سوسيولوجيا الجهاد والعنف في الجزائر: خطابا وممارسة 2

بروز التحالف الثوري

برزت الجبهة الإسلامية للإنقاذ فجأة على الساحة السياسية الجزائرية. لنقل أن حزبها ولد كبيرا فلم ينتظر عملية النمو الطبيعي, لم يستلزمه أكثر من بضعة أسابيع حتى يستعرض قواه على كامل تراب الجزائر, تتميز نشأته بالخصائص التالية: التعبئة الكثيفة، السرعة الفائقة في حشد الجماهير وعمليات استقطاب واسعة لم تحترم قواعد الفرز الطبقي أو الاجتماعي أو الإثني أو الجهوي أو الثقافي المتعارف عليه. جمعت الجميع ووحدت المتناقضات. يتناول هذ الفصل ظروف نشأة وتأسيس هذه الجبهة وسيتوقف عند تارخين هامين. هما أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988 وأحداث يناير 1992.
كما نهدف في هذا الفصل إلى إبراز ما تتميز به الحركة الإسلامية الجزائرية من شعبوية واختراق لكافة الطبقات والفئات الاجتماعية والاقتصادية، مع تركيز على ثلاثة فئات هي النخبة القائدة والطبقة المتوسطة، ومع تناول خاص لفئة التجار ودورهم في عمليات الدعم، كذلك المهمشين اجتماعيا وهم المجموعة الراغبة في الاستخدام المكثف للعنف. كما ننبه إلى ضرورة عدم تجاهل العامل الثقافي والدينامية الخاصة بالتنظيم كمحرك في عمليات التعبئة والحشد. أما فكريا، فإن الجبهة الإسلامية للإنقاذ ورغم ادعائها بتمثيليتها لكافة الشعب الجزائري، فإن تيارات عديدة تخترقها، لعل أهمها تيار السلفيين وتيار الجزأرة. أي الراديكاليين والمعتدلين. وسنتوصل إلى استنتاج مفاده أن الثقافة السياسية الجزائرية المكتسبة منذ أيام حرب التحرير تمنع ظهور الزعامات المشخصنة سواء تعلق الأمر بالنظام الحاكم أو بالمعارضة الإسلامية.
لنحلل طبيعة التكوين الاجتماعي للجبهة الإسلامية للإنقاذ ومميزات قيادتها وجب علينا التوقف عند تاريخين حاسمين. نعني أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988 وأحداث يناير/1992. هذان الحدثان شكلا منعطفا حدد لاحقا سيرورة تطور الأحداث ووصولها إلى ماهي عليه اليوم. فأكتوبر 1988 جسد أول قطيعة مع النظام السياسي الجزائري القديم. ذلك النظام الذي تميز طويلا بحكم الحزب الواحد ظاهريا وبهيمنة المؤسسة العسكرية في الواقع. أما يناير 1992 فحدث فيه توقيف الدور الثاني من مسار الانتخابات التشريعية وفرض استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد. مثل هذا التاريخ، إذن، ثاني قطيعة حادة تحدث في الحياة السياسية الجزائرية، سواء تعلق الأمر بالجبهة الإسلامية للإنقاذ أو بالسلطة العسكرية نفسها. انتهى التفاوض وحل محله الصراع القاتل. الجهاد بالنسبة إلى الحركة الدينية ومقاومة الإرهاب بالنسبة إلى الجيش الجزائري. سنتناول فيما بعد التكوين الاجتماعي للجبهة الإسلامية للإنقاذ مركزين على نخبتها القائدة، على طبقتها الوسيطة وطبقتها الدنيا. ونحلل بعد ذلك الاتجاهات الفكرية التى تخترقها ومسألة غياب زعيم كارزمي.

1- تأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ
تواجد “المشروع الإسلامي” في الجزائر منذ سنة 1930 حينما حاول عبد الحميد بن باديس نشر الفكر الديني والمحافظة على اللغة العربية والتربية الإسلامية في أوساط الشعب الجزائري, وكانت خطته، التى اعتمدها تنظيم “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”، تكمن في ضرورة تجنب العمل السياسي المباشر وعدم الصدام مع السلطات الاستعمارية الفرنسية . لقد عرفت الجزائر كبقية البلدان العربية والإسلامية نزعة دينية إصلاحية واكبت عملية تجديد ديني وبروز الحركة الوطنية . لقد عمل بن باديس وصحبه على مقاومة “التجنيس” و”الاندماج” والدفاع على اللغة العربية والدعوة إلى احترام تطبيق الشعائر الدينية. ذلك أنهم اعتقدوا أن مايجب فعله في الوقت الراهن يتمثل في “المحافظة على الوطن المسلم، فنحن في مرحلة حاسمة من الصراع من أجل الحياة” . فيما بعد ستؤكد إستراتيجية جبهة التحرير الوطني وسياستها هذا الخيار. ففي الحقيقة استخدم قادة حرب التحرير بشكل مكثف الدعم الهائل الذي قدمته لهم المشاعر الدينية المنتشرة لدى الجزائريين والتى ساعدتهم على إحداث قطيعة سريعة مع القوة الاستعمارية “الصليبية” و”الكافرة” . نجح الرئيس أحمد بن بلا سنة 1962، بمساعدة جيش هواري بومدين، في دخول الجزائر العاصمة ثم الاستلاء على السلطة وإبعاد خصومه. ابتدأ عهده بتطبيق ما سماه ب”الاشتراكية الإسلامية”. ولكن ذلك لم يمنع شق من “العلماء”، الذين انضموا إلى الثورة سنة 1956، من التنديد بشكل صريح بالنهج الاشتراكي . وفي نفس الفترة، أسست “جمعية القيم” وترأسها الهاشمي التيجاني. كانت تدعو إلى ضرورة تفضيل “القيم الإسلامية” على “القيم الاشتراكية” وعلى “القيم الوطنية الشعبوية” وتدعو إلى تطبيق حرفي للشريعة الإسلامية . ساند هذا التيار الانقلاب العسكري الذي قاده هواري بومدين في 19 حزيران/يونيو 1965 بهدف إزاحة تأثير الماركسيين وتعويضه بنفوذ الإسلاميين المحافظين. لكن سرعان ما وقع صدام بينهم وبين الرئيس الجديد الذي لم يتورع عن إعلان سياسته الاجتماعية وتبنيه الكامل للنهج الاشتراكي. حدثت قطيعة حادة بين الطرفين. يذكر مؤلفو “الجزائر من خلال إسلامييها” (L’Algérie par ses islamistes) : “في البداية، تصدى العلماء المنتمين للجيل الأول ، من خلال منابر المساجد، لسياسة بومدين الاشتراكية التى رأوا حسب زعمهم أنها تمس بالملكية الفردية التى حماها الإسلام وضمنها في شريعته. ومن ثمة حدث تحالف موضوعي واقعي بين ملاك الآراضي الكبار ورجال الدين : فأصبح هؤلاء ناطقين رسميين وإيديولوجيين باسم ضحايا “الثورة الزراعية”، وهؤلاء الأخرون قاموا بتمويل بناء بعض المساجد وأنشطة كثير من الجمعيات والرابطات الدينية المختلفة ذات الصفة الخيرية أو الثقافية” .

أما الإسلام العنيف فلم يبرز إلا مؤخرا منذ بداية الثمانينيات. حيث حدث أول عمل إسلامي مسلح في الجزائر سنة 1981 في عهد الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد . لقد قام مقاتل قديم يدعى مصطفي بويعلي بتشكيل تنظيم يتكون من 16 خلية من أجل القيام بعمليات مسلحة ضد النظام. قسم التراب الجزائري إلى 10 مناطق وبعد أن توفر له السلاح اللازم بدأ في إنجاز مخططه . فككت السلطات الجزائرية في 13 يناير /كانون الثاني تنظيمهم العسكري المسمى “الحركة الجزائرية الإسلامية المسلحة” واعتقلت عناصره وقتلت قائده مصطفى بويعلى. وفي المقابل نجد أن علي بن حاج ماانفك ينوه به وبأعماله. فهو “يجسد الانبهار الذي أحدثته المقاومة المسلحة لدى الشباب الجزائري في الماضي ضد المستعمر واليوم ضد أعداء الإسلام في الداخل” . في السنة الموالية، أي تحديدا في أكتوبر /تشرين الأول 1988، اندلعت أحداث جسيمة ستغير كلية من المشهد السياسي الجزائري التقليدي.

أ- أكتوبر/ تشرين الثاني 1988: القطيعة الكبرى
بعد دراسته المقارنة للعديد من الثورات في العالم، توصل المؤرخ الأمريكي شارلز تيلي Charles Tilly إلى مسلمة مفادها أن أحسن لحظة لإحداث “وضعية ثورية” قد تؤدي إلى “نتيجة ثورية” تجيئ مباشرة بعد هزيمة عسكرية لجيش الدولة التى يتم معارضتها. في الحالة الجزائرية، لم تقع هزيمة خارجية للجيش الجزائري، ولكن أحداث أكتوبر 1988 أحدثت مثل هذه “الوضعية الثورية”.

