سوسيولوجيا الجهاد والعنف في الجزائر: خطابا وممارسة 10 والأخيرة

آفاق العنف
نجح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في قانون الوئام المدني حيث اختار الشعب مشروعه بأغلبية ساحقة. لكن لا بد من ملاحظة أنه منذ بداية الحملة السياسية والإعلامية لصالح هذا القانون رصدنا ازدياد حدة العمليات العسكرية التي قامت بها الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر. توقيتها لفت أنظار الجميع لأنها وضعت حدا على الأرض للدعاية الإعلامية الصاخبة التي قامت بها السلطات الجزائرية وأرادت منها الإيحاء للمراقبين الأجانب أن الأزمة الجزائرية انتهت إلى الأبد. هذه السلسلة من العمليات المتصاعدة تحمل أكثر من مؤشر يمكنه تحليل طبيعة المرحلة.
منذ سنة 1997 تقريبا لم يطلق مقاتلو الجيش الإسلامي للإنقاذ رصاصة واحدة ضد قوات الجيش الجزائري، بل الأكثر من ذلك كثيرا ما كانوا ينسقون في عملياتهم ضد “الجيا” وكثيرا ما ينزلون من الجبال للقاء أقاربهم في المدن بعلم المخابرات الجزائرية وموافقتها وحمايتها…ورغم ذلك لم ينقطع العنف بل ازداد شراسة وتنوعا. ويبدو أن قانون الوئام المدني فصل ليكون مناسبا للجيش الإسلامي للإنقاذ وليس للجماعات المسلحة. بل على العكس ستزداد هذه الجماعة شراسة وستقاتل بشكل انتحاري لأنها لم يعد لها ما تخسره. فقانون الوئام المدني يستثني “من تلطخت أيديهم بالدماء”، أي الجماعات المسلحة. ومن ثمة لا يبدو أن العنف سيتقلص بل على العكس سيزداد بشكل واسع واستعراضي لأن للمعركة بعدها الإعلامي الذي يراهن عليه كل طرف. وهو مادفع بلويزة حنون زعيمة حزب العمال أو جبهة القوى الاشتراكية بقيادة آيت أحمد إلى المطالبة بتوسيع الحوار ليشمل الجماعات المسلحة. ولو قمنا برصد لكل العمليات العسكرية التى تمت في الجزائر لوجدنا أن أغلبها الساحق نفذ على أيدي “الجيا”. فمن الطبيعي أن لايتوقف العنف بل سيزداد لأن من يقوم به استثني من “قانون الوئام المدني”.
إن السؤال المطروح على السلط الجزائرية اليوم هو كم يلزمها من الوقت حتى تنهي ظاهرة الإسلام المعارض المسلح؟ يبدو من خلال الأحداث أن إجابة تقنية على هذا السؤال مسألة صعبة إن لم تكن مستحيلة. فما هي الأسباب التي جعلت من جيش قوي كالجيش الجزائري، يتمتع بإمكانات مادية وبشرية هائلة، يعجز عن القضاء على بضعة آلاف من المقاتلين غير المنظمين؟
لا بد من إيجاد تفسير تقني واجتماعي لهذا العجز.
إذا حاولنا تفسير هذا العجز من زاوية تقنية بحتة وليس من ناحية سياسية سوسيولوجية، فإنه يمكننا تقديم العامليين التاليين:
أولا: إن الجيش الوطني الشعبي الجزائري الذي بناه هواري بومدين تغيرت عقيدته العسكرية وتحولت من جيش مدرب على خوض حرب العصابات، حينما كانت مهمته تحرير البلاد، إلى جيش تقليدي ثقيل يقوم على العقيدة العسكرية الروسية. كما أن العدو العقيدي للجيش الجزائري تمثل دائما في الجيش الملكي المغربي حيث اشتبكا في حرب صغيرة سنة 1963 عرفت بحرب الرمال(La guerre de sable). واستمرت الاشتباكات الحدودية في أكثر من مرة، وتكثفت مع دعم الجيش الجزائري لجبهة البوليزاريو. إن قادة الجيش الجزائري لم يتوقعوا يوما أن يطلب منهم مقاتلة أشباح يفرون ويكرون ويختبئون في الجبال والغابات والأدغال الكثيفة متسلحين بسلاح خفيف. كان لابد للجيش الجزائري الكثير من الوقت حتى يتكيف مع حرب العصابات الجديدة ويعيد تدريب ضباطه وجنوده على أساليب هذه الحرب. والأكثر من ذلك خلق قيادة مشتركة تنسق بين مختلف الأسلحة وتعمل في سرعة فائقة حتى يمكنها تحقيق انتصارات على أرض الميدان. حدث تطور كبير منذ سنة 1995 في كافة هذه المجالات، ولم يعد الجيش يسقط بسهولة في كمائن الجماعة الإسلامية المسلحة، كما لم يعد بطيئ الحركة. كما درب جنوده وضباطه على هذه الحرب فحقق انتصارات كثيرة أهمها انتصاره في معركة عين دفلى سنة 1995.
