سوسيولوجيا الجيش الجزائري ومخاطر التفكك 2

ب‌- مرحلة بن بلا
في يوم 4 أغسطس/آب 1962 دخل أحمد بن بلا منتصرا إلى العاصمة الجزائرية تحت حراسة قوات هيئة الأركان. ولم يتأخر كثيرا في تطبيق النموذج الاشتراكي في الجزائر معتمدا على مساعدة مصر الناصرية وبقية الدول الاشتراكية والشيوعية في العالم.
أصدرت الحكومة الجزائرية في شهر أكتوبر /تشرين الأول سنة 1962، وبتشجيع من قيادة الجيش، قرار يلغي كل الاتفاقات التى حدثت قبل الاستقلال ويشرع إنشاء لجان تصرف . يجب ملاحظة أنه قبل سنة 1962 امتلك 22 ألف أروبي 2.7 مليون هكتار من الأراضي الزراعية. أي أن المعدل بلغ 127 هكتار للمالك الواحد. في حين كان هناك 630 ألف مستغل جزائري يشتركون في 7 مليون هكتار، أي 12هكتار لكل عائلة، دون أن ندخل في الحسبان الفلاحين الذين لايمتلكون أصلا آراضي وعددهم كبير. إضافة إلى أن 75% من الآراضي السقوية والخصبة كان يمتلكها المستعمرون الأروبيون. و90% من هذه الآراضي امتلكها 6 آلاف مستوطن .
وكان اتجاه وزير الفلاحة أنئذ عمران أوزغان نحو تأسيس ضيعات كبرى تمتلكها الدولة على الطريقة السوفياتية أو الكوبية. وفي مارس / آذار 1963 دخل “التسيير الذاتي” حيز التنفيذ . إن هذا الانشغال الدائم بالفلاحين والفلاحة يعكس الانتماء العاطفي للقيادة العسكرية لهذه الطبقة. ورغم أن الفريق الحكم يشترك في نفس الأفكار الاشتراكة إلا أن الخلاف سرعان ما دب في صفوفه وعادت قضية صراع السياسيين مع العسكر إلى المواجهة مرة أخرى.

جبهة التحرير الوطني/ الجيش الشعبي الوطني: طبيعة العلاقة
يقول عالم السياسة الجزائري عبد القادر يفصح “عاشت الجزائر نظريا تحت نظام الحزب الواحد. ولكن عمليا، ورغم التغطيات المؤسساتية والإيديولوجية، فإن الجيش ظل العامل المحدد بل المصدر الأول لأمن النظام السياسي” .
وفي المقابل نجد كثيرا من القادة السياسيين التاريخيين للثورة قد احتجوا على سيطرة العسكر وهيمنتهم وأعلنوا رفضهم مبكرا. انتقد محمد بوضياف هذه الهيمنة وقال “إن الجيش الوطني الشعبي، المنغرس في كل الميادين، يتحول تدريجيا إلى جيش تقليدي منقطع كلية عن الجماهير وفارضا على ميزانية الدولة دفع مبالغا مالية ثقيلة، ثقيلة جدا بالنسبة إلى بلد نام يحتاج كثيرا من الادخار حتى لا يسقط تحت سيطرة الاستعمار الجديد..” .
لكن لا بد من التنبيه إلى مسلمة أنه في فترة الرئيس أحمد بن بلا الممتدة من 1962 إلى 1965، يمكننا الحديث عن نوع من تقاسم السلطة بين العسكر والمدنيين. فرئاسة الدولة التى يشغلها بن بلا كانت تمثل كابحا لسطوة النخبة العسكرية التى تقودها وزارة الدفاع ويدير هيمنتها زعيمها هواري بومدينن. كما تمتع حزب جبهة التحرير الوطني بهامش مقبول من الحركة والاستقلالية عن الجيش. لقد تعايشت الأطراف الثلاث لمدة ثلاث سنوات. واشتركوا في اختيار النهج الاشتراكي والعمل على تطبيقه. غير أنه سرعان ما تفكك هذا التعايش وصممت المؤسسة العسكرية على الاستيلاء على كل السلطات دون مشاركة أحد. وقامت في 19 حزيران/يونيو 1965 بانقلاب عسكري وضع حدا لحكم بن بلا وجعل من حزب جبهة التحرير الوطني “جسدا بدون روح” على حد وصف هواري بومدين.