شكلت أحداث أكتوبر 1988 قطيعة نوعية مع طبيعة النظام الجزائري الذي قام منذ الاستقلال إلى هذا التاريخ. يرى الباحث الكندي بتر سان جان Peter St. John أن سبب اندلاعها يعود إلى ثلاثة عوامل. أولا: “الإصلاحات الاقتصادية المترددة التى قام بها الرئيس بن جديد” ، ثانيا: “تفاقم البطالة لدى الشباب” وثالثا: “خيبة الأمل في الوعود الاجتماعية والسياسية التى لم تتحقق” . من الواجب دعم هذا الرأي، حيث يوجد في الجزائر 75% من الشباب الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة، أغلبهم عاطل عن العمل. وزاد انهيار أسعار النفط في سنوات الثمانين في توتر الوضع الاجتماعي واحتداده. فالجزائر بلد نفطي يعيش على ريع مبيعاته من الغاز والبترول التى تصل نسبتها إلى أكثر من 90% من صادراته الإجمالية.
لقد حاول الرئيس الشاذلي بن جديد إعادة هيكلة الاقتصاد في الفترة الممتدة من 1980 إلى 1987. وفي يوليو/تموز 1987 بادر إلى تنفيذ سلسلة جديدة من الإصلاحات السياسية التى سمحت مثلا بإنشاء رابطة حقوق إنسان. وفي ديسمبر/كانون الأول سنة 1988 (مباشرة بعد أحداث 1988) تم انتخابه رئيسا للجمهورية لولاية ثالثة. وفي بداية 1989 قام بتنفيذ موجة ثالثة من الإصلاحات وأعلن عزم حكومته أن تجعل من الجزائر “دولة قانون”. وضعت هذه الإصلاحات الدستورية حدا للزواج الدائم بين جبهة التحرير الوطني، الحزب الحاكم، والدولة. كما وضعت حدا لتواجد ضباط الجيش في اللجنة المركزية لهذا الحزب الذين انسحبوا منها، فأصبحت بالتالي مهمة الجيش الدفاع عن حرمة الوطن لا ضمان تطبيق الاشتراكية كما هو الحال في الدستور السابق. وأبرزت نفس الإصلاحات إمكانية دقرطة البلد حتى وإن كانت محتشمة في البداية. وفي 23 فبراير 1989 وقع تبني دستور جديد بنسبة 92% من الأصوات المؤيدة. حيث تم حذف كل ما هو اشتراكي وإعلان التعددية السياسية. وفي يوم 5 يوليو/تموز حدد البرلمان معايير تشكيل الأحزاب السياسية. ولم يمض وقت قصير حتى تأسست عشرات الأحزاب .
استغلت الحركة الإسلامية الظروف السياسية الجديدة وقامت بمحاولة التنظم فشكلت حركة “الدعوة” التى ضمت في قيادتها كل من الشيوخ : أحمد سحنون، محفوظ نحناح، عباسي مدني، علي بن حاج…لكن الخلافات المتفاقمة بين هؤلاء القادة أدت إلى فشل هذا التجمع. فقرر الشيخان عباسي مدني وعلي بن حاج مستفيدين من دستور 1989، الذي يتيح في بنده رقم 40 حرية تشكيل جمعيات ذات صبغة سياسية، تأسيس تنظيم إسلامي جماهيري. لكن وقع رفض هذا القرار من أغلب قادة الرابطة.
شرح فيما بعد عباسي مدني ظروف نشأة الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وذكر أنها تشكلت من 50 شخصية مثلوا نواتها الأولى. فقد كون هؤلاء لجنة جمعت مختصين في كل الميادين بغاية تحرير ورقة عمل أولية تمثل برنامج الجبهة. تم في النهاية قبول هذا البرنامج من قبل مجلس استشاري تكون من 70 عضوا مثلوا مختلف ولايات الجمهورية. وعين، نفس المجلس، مكتبا تنفيذيا ترأسه عباسي مدني . وفي يوم 16 سبتمبر/أيلول 1989 تم الترخيص رسميا للجبهة الإسلامية للإنقاذ في العمل السياسي.
وقد انعقدت جمعيتها الوطنية، قبل الاعلان عن نتيجة الاستفتاء الذي غير الدستور وسمح بتواجد الأحزاب المعارضة، بخمسة أيام. جمعت هذه الجمعية مئات الأئمة الذين جاؤوا من مختلف مناطق البلاد. وكثيرا منهم ناضل في تنظيمات سرية قديمة، وبعضهم حكم عليه بالسجن أثناء حملة السلطات على الحركة الإسلامية في بداية الثمانينيات. كما سبق لبعضهم أن انضم أو تعاون مع الحركة الإسلامية المسلحة بقيادة مصطفى بويعلي .
اختلفت الجبهة الإسلامية للإنقاذ عن غيرها من التنظيمات الإسلامية، سواء كان الأمر مع “حماس” أو مع حركة “النهضة”، منذ تأسيسها. فهي لا تعتقد أنها تيار مثل بقية التيارات السياسية بل هي “الوريث الشرعي الوحيد للثورة الجزائرية” .
ويشرح عباسي مدني دلالت اسم جبهته فقال : “هي جبهة، لأنها تجابه، ولأن لها مجالا كبيرا في الأشطة وتنوعا في الميادين، إنها جبهة الشعب بكامل طبقاته وعلى امتداد كامل ترابه الشاسع. إنها منفتحة على تنوع الاتجاهات والأفكار اللاتى تحقق، عبر ثراء التنوع، وحدة منسجمة…وحدة المصالح، وحدة اتخاذ المواقف والاتفاق…إنها وحدة المصير المشترك.
“وهي إسلامية في تسميتها، لأنها ذات محتوى، ومنهج ووظيفة تارخية إسلامية. فالإسلام غاية نستمد من خلاله نموذج تغيير وإصلاح. وبه نحقق ذواتنا وأسباب التواصل لذواتنا. تلك الذات الأفضل بين الأمم” .
أما فيما يتعلق بتسمية “الإنقاذ”، فذلك بسبب “تمثيلها لوظيفة تتعدى السياسة، فهي إنقاذ للعقيدة، تلك التى تؤدي بنا إلى الطريق المستقيم وتمنعنا من ارتكاب المعاصي، وبسبب تمثيلها لوظيفة تاريخية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية وحضارية. إنه إنقاذ الكل من أجل الكل” .

