سقوط صدام حسين: الملفات السرية 8

الفصل الثاني

أقوى الجيوش العربية تحت قبضة صدام

الجيش العراقي من أفضل الجيوش العربية تدريبا وشجاعة ومقدرة على القتال. إن هزيمتيه في حربين أمام قوات التحالف كانت بسبب سياسة صدام حسين. وهذا الجيش من الممكن لو تشكل من جديد وعلى أسس ديموقراطية ووطنية أن يكون صمام الأمام الأمان للديموقراطية العراقية ولسيادة العراق. ونفس الجيش كتنظيم فشل ولكنه كمقاومة وبطولات متفرقة أثبت ضباطه وجنوده وطنية وبطولة كبيرتين.

صدام حسين والعسكرية
صدام حسين ليس عسكريا محترفا ولا حتى هاويا (!)، بل هو رجل الحزب الذي هيمن على الجيش. وهو أمر نادر في التاريخ المعاصر في الوطن العربي في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية وشهدت مجموعة انقلابات عسكرية / ثورات، غيرت من المشهد السياسي والاجتماعي لكثير من البلدان العربية. كان أبطال هذه الانقلابات وهذه التحولات ضباط من الجيش.
وسيكون صدام القيادي الوحيد تقريبا الذي وصل إلى السلطة دون أن يمر بالمؤسسة العسكرية مثل بقية القادة العرب : العقيد هواري بومدين في الجزائر، المشير عبد الله السلال في اليمن، العقيد معمر القذافي في ليبيا، اللواء حافظ الأسد في سوريا، وعلى رأس الجميع الباكباشي جمال عبد الناصر في مصر… جميعهم حكم بفضل الجيش ومن خلاله وفي بعض الأحيان باسمه. فقط صدام حسين وصل إلى السلطة من خلال قناة مدنية وهي الحزب. وهو ما دفعه لاحقا، سنة 1976، إلى أن يعطي لنفسه لقب لواء ركن، ليتحول إلى قائد أعلى للقوات المسلحة سنة 1979 وليقود بنفسه (!) الحرب العراقية الإيرانية وكل الحروب التي خاضها.
كما يظهر كثيرا بالزي العسكري الموشى بالأوسمة والنياشين ويشاهده العراقيون كثيرا في التلفزيون وهو يداعب مختلف أنواع الأسلحة وبخاصة البنادق والسيوف.

شخصية صدام حسين على النقيض تماما من شخصية الرئيس الراحل حافظ الأسد. فالأول مدني خاض حروبا كثيرة فاشلة، والثاني عسكري لكنه اقتصد في مسألة الحرب وجنب سوريا صراعات وربما هزائم عسكرية هي في غنى عنها. المدني المولع بالحروب والممجد لها ظاهرة متكررة عبر التاريخ. فأودلف هتلر في ألمانيا النازية أو موسيلني في إيطاليا الفاشية لم يكونا عسكريين بل كانا سياسيين مدنيين ولكنهما تسببا في أكبر حرب شهدتها البشرية في تاريخها. فالعسكري المحترف بطبعه يعرف معنى الحرب، يدرك مدى تكلفتها من الناحية المادية ومن الناحية البشرية. فالحرب بصفة عامة تعد خراب وهي آخر الحلول وليست أولها. وهي وسيلة وليست هدفا في حد ذاته. وهي تخضع لحسابات عقلانية وتعتمد على إدراك موازين القوى والتفاعل معها… هذا بالنسبة للعسكري المحترف أمثال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أو الرئيس الراحل حافظ الأسد… أما بالنسبة للسياسيين المدنيين المولعين بالحروب كصدام حسين، فإن الحرب قد تكون حالة انفعال عاطفي أو كثيرا ما تكون تضحية بالجنود وبالشعب في سبيل أمجاد شخصية وفي سبيل البحث عن كاريزما مفقودة.

… لكن كيف استطاع صدام إخضاع جيشا يُعد من أفضل الجيوش العربية تنظيما وكفاءة قتالية واحترافا عسكريا برز منذ تأسيسه في بدايات القرن العشرين. قصة صدام مع العسكر قصة طويلة تميزت فصولها بالريبة المتبادلة وبإخضاع الرئيس للمؤسسة العريقة بفضل استنجاده بالحزب من جهة وبفضل الأخطبوط الأمني الذي أنشأه وأصبح طلاسما للعراقيين أنفسهم عسكرا ومدنيين.