واعتقد بعض المحللين أن انقلاب 19 حزيران / يونيو هو الانقلاب الثاني للجيش بعد انقلاب/تحالف مع بن بلا ضد الحكومة الجزائرية المؤقتة سنة 1962. ويذكرنا فراد ريغز في هذا الموضع بأنه “لا يجب علينا أن ننسى أن العسكر هم في الواقع بيروقراطيين”. ويضيف “تمنعنا الفكرة التقليدية القائلة بأن الجيش لا يمثل جزءا من البيروقرطية وأن الانقلابات العسكرية تدفع بالعسكر إلى السلطة، من إدراك حقيقة الأشياء. وهي معرفة أن كل الموظفين، سواء كانوا عسكرا أو مدنيين لديهم نفس المصالح كأعوان دولة، حيث يعتمد الأمن، والدخل، والمركز الاجتماعي على الحكومة. وفي الأزمات نجدهم مضطرون لدعم المجموعات القادرة على حماية هذه المصالح. إن “الحكومات العسكرية” التى يشكلها مجموعات الضباط تحتوى عادة على موظفين مدنيين سامين وتتمتع بدعم بأعداد كبيرة من أعوان الدولة” .

ت- مرحلة بومدين
أراد الجيش الجزائري الاستحواذ على كل السلطات، عزل الرئيس وسجنه، واحتواء حزب جبهة التحرير الوطني، فنجح في انقلاب 19 حزيران / يونيو 1965. لقد برزت تطلعات العسكر في الحكم منذ سنة 1962 حينما أعلنوا أن الاستقلال تم عبر كفاحهم وأنهم عازمون على بناء دولة عصرية. و”واصل الجيش غرس عقيدة تفوقه على الدولة والمجتمع لدى الضباط الشبان” .
لقد سبق أن اتسعت دائرة كبار ضباط الجيش التى تطالب بتدخلهم وعزل الرئيس أحمد بن بلا. أصبحت تضم إلى جانب مساعدي هواري بومدين المباشرين ضباطا آخرين مثل قائد هيئة الأركان، الطاهر زبيري، قائد المنطقة العسكرية الأولى سعيد عبيد، وضباط مثل أحمد دراية ومحمد صالحح يحياوي وآخرون أصبحوا أعضاء في مجلس الثورة . سيصبح انقلاب 19 حزيران / يونيو 1965 عاملا آخر هاما في عملية تأكيد “أسطورة” تفوق الجيش. إن ما تم نعته ب”التصحيح التاريخي للثورة” سيعطي للجيش موقعا مركزيا في النظام. وسيستحوذ مجلس الثورة المتكون من العسكر ، منذ هذا التاريخ فصاعدا، على كل السلطات . وكان أحمد بن بلا قد ارتكب خطأ فادحا حينما اعتقد أنه قادر عبر مؤسسة الحزب على الحد من سطوة العسكر. لقد قال مرة لبومدين “أقول لك يا أخي العزيز أنك لن تكون شيئا بدون الحزب. وستكون كل شيئ بهذا الحزب” . لكن فيما بعد علق بومدين على فترة بن بلا قائلا : “لم نتحالف معه، بل هو الذي تحالف معنا…بيننا وبينه لا يوجد إلا رابط واحد وهو برنامج طرابلس” . وستبين الأحداث القادمة عبر تاريخ الجزائر أن هيمنة المؤسسة العسكرية على المجتمع والدولة ستكون هيمنة مطلقة.