نجحت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في أول انتخابات خاضتها في حزيران/يونيو 1990 نجاحا باهرا. لقد فازت بحوالي نصف عدد البلديات وحوالي ثلاثة أرباع الولايات. طالب علي بن حاج، على إثر هذا الانتصار، بضرورة أن يقدم رئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد استقالته وأن يعلن عن انتخابات رئاسية مبكرة. ومن ثمة لم تعد الجبهة تخفي طموحها الجارف في السيطرة على أجهزة الحكم والاستيلاء على السلطة.
تطورت الأحداث في وتيرة متسارعة ودخلت في منعرج خطير منذ نهاية شهر مايو/أيار 1991 عندما أعلنت الجبهة عن إضراب عام غير محدود. وقام أعضاؤها وأنصارها باحتلال الساحات العامة. فما كان من السلطة الجزائرية إلا أن ترد الفعل. فأعلنت حالة الطوارئ، وتدخل الجيش لإعادة الأمن وفرض النظام معتقلا الكثير من ناشطي الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بمن فيهم هرم القيادة، أي عباسي مدني وعلي بن حاج. ولكن هذه الأحداث لم تمنع الجبهة من أن تشارك في الانتخابات التشريعية القادمة، حيث تمكن تيار الجزأرة وعلى رأسه عبد القادر حشاني من دفع القواعد والإطارات الوسيطة إلى القبول بصناديق الاقتراع حكما للجولة القادمة. وحدثت المفاجأة ونجح “الفيس” في الدورة الأولى حيث فاز بمعظم المقاعد مما دفع بالجيش إلى التدخل.

ب- يناير /كانون الثاني 1992: القطيعة الثانية
حدثت القطيعة السياسية الثانية في يناير 1992، أي إثر قرار المؤسسة العسكرية التدخل مباشرة في إدارة البلاد. فقامت تزامنا بوقف الدورة الثانية من الانتخابات التشريعية وإجبار الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة بسبب ما قد يكون بدر منه من عزمه على مشاركة الإسلاميين في الحكم . ويبدو أن هذه القطيعة الفجئية الحادة هي التى تسببت في اندلاع العنف الدائر منذ تلك الأيام إلى حد اليوم. رغم أنه سبق، في حقيقة الأمر، أن تم رصد بذور العنف المسلح قبل حدث توقيف المسار الانتخابي. ذلك أن أول هجوم إسلامي انتحاري قام به أفراد ينتمون إلى الجبهة تم في يوم 30 من شهر نوفمبر/تشرين الثاني 1991 عندما تم ذبح ثلاثة من جنود الاحتياط بعد الهجوم على مركز حدودي في منطقة قمار على الحدود التونسية . لكن العمليات العسكرية شهدت تطورا مأساويا منذ يناير/كانون الثاني 1992.
بعد هذا التأطير التاريخي، انتقل الآن إلى التركيبة الاجتماعية للجبهة الإسلامية للإنقاذ.

المصدر:الحوار المتمدن