صعود الجيش وهبوطه
وللجيش العراقي مع الانقلابات قصة أيضا. فهذا الجيش دشن عهد الانقلابات لأول مرة في التاريخ العربي المعاصر. لقد سبق الجميع في محاولة العسكر الخروج من ثكناتهم وممارسة السياسة باستخدام أسلحتهم ودباباتهم. فأول محاولة انقلاب عسكري شهدها الوطن العربي في القرن العشرين تمت في العراق، تحديدا سنة 1936، وكان قائدها بكر صدقي أول ضابط عربي يخرج من ثكنته من أجل العمل السياسي. ثم تلاه راشد عالي الكيلاني سنة 1941 في محاولة انقلابه ضد القصر وضد الأنجليز وتقربا من دول المحور بقيادة ألمانيا النازية… وبعد فشل هذه المحاولة عمل النظام الملكي العراقي على ترتيب أوضاع المؤسسة العسكرية الداخلية بما يناسب استقراره وقام في سبيل ذلك بعمليات تطهير واسعة.
في سنة 1941، كان الجيش العراقي يتشكل من 1745 ضابطا ومن 44127 جنديا. أما في سنة 1943 فإن مئات الضباط قد تم اعتقالهم وإيداعهم السجن، أو إحالتهم على التقاعد، في حين أن عدد الجنود انخفض ليصل إلى 33000 جنديا.
وفي عقد الخمسينات، أي بعد حرب 1948، قام النظام الملكي بتحديث القوات المسلحة العراقية بشكل واسع. وفي الموازاة مع هذا التحديث كانت عمليات التطهير تتم بشكل ممنهج ودائم بسبب “التسيس الكبير” للضباط والجنود العراقيين. لكن عمليات مراقبة الجيش لم تمنع قسما منه بقيادة العقيد عبد الكريم قاسم والعقيد عبد السلام عارف من القيام بانقلاب / ثورة 1958.
وحتى بعد قيام الجمهورية وإزالة الملكية واستئصالها دمويا، فإن الجيش استمر مجالا خصبا للعمل السياسي وحبك المؤامرات والمؤامرات المضادة. ففي الفترة الممتدة من سنة 1958 إلى سنة 1968 حدث أكثر من عشرة انتفاضات ومحاولات انتفاضة، كما حدثت في نفس الفترة ثورتان مسلحتان، وحرب أهلية موجهة ضد الأكراد.
دور العسكر
وفي نفس الفترة الزمنية تحصل العسكر على نسبة تقدر بـ25 إلى 35 بالمائة من مجموع المناصب الوزارية و”تحتكر ما بين النصف إلى ثلثي مناصب القرار في القمة. فثلاثة رؤساء الجمهورية المتعاقبين (عبد الكريم قاسم، عبد السلام عارف، عبد الرحمان عارف) كانوا عسكريين. كذلك الأمر بالنسبة لكل رؤساء الوزارات باستثناء واحد، ولكل نواب الرئيس باستثناء واحد أيضا، إضافة إلى وزراء الداخلية ووزراء الدفاع، وكثير من وزراء الإعلام كانوا جميعا عسكريين .
ووصل الأمر بالضباط إلى شغل مناصب مدنية عديدة هم غير أكفاء لها. فأصبحوا مدراء مصانع، وموظفين كبار في الوزرارت… هؤلاء القياديين الجدد لا يمتلكون التجربة المدنية الكافية للنجاح في المواقع التي عُينوا فيها، كما لا يمتلك أغلبهم أي تجربة سياسية باستثناء بعض الضباط البعثيين وعلى رأسهم أحمد حسن البكر …
واستفاد الجيش من موقعه في السلطة فضاعف من ميزانيته خلال السنوات الممتدة من 1958 إلى 1966، في حين أن الميزانية المخصصة لمخططات التنمية لم ترتفع أو هي قد تراجعت. الأموال التي خصصها الجيش لنفسه لم تطوره حيث لم يثبت أي نجاعة مثلا في حرب 1967 …
لقد خرج العسكر من ثكناتهم إلى عالم لا يعرفون جيدا خباياه… لذلك ارتكبوا الكثير من الأخطاء. وكان البعث بالمرصاد للاستفادة من أخطائهم والانقضاض على الحكم سنة 1968 وإبعاد العسكريين من مواقع القرار وإحداث نوعا من المعجزة عندما هيمن الجناح المدني بقيادة صدام حسين على الجناح العسكري في الحزب.