لقد مثل انقلاب 1965 آخر مرحلة للجيش حتى يستلم كل السلطات نهائيا في الجزائر. كان هواري بومدين هو القائد الكاريزمي لهذه المؤسسة ويحيط به مجموعة من الضباط الشباب المتميزين بانضباطهم ووفائهم وولائهم المطلق لزعيمهم. وعندما شكل بومدين مجلس الثورة ليحكم عبره البلاد رفع شعارا قال فيه “يجب أن تعود السلطة لأولائك القادرين على قيادة الرجال في المعركة” . وحتى يحقق أهدافه كان قد عمل منذ أيام حرب التحرير على تشكيل تكتل داخل الجيش سمي ب”كتلة وجدة” . ففي سنة 1956 كان بومدين قائدا للولاية الخامسة في الثورة، وعمل على انتداب شبابا صغارا معضمهم يدرس في معاهد ثانوية في مدينة وجدة المغربية. كانت تحركه في الأول فكرة أن جيش التحرير هو أيضا تنظيم وترابط دقيق يخضع إلى هرم إداري..مما يعني ضرورة انتداب مراقبين وضباطا يحسنون القراءة وكتابة التقارير. فقام بإعطاء مسؤوليات خطيرة لشباب صغيري السن، بعضهم مازال في سن المراهقة، وهم الذين سيصبحون مشهورين بعد الاستقلال وسيقودون الدولة الجزائرية الفتية. وستطلق عليهم الصحافة العالمية صفة “مجموعة وجدة”. يتشكل هذا التكتل من:
– قايد أحمد : مناضل قديم من الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري. ولا تربطه بالمجموعة إلا كونه مولودا بالغرب في مدينة تيارت سنة 1921.
– عبد العزيز بوتفليقة: ولد في مدينة تلمسان سنة 1937. كان شابا في سن الثامنة عشر عندما كلفه بومدين بقيادة كتائب الجند شبه الأميين الذين تصل أعمارهم إلى خمسين سنة.
– بلقاسم شريف: يكنى “جمال” ولد سنة 1933 بمدينة وجدة (25 سنة)، لكن عائلته من قسنطينة.
– أحمد مدغري: يكنى “سي حسين”، ولد سنة 1934 (24 سنة) في سعيدة .
– هواري بومدين: اسمه الحقيقي محمد بن إبراهيم بوخروبة. ولد في 23 أغسطس/آب 1923 في قرية صغير تسمى “غالمة” تقع في شرق الجزائر. يتميز عن أغلبية بقية القادة العسكريين والسياسيين بثقافته العربية، حيث درس في جامعة الزيتونة في تونس ثم في جامعة الأزهر في القاهرة. ويتميز أيضا بأصوله الفلاحية بفقر عائلته. عندما انضم إلى جيش التحرير الوطني ساعده عبد الحفيظ بوصوف على الارتقاء بسرعة. كما ساعده الأخضر بن طوبال وفرحات عباس رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة. ووصفه هذا الأخير في تلك الفترة قائلا: “إنه مسلم صادق، ووطني حقيقي، ويتميز خاصة بكونه يعمل كثيرا ويقدر على أن يستفيد أكثر ما يمكن من مساعديه” . وعندما وقعت ترقيته إلى قائد هيئة الأركان سنة 1960 وتحصل على صلاحيات اختيار مساعديه، قام بإنشاء فرق عسكرية منظمة ستكون النواة الأولى للجيش الوطني الشعبي في فترة الاستقلال. وقام بنشر هذه الوحدات الجديدة، المتكونة من 20 ألف مقاتل والمتمتعة بتسليح ثقيل، على كامل الحدود التونسية-الجزائرية. وسميت هذه الفرق “جيش الحدود” . وبعدما تحالف مع بن بلا ضد الحكومة المؤقتة حرص على أن يشغل منصب وزير الدفاع حتى يحكم قبضته على الجيش، المؤسسة الوحيدة المنظمة هرميا والمؤطرة بيروقراطيا القادرة على تسيير شؤون البلاد. كما حرص على إدارة التوازنات داخل القيادة العسكرية لمصلحته مما جعله بحق الرئيس الجزائري الوحيد منذ الاستقلال إلى اليوم الذي استطاع التحكم في هذه المؤسسة والسيطرة عليها. وقام في عهده باستبعاد تدريجي لضباط جيش التحرير الوطني واستبدالهم بضباط آخرين.

