سقوط صدام حسين: الملفات السرية 9

هيمنة صدام حسين على الجيش

“لكن النجاح الأكبر للمنظمة السرية يتمثل في قدرتها العجيبة على ابتلاع الجيش العراقي… وأن يستسلم المجتمع العسكري لقوة المنظمة، لقد أكلت الفأرة قطها السمين، هكذا المنظمة تأكل الجيش” .

أنشأ حزب البعث مبكرا منظمة شبه عسكرية تابعة له وسماها “الحرس القومي”. حيث برزت إلى الوجود منذ أواخر الخمسينات. وقادها لأول مرة عبد الكريم نصرت الذي تم اغتياله في العام 1963. وقد قامت هذه الوحدات العسكرية بأول مهمة حاسمة لها في تاريخها تمثلت في الانقلاب على عبد الكريم قاسم سنة 1963. لقد انطلق حوالي 2000 عنصر بعثي مسلح من حي الأعضمية لينقضوا على النظام. وقُتل في الأيام الثلاثة الأولى ما بين 1500 إلى 5000 قتيل. ولعب الحرس القومي دورا كبيرا في الهجوم على المدنيين الموالين لقاسم وبخاصة على الشيوعيين الذين كانوا المطلوب رقم واحد. حيث طاردوهم من حي إلى حي ومن منزل إلى منزل. وكانت لهم قوائم معدة مسبقة في الأشخاص المطلوب تصفيتهم جسديا. كما قاموا بتحويل قاعات السينما ونوادي الرياضة إلى معتقلات يُستجوب فيها المعتقلون ويُعذبون وفي كثير من الأحيان يُعدمون …
وتواصلت المطاردات البعثية لمدة تسعة أشهر، أي إلى حين تدخل الجيش في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 1963 مسنودا بالضباط البعثيين أيضا ليضع حدا لنشاطات القيادة السياسية المدنية للبعث ولأعمال العنف الدموي التي يرتكبها الحرس القومي . فالضباط البعثيون انقلبوا على الجناح المدني في حزبهم وانحازوا للجيش كعصبية ثانية موازية لعصبية الحزب.
كانت تجربة “مؤلمة” للقيادة السياسية المدنية للحزب في أن ترى جناحها العسكري يتخذ موقفا معاديا لها. واعتقدت أنها يجب أن تأخذ عبرة مما حدث، وأن تعمل على إيجاد أساليب ومناهج جديدة في علاقاتها مع المؤسسة العكسرية. وخططت، وصدام من بين من خططوا، لضرورة تفوق المدنيين على العسكريين ولضرورة مراقبتهم واحتوائهم وجعلهم تحت سلطتهم الدائمة وذلك بإنشاء أجهزة أمنية خاصة بالحزب من مهامها تأطير الجيش واختراقه وجعله تحت عيونهم الساهرة دوما.
وبعد نجاح البعثيين ووصلوهم إلى السلطة سنة 1968 أنشأوا مباشرة جهاز مخابرات جديد خاص بالحزب وهو عبارة عن ميليشيا حزبية وتتشكل نواته الأولى من أفراد “الجهاز الحنين” الذي أشرف صدام حسين شخصيا على انتقائهم ووضعهم في الأماكن المناسبة. ولكن يجب الانتباه إلى أن هذا الجهاز لم يقم بدور كبير في بداية عهد النظام الجديد حيث أوكلت مهام الأمن إلى البوليس السري .
إن نظام الميليشيا لم يستخدم كجيش، فقط سنة 1974 على إثر انشقاق كاظم كزار تم استخدامها بشكل واسع وبخاصة أن بعض الوحدات العسكرية التابعة للجيش أبدت ترددا في ولائها للحزب.
ميليشيا البعث
وفي نهاية السبعينات أصبحت ميليشيا البعث قوية ومنتشرة في كل مكان وتعددت مهامها فهي مثلا تنشر “القيم البعثية” لدى الشباب. وأصبحت بطاقة عضو الحزب التي لا تعطى من قبل إلا للرجال اللذين يتجاوزون 18 سنة تعطى لغير البعثيين منذ سنة 1975 وتعطى للنساء كذلك منذ 1976. ويأتوا هؤلاء الأعضاء الجدد من مختلف الشرائح المهنية والاجتماعية فهم عمال، وموظفين، وطلبة… ويقوم أعضاء الميليشيا بتدريبات سنوية تدوم شهرين. ويتم التدريب في مدارس هذا الجهاز وهو يتضمن تلقي دروسا ومحاضرات حول “اليقضة السياسية” و”الأيديولوجيا البعثية” وتدريب على استخدام السلاح. وقد انطلقت هذذه الميليشيا في بداياتها الأولى (في السبعينات) ببضعة آلاف عنصرا لتصل إلى 450 ألف مسجل سنة 1982 إبان الحرب الخليجية الأولى ضد إيران .