ثانيا: يمكن تفسير عجز الجيش الجزائري أيضا بنظرية التضاريس. فالجزائر بلد شاسع ذو مساحة كبيرة جدا تصل إلى أكثر من مليونين وربع كلمتر مربع (تحديدا: 2.381.741 كلم2) وبالتالي، لا يمكن لقوى الأمن والجيش أن تراقب كل الحدود وكل شبر من أراضيها في الداخل. إن عدد أفراد قوات الأمن والجيش مشتركة يعد قليلا إذا ما قورن بالمساحة الهائلة لهذا البلد. لكن هذه الحجة لا تكفي لوحدها، لا بد من إضافة عائق آخر يواجه الجيش الجزائر وهو طبيعة الأرض التي يقاتل عليها. هذه الأرض تتميز بجبالها الكثيفة الوعرة التي تمتد في الشمال من الحدود التونسية شرقا إلى الحدود المغربية غربا. أما الجنوب الصحراوي الذي يمثل حوالي ثلثي مساحة البلاد فهو خال من أي نوع من المعارك. ومعروف أن الصحاري لا يمكن أن تقدم أي خدمة لمقاتلي حرب العصابات.
بقيت إذن أدغال وجبال الشمال الوعرة التى قدمت عونا حاسما للإسلام المسلح حتى يصمد طيلة هذا الوقت ويهدد الدولة التي خرج عليها من حين لآخر. إن أحراش الجزائر وجبال الأوراس والقبايل والغرب كلها مناطق مثالية لحرب العصابات. لقد عجزت فرنسا أثناء حرب التحرير عن إبادة ثوار جبهة التحرير الوطني الذين لم يتجاوزوا بضعة آلاف في الداخل سيئي التسليح رغم استخدامها لكافة قواتها الثقيلة، ولعدد ضخم من الضباط والجنود تجاوز نصف مليون، واستخدام كبير للطائرات وقصف مكثف ودائم بالنابالم. لم تقدر على القضاء على الثوار المختبئين في الجبال. هذه الجبال هي نفسها التي حمت الجماعة الإسلامية المسلحة ومقاتلي جيش الإنقاذ. إن نفس العامل يمكنه تفسير أسباب انتصار الثوار الفياتنامين ضد القوات الأمريكية، أو الأفغانيين تجاه الاحتلال السوفياتي…وفي المقابل يفسر نفس العامل عجز الحركات الإسلامية عن العمل المسلح في بعض البلدان العربية مثل تونس أو دول الخليج العربي، أو الأردن…
أما إذا تناولنا عجز السلطات من زاوية سياسية غير تقنية، فإن مجموعة من الملاحظات تفرض نفسها وتتقدم بدورها لتفسر هذا العجز.
إن أول ملاحظة تتمثل في وجود مساندة فعلية لبعض شرائح المجتمع الجزائري للعنف المسلح المضاد للدولة. لكن الواضح أيضا أن هذه المساندة في تناقص شديد منذ سنة 1995. ويعود سبب تناقصها إلى إدراك المساندين لحقيقة جديدة وهي استحالة انتصار العنف الإسلامي عسكريا على الدولة الجزائرية وبالتالي استيلائه على السلطة. وتكون النتيجة عادة أن ينقلب جزء كبير من هؤلاء المساندين على مواقفهم السابقة نحو الحياد أو حتى الانضمام إلى النظام القائم نفسه والمنتصر في المعركة. إن المعارك السياسية الكبرى كثيرا ما تتحول إلى حسابات ربح/خسارة لدى المناضلين فيغيرون مواقفهم تبعا لاتجاه مصالحهم.
إن أهم نتيجة من هذا التحليل تنحصر في وجود هذه المساندة سياسية (الانتخابات) أو حتى عسكرية (الدعم اللوجيستيكي) بشكل قوي وفعال بين سنوات 1989 و1995. لكنها بدأت في التراجع والتقلص الشديد لصالح السلط الحاكمة. من الممكن أيضا الاستنتاج أن الفئات الاجتماعية الأكثر حرمانا، الأكثر فقرا هي التي صمدت مع الإسلام المسلح وواضبت على تغذيته بالطاقة البشرية .
تفطنت السلطات الجزائرية إلى ضرورة قطع هذا الدعم وذلك من خلال تعبئة جماهير الفلاحين لصالحها حتى تراقب وتستعيد السيطرة على الريف بعد أن نجحت في السيطرة على المدن. فقامت بتنظيم “جماعات الدفاع الذاتي” و”الوطنيين” ليعملوا لحسابها في مواجهة الحركات الإسلامية المسلحة، وتجاوز عدد أفراد هذه الميليشيات 200 ألف عنصر، أي أن عددها يبلغ ضعف عدد أفراد الجيش الجزائري نفسه. وهي أيضا تفوق عدد مقاتلي الجيش وكافة قوى الأمن الجزائري مجتمعة. اتهمت المعارضة السياسية النظام الجزائري ب”خصخصة الحرب” لأنه أثبت عجزا على الميدان في مواجهة المعارضة المسلحة وبالتالي وضعت شرعيته محل تساؤل. فالعنف المسلح هو من احتكار الدولة على تعبير ماكس فيبر Max Weber.
يمكننا أن نستنتجج في الختام أن استخدام العنف المسلح من قبل الحركة الدينية فشل على الواقع وأدى إلى نتائج عكسية منها تكيف الجيش الجزائري مع حرب العصابات وتشتت الحركة الدينية نفسها وتمزقها إلى تنظيمات صغيرة والأكثر من ذلك فقدان الدعم الهائل الذي كانت تتلقاه من قبل فئة واسعة من الجماهير الجزائرية. فشلت عملية أسلمة المجتمع من القمة وإمكانية التحكم في أجهزة الدولة. وفي نفس الوقت يبدو أن الحرب الدائرة اليوم ستستمر لوقت طويل نظرا لعوامل جغرافية وبشرية وسياسية مساعدة. فالجبال والأدغال في الجزائر تتيح مثل هذه الحرب وتوفر إمكانية استمرارها كما أن الإسلام المسلح أثبت قدرته على الاستقطاب والتعبئة.

المصدر:الحوار المتمدن