الاستبعاد المتكرر للقادة التاريخيين
قدم هواري بومدين نفسه كممثل حقيقي لطبقة الفلاحين الجزائريين، ولفئة الشباب الذين عادة ما يكونوا معربين ذوي تطلعات اشتراكية..وقام لأجل ذلك باستبعاد كل الضباط الذين لا يتفقون معه في الرأي. وقد حاول في هذه المرحلة أن يعطي للجيش صورة مؤسس الاشتراكية في الجزائر وحاميها الأول. ويمكننا أن نرصد في هذه الفترة أيضا بداية الاختفاء التدريجي للنخب السياسية أو العسكرية التي قادت الثورة لصالح قيادات الصف الثاني تارة، أو حتى لضباط تقنوقراط عملوا في صفوف الجيش الفرنسي تارة أخرى. ومن ثمة دخل الجيش في عملية تحول داخلي تدريجي بانفتاحه الكبير على فئة أصحاب الشهادات وما سمي ب”ضباط الجيش الفرنسي”. وتمت عملية الاستبعاد المتصاعد لضباط الثورة حيث علل ذلك بومدين بسبب يكمن في اعتقاده أن ضباط جيش التحرير الوطني لا يتمتعون بقدر كاف من التعليم الذي يخول لهم إدارة القواعد الجوية أو قيادة جيش تقليدي ثقيل يعتمد على الخبرات العلمية والتكنولوجية. فحرب التحرير كانت حرب عصابات، لا تستدعي إلا الإيمان بالكفاح وروح الشهادة. أما الحروب الحديثة فهي تعتمد على المستوى العلمي والتقني للجيوش. وبما أن أغلب ضباط جيش التحرير، خصوصا الجيل الأول منهم، لا يمتلكون مؤهلات علمية تسمح لهم بالاندماج في جيش حديث ثقيل يعتمد على المعدات العصرية فقد كان لا بد من استبعادهم وتعويضهم بضباط آخرين. وحتى يحدث هذا التغيير قام بانتداب كثيف لدى تلاميذ صغار وتوجيههم إلى “مدارس الثورة” التى تتبناهم منذ سنوات الابتدائي حتى التخرج والعمل في الجيش. كما أنشأ كليتين عسكريتين كبيرتين. تسمى الأولى أكاديمة الأسلحة في شرشال. والثانية في برج البحري. لكن أهم عمل قام به بومدين في تغيير المشهد التقليدي للمؤسسة العسكرية الجزائرية تجسد في ترقيته ل”ضباط الجيش الفرنسي” وإعطائهم مسؤوليات تزايدت مع الأيام.

“ضباط الجيش الفرنسي”
برزت مشكلة “ضباط الجيش الفرنسي” لأول مرة أثناء مؤتمر جبهة التحرير الوطني في 17 أبريل/نيسان 1964. حدث في هذا المؤتمر أن تعرض وزير الدفاع هواري بومدين إلى كثير من الانتقادات العنيفة. حيث وقعت مساءلته حول محافظته في الجيش على 200 ضابط جزائري جاؤوا من الجيش الفرنسي، وحيث أن بعضهم يعملون مساعدين مباشرين له، مثل مدير مكتبه العقيد شابو الذي سيصبح لاحقا سكرتيرا عاما لوزارة الدفاع ومن ثمة سيقود الجيش الوطني الشعبي..دافع بومدين عن نفسه وعن رفاقه في الساعة الثلاثة صباحا من يوم 20 أبريل قائلا : “إنني لا أرى فرقا بين موزع بريد، أو موظف أو ضابط. فقبل سنة 1954 كان الجميع يحتاج إلى عمل، ولست أدري لماذا يجب علي الآن أن أتخلى عن مساهمة الذين يتمتعون بكفاءة عسكرية في تدريب جنودنا”. وأضاف “المهم أن هؤلاء الضباط قرروا ذات يوم أن يقوموا بواجبهم”. وتساءل “هل تمتلك الجزائر إطارات حتى تتجاهل أولائك الذين يمتلكون الخبرة؟” . وأضاف بومدين “هل لدينا أكاديميات عسكرية تجعلنا لا نتلجئ إليهم؟”. وقام باستخدامهم كفنيين، ومديرين تقنيين في الجيش .