كانت مهمة الجيش في بداية السبعينات تتمثل أساسا في إخماد الصراعات الداخلية وبخاصة إخماد انتفاضة الأكراد والتي وصلت أوجهها في شهر مارس (أذار) 1974 وانتهت بانتصاره على قوات البرزاني بعد أن تخلى شاه إيران عن دعمه لها.
السنوات الأولى
“وفي السنوات الأولى شهد الوضع مساكنة صعبة بين الجناح المدني والجناح العسكري في الحزب قبل أن يتم التوصل الى عزل العسكريين في ثكنهم” . فالجيش تغير كثيرا منذ منصف السبعينات حيث أصبح ينفذ أوامر الحزب الذي يتحكم في مصيره بعد أن كان يحكم العراق في أواخر الخمسينات وفي الستينات. لقد هيمن حزب البعث على الجيش في مرحلة أولى ثم هيمن صدام على الحزب والجيش معا.
يقدم البعثي السابق والمنشق حسن العلوي برنامج صدام حسين في الهيمنة على الجيش في النقاط التالية:
1- تلغيم الجيش بإرسال ألوف الطلبة الفاشلين في الدراسة الثانوية لقبولهم في المدارس العسكرية، فتخرج هؤلاء برتبة نائب ضابط لكنهم سرعان ما تحولوا إلى ضباط ويشكل هؤلاء حاليا معظم قادة الجيش وضباطه الكبار، إذ مضى على بعضهم أكثر من عشرين عاما في الخدمة وهي مدة تؤهلهم لحمل رتبة جنرال. إن ولاء هؤلاء سيكون للحزب وليس للمؤسسة العسكرية.
2- شراء العسكريين الكبار بمنحهم القدم العسكري والمكافأت المالية وامتيازات أخرى كالسيارة والسكن!
3- الإعدام العلني للضباط، حيث يكلف جنودهم بتنفيذ الحكم في ساحة المعسكر.
4- استخدام العسكريين الحقيقيين الذين كانوا قد انتموا للحزب في سنوات سابقة لتفتيت القيم العسكرية.
5- إن جميع من أُشير إليهم في الفقرات السابقة سيقومون بمهمات استخبارية ضد زملائهم.
6- اعتبار الالتزام بالأمن الحزبي أولا ثم الأمر العسكري إذا كانت المنظمة قد وافقت عليه.
7- تشكيل ميليشيا عسكرية في مواجهة الجيش والتي تسمى بالجيش الشعبي.
8- تسريح الضباط القدماء باستمرار وإحلال آخرين من نشأوا في المنظمة السرية.
9- إخضاع الأعراف العسكرية إلى أعراف المنظمة السرية على ما بينهما من تناقض، فقد يكون العسكري برتبة جنرال لكن درجته الحزبية هي أقل من مرتبة ضابط صغير في وحدته العسكرية ومعنى هذا أن الجنرال سيتلقى أوامره من الضابط الصغير.
10- كان صدام يتعمد انتداب شخصية مدنية مهزوزة أو غير مهمة ليكون مسؤولا عن المكتب العسكري. كمحمد فاضل أبو الكبة، وعزت الدوري العامل القديم في مصنع الثلج أو أحد أقرباء الرئيس من نواب الضباط السابقين” .