنرالاته الواحد تلو الآخر.
“فحردان التكريتي، نائب رئيس الجمهورية، وصالح مهدي عماش، النائب الآخر، وحماد شهاب وزير الدفاع وسعدون غيدان حامل مفاتيح القصر الجمهوري السابق والتي سلمها لرجال الانقلاب ليلة 17 يوليو (تموز) 1968 فلعلهم سخروا من صدام… هذا الذي يوزع الهويات والمسدسات على القادمين إلى الحزب من مقاهي المحلات الشعبية!
كان ذلك شعورا طبيعيا، فحردان التكريتي كان قائد السلاح الجوي، وصالح مهدي عماش، ضابط متمرس في شؤون الاستخبارات العسكرية، وحماد شهاب قائد اللواء المدرع العاشر الذي قطع المسافة في ليلة الانقلاب ما بين مقره في الرمادي وبغداد (120 كلم) في أقل من ساعتين بهذه الحجوم المدججة بالسلاح الجوي والفيلق المدرع ما عساها تصنع مسدسات المنظمة (البعث)؟” .
لقد صفى صدام حسين جسديا وبطرق مختلفة الجنرالات:
– اللواء رشيد مصلح، الحاكم العسكري العام في انقلاب 14 رمضان 1963: إعدام شنقا،
– اللواء مدحت الحاج سري، أمين العاصمة: شنقا،
– الفريق حردان التكريتي، نائب رئيس الجمهورية: اغتيال،
– الفريق عبدالرزاق النايف، رئيس وزراء انقلاب 1968: اغتيال.
هنا اكتشف رفاق صدام خطأهم التاريخي، فقد أعدوه لدور شرطي الحزب بينما كان يعد نفسه لدور جنرال المنظمة” .