ورغم أن تشغيل هذه الفئة من الضباط لم ترق كثيرا لمقاتلي جيش التحرير الوطني فإن بومدين واصل إعطائهم وظائف تقنية في البداية مستبعدا إياهم من القيادات الميدانية أو من المسؤوليات السياسية الأمنية. لكن سرعان ما تغير الأمر تدريجيا حيث أصبحوا يشغلون مناصب أكثر حساسية مثل سليمان هوفمان، الضابط السابق الذي شارك في حرب الهند الصينية، قائدا للمدرعات، وعبد القادر شابو مسؤولا على الدعم اللوجيستيكي. وكلما تعالت صيحات الاحتجاج يجيب بومدن : “لقد ظلوا دائما تحت الأوامر، نحن نحتاجهم، وهم قاموا بواجبهم” .
نستعرض الآن ظروف بروز هذه النخبة وترسخها في المؤسسة العسكرية الجزائرية.
لقد انطلق الجيش منذ الاستقلال في عملية تحديث فرقه القتالية حتى يصبح أكثر انسجاما، أكثر انضباطا، أكثر هرمية وأكثر احترافا. وحتى تتحقق هذه الأهداف فتعاد هيكلة الجيش على أسس جديدة، قام بومدين بعمليات انتداب كثيف لدى “ضباط الجيش الفرنسي” وفي الآن نفسه قام باستثمار كبير في بناء الأكاديميات العسكرية لتخريج جيل جديد من الضباط: هم ضباط الجيل الجديد، جيل ما بعد الاستقلال. وفي الوقت نفسه، قام بإرسال إطارات عسكرية جزائرية للتدريب والتعلم في الأكاديميات السوفياتية والعربية (خاصة في القاهرة وبغداد). تمت كل هذه المحاولات في شكل متواز تم فيه إبعاد القادة التاريخيين لجيش التحرير الوطني عبر إعفائهم من وظائفهم القيادية وتوجيههم نحو مواقع سياسية، أو دبلوماسية، أو حتى أعمال تجارية. وكانت عملية تعويضهم التدريجي تحدث عبر ترقية “ضباط الجيش الفرنسي” وإعطائهم مناصب هامة. وحاول بومدين تبرير اختياراته عبر مقولة الضعف العلمي والتقني لضباط جيش التحرير حيث كان أغلبهم من الفلاحين أو العاملين البسطاء غير القادرين اليوم على إدارة جيش عصري مجهز بتجهيزات ثقيلة. فكان لا بد، حسب رأيه، من الالتجاء إلى “ضباط الجيش الفرنسي” لتأطير الجيش. لكن هذه الحجة تخفي في الواقع دافعا آخر متعمدا لدى بومدين. ففي الحقيقة سعى هواري بومدين إلى إبعاد القادة التاريخيين للجيش لأسباب سياسية في الدرجة الأولى, فهو كان يخشاهم لأنهم يمتلكون الشرعية الثورية التاريخية مثله، ومن ثمة يمكنهم مجادلته، أو حتى رفض أوامره والتمرد عليه لطبيعتهم المتمردة التى اكتسبوها من نضالهم الثوري أثناء حرب التحرير. وحتى يحكم قبضته كلية على الجيش كان عليه أن يستبعد مثل هؤلاء الضباط وتعويضهم بآخرين يتميزون بروح الانضباط، بالاحتراف، بعدم التسيس أو بوجود مطامح سياسية إضافة إلى وفائهم وولائهم لبومدين الذي دافع عنهم وأعاد إلهم الاعتبار أمام احتقار زملائهم الذين شاركوا في الثورة منذ بدايتها. احتاجهم واحتاجوه، وظن أن ولاءهم سيكون مطلقا وكان ظنه صحيحا إلى حين وفاته.
