سوسيولوجيا الجهاد والعنف في الجزائر: خطابا وممارسة 7

2- الجهاد كميراث من الثورة
يعد الجهاد إرثا من الثورة الجزائرية التى خاضت حرب تحرير أول نوفمبر. ويحاول الإسلاميون الاستيلاء على هذا الإرث وإعادة امتلاكه.
وحقيقة كان الإسلام ومفهوم الجهاد تحديدا محركا حاسما في الثورة الجزائرية. لكن مفهوم الجهاد، والمجاهد، وهو عنوان صحيفة الثورة، كانت مراجع وطنية وليست بمعنى الإسلام الديني السياسي المعاصر.
ومن الممكن التأكيد أن الهيمنة الإسلامية ـ بمعناها الشعبوي الوطني ـ على النخبة التي قادت جبهة التحرير الوطني، من سنة 1954 إلى اليوم تبدو مطلقة.
وتفسر هذه الهيمنة بالعودة إلى طبيعة الاستعمار الفرنسي من جهة وطبيعة الثورة الجزائرية من جهة اخرى.
فقد عملت السلطات الاستعمارية على محو الجانب العربي الإسلامي في الجزائر وتعويضه بثقافتها، فكان رد الفعل الشعبي في الاحتماء بالدين، منعا من الذوبان في الآخر.
وحينما اندلعت الثورة بقيادة جبهة التحرير الوطني، استغلت هذا الوضع لتعطي بعدا دينيا إسلاميا لحركتها، فكان المقاتل يطلق عليه لقب “المجاهد”، كذلك كان عنوان الصحيفة الرسمية للثورة. كما فرضت صيام رمضان على الجميع، ومنعت لعب القمار وشرب الخمر، والـزنا ، وأصدرت في ذلك عقوبات شـديدة تصل إلى حـد الإعدام وتواصل هذا الحماس للمشروع الإسلامي من قبل أغلب قادة الجبهة على امتداد الأربعين سنة، بل كثيرا ما كان موضع مزايدة من هذا ضد ذاك، ليبين كل واحد أنه أكثر “إسلامي” من الآخر. كما “استخدمه البعض كأداة يبرر بها سلطته” ، ذلك “أن الشعب الجزائري، كان شديد الارتباط بدينه الإسلامي، فهو لا يثق إلا في الذين يحترمون أو يعبرون أكثر عن عاداته الإسلامية العميقة” .
وكتبت صحيفة “المجاهد” في عددها الأول افتتاحية قالت فيها “لقد مثل الاسلام في الجزائر بدقة، آخر ملجئ لقيمها التي حاول الاستعمار القضاء عليها. فلم يكن غريبا إذن أن يساهم، بعدما امتزج بالوعي الوطني، في انتصار القضية الجزائرية العادلة” .
يقول عالم السياسة الجزائري سليمان الشيخ عن الجهاد أثناء الثورة “أنه يعد ببساطة بروز حيوي للدفاع الذاتي من أجل المحافظة أو تغطية تراث بالقيم العليا الضرورية للفرد في المجتمع. وهو أيضا الإرادة في التحسن باستمرار في جميع المجالات” . من جهته، يؤكد فرحات عباس، رئيس أول حكومة جزائرية مؤقتة، البعد الإسلامي للثورة، ودور الإسلام في عمليتي التعبئة والتحرير: “بدون الإسلام، ما كان للمسلمين أن يتحرروا من الاستعمار. إذا كان لأي كان شكوك في هذا الموضوع، فما عليه إلا دراسة الثورة الجزائرية، حيث لا يمكنه إلا الاقتناع أنها ثورة إسلامية، اندلعت باسم الإسلام، وانتصرت بفضله…” تشترك معه الباحثة الفرنسية مونيك غادان Monique Gadant التى أكدت على الدور المزدوج الذي لعبه الإسلام كأداة هجومية ضد المستعمر من جهة وأداة تقنين اجتماعي من جهة أخرى. تقول : “لعب الإسلام أثناء حرب التحرير في نفس الوقت دورا هجوميا ضد الاستعمار وأيضا معدلا للنظام الاجتماعي”.

ساهمت كل هذه العوامل في هيمنة الخطاب الاسلامي / الشعبوي/ الوطني على جبهة التحرير في كل مراحلها، سواء في الثورة مع جيش التحرير، أو في ممارسة السلطة مع بن بلا، أو بومدين، أو الشاذلي بن جديد الذي استغل هذا المعطى فعمل بقوة على إزاحة الاشتراكيين البومدينيين وحلفاؤهم الماركسيين الذين انضموا إلى الجبهة أثناء الثورة الزراعية والتأميمات الكبرى، وكان بديله هو الخطاب الديني حتى وصل الأمر في سنة 1984 إلى تبني المجلس الوطني (البرلمان)، وهـو متكون من 100% من نواب جبهة التحرير، قانونا حول الأسرة يعتمد كلية على الشريعة الإسلامية . وفيما بعد، انسحب 60 نائبا يمثلون جبهة التحرير، والتحقوا بالجبهة الإسلامية للانقاذ . كما أيد عبدالعزيز بلخادم رئيس المجلس الوطني، والقيادي في جبهة التحرير تحالفا بين الجبهتين . وعلى إثر تدخل الجيش، وإبعاده لبن جديد وجبهة التحرير، اقتربت هذه الأخيرة من الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ووحدتا مواقفهما في ندوة روما للمصالحة الوطنية، ثم في رفض جبهة التحرير المشاركة في الانتخابات الرئاسية …
كما يعتقد سليمان الشيخ أن الجهاد، ورغم شرعيته الدينية، هو في نهاية المطاف، عملية عنف. ونقصد بالعنف “نفيا راديكاليا للنظام القائم. فالثورة تبرز قبل كل شيئ عبر العنف. وهي، على عكس الإصلاحية، ترفض أي حل وسط” .
إن ثقافة الجهاد هذه التي تم الحصول عليها أثناء حرب التحرير أرادت أن تمتد عبر الزمن في مرحلة ما بعد الاستقلال ليتم من خلالها وبها تبرير العنف الديني القائم اليوم في الجزائر.

المصدر:الحوار المتمدن