سوسيولوجيا الجهاد والعنف في الجزائر: خطابا وممارسة 4

– التركيبة الإيديولوجية
مبدئيا، من المفروض ألا نتحدث عن تيارات واختلافات إيديولوجية لدى حزب إسلامي يرفع شعار “الإسلام هو الحل”. فالجبهة الإسلامية للإنقاذ مثل غيرها من الأحزاب الإسلامية تريد أن تكون المعبر الوحيد عن الإسلام، تريد أن تكون عالميةUniversel تترجم إرادة “الأمة”. يقول عباسي مدني في هذه المسألة “الشعب هو نحن، ونحن هو الشعب، بما أن هذا الأخير لا يعترف إلا بالإسلام” . ولكن في حقيقة الأمر، يختلف الواقع عن المبدإ. إذ يمكننا القول أن تيارات كثيرة متنوعة، مختلفة ومتصارعة تخترق الجبهة الإسلامية للإنقاذ. سنقوم بتحليل التيارين الأكثر أهمية، أي تيار السلفيين وسنطلق عليهم صفة “الراديكاليين” وتيار الجزأرة وسنطلق عليه صفة “المعتدلين”.

أ‌- الراديكاليون
ينتعش التيار الراديكالي المتطرف عادة حينما تغلق السلطات باب التفاوض أمام التيار المعتدل. وهو ما يقدمه نموذج عالم السياسة السويسري هانزبتر كريزي Hanspeter Kriesi في قانون انغلاق النظام يؤدي إلى اشتداد المعارضة وتطرفها ولجوئها إلى العنف. يسانده في الرأي دومنيك فيزلار Dominique Wisler الذي يقول : “في سياق ردع شديد تقوم به السلطات، يلتجأ المعتدلون إلى الانسحاب من العمل الجماعي، بينما يلتزم الجناح الراديكالي السير في اتجاه كفاحي. ومن الممكن القول عندئذ أن الراديكاليين هم المستفيدون الأوائل من انغلاق النظام السياسي” . كما يبين المؤرخ وعالم الاجتماع الأمريكي شارلز تيلي Charles Tilly نفس الظاهرة في كتابه الشهير “من التعبئة إلى الثورة” (From Mobilization to Revolution) .
في الجزائر يتجسد التيار الراديكالي في السلفيين، ويمثلهم علي بن حاج أحسن تمثيل، فهو مرجعهم الفكري النظري، أي مبرر سلوكهم السياسي. يهدفون إلى العودة إلى السلف الصالح، ذلك الماضي البعيد الذي جسدته دولة الرسول (ص) في المدينة. فتلك الدولة هي المثلى حسب رأيهم. وهم يحتقرون مفهوم القومية، سواء كانت بمعنى عربي أو بمعنى وطني جزائري ضيق، ويفضلون عليها مفهومي “أمة المؤمنين” و”عالمية الإسلام”. يعد ابن تيمية وسيد قطب وأبو الأعلى المودودي مراجع هامة لديهم. فلا بد من الخروج من “جاهلية المجتمع” والعودة إليه بفتحه من جديد وتطهيره. يتخذون من هجرة الرسول (ص) من قريش وعودته إليها فاتحا مثالا لهم. فلا بد من فعل الجهاد حتى تستقيم الأمور ويعود المسلمون إلى صلاحهم. تعتقد الباحثة الفرنسية سيفرين لاباط Sévirine Labat “أنهم قطعوا كل الجسور التى كان من الممكن أن تربطهم بإرث الإصلاحيين الذين “يتهمونهم بالتوفيق مع الفكر الغربي والقيام بإحداث تغييرات لا يمكن السماح بها في المبادئ الإسلامية من أجل أن يكيفوها مع متطلبات العصر” . وهم ينادون بالجهاد ضد النظام الجزائري. يرفضون اللعبة الديموقراطية في مبادئهم حتى وأن قبلوها تكتيكا كوسيلة يصلون بها إلى السلطة حتى يؤسسون “الدولة الإسلامية”. يعد تنظيم “الجماعة الإسلامية المسلحة” الترجمة الوفية لهذه الأفكار في الميدان.

ب‌- المعتدلون
تطلق لاباط عليهم لقب “التقنوقراط” أو الإسلام التحديثي. وتعرفهم على أساس أنهم نخب “تنتسب في نفس الوقت إلى الشرعية “التقنوقراطية” والشرعية الدينية، وهم يعكسون انحطاط جزء من الطبقات المتوسطة المهمشة” . لقد دخلوا في الساحة السياسية منذ سنوات السبعين واتخذوا من المركبات الجامعية معقلا لدعوتهم . يتشكل أغلبهم تحديدا من تيار الجزأرة. هذا التيار يؤمن بضرورة أن يتكيف الإسلام مع الخصوصية الجزائرية المحلية. ويعادون كل عملية نقل أفقي نحو الجزائر لأفكار أو مشاريع دينية من الخارج، كتجربة الإخوان المسلمين المصرية أو العربية بشكل عام، أو الإسلام السعودي الوهابي، أو حتى التجربة الإيرانية. هدفهم أسلمة الجزائر من قبل الجزائريين أنفسهم. هم عادة مصلحون، يعودون إلى أفكار مالك بن نبي. يلتجؤون إلى تأويل القرآن بأسلوب تقدمي يمكنهم من مواكبة العصر. يمثلون كوادر الجبهة الإسلامية للإنقاذ. ويتمتعون بأصول علمية عالية، فأغلبهم مهندسون، ودكاترة في العلوم الصحيحة. هيمنوا على مؤتمر “باتنة” الذي تم في شهر يوليو/تموز 1991 وانعقد مباشرة بعد اعتقال عباسي مدني وعلي بن حاج. تمكنوا من إقناع رفاقهم لاحقا، بعد بضعة أشهر، بضرورة المشاركة في الانتخابات التشريعية التى ستجري في ديسمبر / كانون الأول 1991. وحينما أوقف المسار الانتخابي كانوا أول من تعرض إلى عمليات التوقيف بسبب كونهم إطارات علنية معروفة لدى الجميع بمن فيهم أجهزة الأمن. تمكن بعضهم من الفرار إلى أروبا، أو إلى كندا أو إلى الولايات المتحدة الأمريكية. تميزوا طيلة فترة نشاطهم في الجبهة بالسعي إلى التخفيف من حدة اندفاع التيار السلفي الراديكالي والتشبث بمفاهيم الحداثة وضرورة الربط بين الحركة الإسلامية المعاصرة وتاريخ الثورة الجزائرية. من أبرز ممثليهم نجد الراحل عبد القادر حشاني، ومحمد السعيد.

المصدر:الحوار المتمدن