لقد اعتقد بومدين أن عدم “تسيس” هؤلاء الضباط يمثل بالنسبة إليه خصلة حميدة. فذلك سيبعدهم عن أية طموحات سياسية في القيادة وبالتالي منافسة زعامته، أو تهديد مؤسسة الرئاسة التي يقودها. إنهم لن يمثلوا خطرا عليه كما حدث مع العقيد طاهر زبيري، قائد أركان الجيش، الذي قام بمحاولة انقلاب عسكري فاشلة سنة 1967. كما اعتقد أن ولاءهم لحكمه الشخصي سيولد استقرارا سياسيا وأمنيا يمكنه من تنفيذ مشاريعه الاشتراكية الطموحة.
وفي المقابل قام بحمايتهم والتنويه بهم ودفعهم إلى المناصب العليا.

مجلس الثورة/الجيش: الهيمنة المطلقة
شكل هواري بومدين “مجلس ثورة” يتكون من 25 عضوا منهم 12 عقيدا في الجيش . وفي نفس الوقت قام الرئيس الجديد “بتحييد قادة المغاوير السابقين بأن زج بهم في أنشطة ومنافع تجارية وأشياءا أخرى” . أصبحت ممارسة السلطة منذ انقلاب 19 حزيران/يونيو 1965 محتكرة من قبل هذا المجلس الجديد فهو “صاحب السلطة السيادية” في الجزائر. وهو الذي يحدد، مؤقتا، السياسية الداخلية والخارجية للبلاد. ويحدد التوجهات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى. كما يشرف على حزب جبهة التحرير الوطني، ويمارس سلطات نواب المؤسسات المنتخبة التى نص عليها دستور 1963 أي مؤسسة الرئاسة والجمعية البرلمانية..وقام مجلس الثورة بتعيين أمانة تنفيذية لجبهة التحرير الوطني، لا تمتلك صلاحيات اتخاذ القرارات حيث يقف دورها عند تحضير أو تنفيذ قرارات مجلس الثورة .
لكن وحدة مجلس قيادة الثورة لم تستمر طويلا حيث بدأت الانشقاقات وعمليات التفكك التى كان محورها يدور عادة حول مدى شخصنة السلطة عند هواري بومدين. ففي سنة 1966 قام بشير بومعزة وأحمد محساس، وهما مدنيان داخل المجلس، باختيار المنفى في باريس ومن هناك نددا بالنظام القائم وقالا عنه أنه “مجرد شرذمة حاكمة دون أي دعم شعبي”. وبعد سنتين، وعلى إثر المحاولة الانقلابية الفاشلة التى قام بها قائد هيئة الأركان العقيد طاهر زبيري، تم استبعاد قادة الولايات السابقين من كل اجتماعات مجلس الثورة وهم: يوسف الخطيب (سي حسان)، ومحند ولد الحاج، وصالح بوبنيدر، وسي عثمان. وبعد عشر سنوات من الانقلاب لم يعد مجلس الثورة يحتوي إلا على 10 أعضاء نشطين . وأصبح عددهم في آخر سنة 1978 وقبل وفاة بومدين بزمن قصير 8 أعضاء. إن اختفاء بعضهم في ظروف غامضة طرح كثيرا من الأسئلة حول الدور الشخصي لبومدين والمخابرات العسكرية في اختفائهم. كتب الصحافي الفرنسي إيف كيان Yves Cuan متسائلا : “حدث كثير من حوادث السيارات، وسقطت بعض طائرات الهيلوكبتر، واختيار المنفى للبعض..هل كانت عملية انفجار طائرة الهيلوكبتر التى كان يستقلها العقيد شابو تخريبا متعمدا أم هي حادثا طبيعيا؟ هل أن موت أحمد مدغري (سي حسين)، وهو واحد من المقربين للرئيس بومدين، في غرفة الاستحمام كان انتحارا أم اغتيالا؟ نفس الشيئ لاختفاءات أخرى لرفاق بومدين لم يعلق عليها إلا ببضعة سطور في الصحف..” ثم يضيف نفس الصحافي مستنتجا “إن الجزائر المستقلة كما ولدت في السرية، ستظل مجتمعا سريا” .
يجب ملاحظة أن هذه الفترة شهدت أيضا فقدان جبهة التحرير الوطني لكل تأثير في الحياة السياسية. كتب المؤرخ الجزائري أحمد رواجعية معلقا في هذا السياق “منذ عزل الرئيس أحمد بن بلا في حزيران/يونيو 1965، وجدت جبهة التحرير الوطني نفسها، مرة أخرى، تخسر بريقها بشكل حاد. لقد قام العقيد بومدين الذي استحوذ على كل السلطات باستبعاده من المشاركة في اتخاذ كل القرارات السياسية الهامة. كما قام باحتقارها ووصفها بأنها “جسدا بدون روح”. وأصبحت من حزب طليعي فجر ثورة إلى مجرد جهاز أعطي لقايد أحمد ليديره..ورغم تهميشها فقد بقي حزب جبهة التحرير الوطني وسيلة بيد سلطة بومدين والعسكريين تستخدم لمصالهم” . ويشترك في نفس التحليل عالم السياسة الجزائري عبد القادر يفصح حينما يقول “لقد عاشت الجزائر في الفترة الممتدة بين سنة 1954 وحتى سنة 1989 نظريا تحت حكم الحزب الواحد، ولكن عمليا، ورغم التمويهات المؤسساتية والإيديولوجية، فإن الجيش كان العامل المحدد، بل المصدر الوحيد للسلطة السياسية” . وبعد الترسيخ النهائي للحكم العسكري في الجزائر سنة 1965 تمتعت “الثقافة العسكرية بموقع المهيمن. وأصبحت تعتبر في الآن نفسه إرثا وطنيا ومكسبا تاريخيا. أصبحت ثقافة مسيطرة تعتمد على ثلاثة مبادئ قائدة : التجمع، العدالة الاجتماعية والأمة” . وفي المقابل يجب أن نحرص على التنبيه إلى أن الجيش الجزائري في هذه الفترة مازال يتمتع بشرعية ثورية تاريخية، تلك الشرعية التي اكتسبها من حرب التحرير كما يتمتع بنوع من الإجماع النسبي لدى الشعب الجزائري الذي لا يمنع العسكر من ممارسة السلطة أو لعب أدوارا عسكرية. بل لقد التزم الجيش بتحديث البلد اقتصاديا وبتنمية مقدرات الأمة.

التزام الجيش الوطني الشعبي بمشاريع التنمية
منذ استلامه السلطة كرئيس للجمهورية الجزائرية بين العقيد هواري بومدين موقع المؤسسة العسكرية بالنسبة إلى الدولة والمجتمع وقال “إن السؤال الذي يطرح اليوم يتمثل في معرفة هل يمكننا أن نتحدث عن الاشتراكية ونتجاهل في الآن نفسه الجيش؟ (..) شخصيا، أنا مقتنع، واقتناعي يعتمد على تحليل موضوعي وتاريخي، أنه خطأ كبير التفكير في تطبيق الاشتراكية وتنفيذ الحلول وفي الآن نفسه نتجاهل القوات المسلحة” . ومن ثمة سيرتبط الجيش بكل مساعي التنمية الجزائرية من سنة 1967 إلى سنة 1978. وسينفذ العسكر المشاريع الاقتصادية الكبرى مثل تعمير الصحراء وإنشاء المساحات الخضراء. لقد شارك 10 آلاف جندي وضابط في هذه المشاريع . كما ساهم العسكر في الثورة الزراعية. وحسب الفلاحين، فالجيش هو الذي كان يسقي القرى الفلاحية . صرح بومدين مرة في هذا السياق “سنقوم بترقية كل الكوادر التي أثبتت مدى التزامها في كل مكان من البلاد. إن ما نطلبه اليوم من الكوادر هو الكفاءة، النزاهة، والالتزام بعملية تطبيق الاشتراكية” . يقول فؤاد الخوري بشكل عام في هذا السياق “..ويظهر أن استمرار التغييرات التي يحدثها العسكر في المجتمع لا يتوقف فقط على أهواء القادة إنما على تجاوب الجيش والشعب معهما. هذا يدل على أن الانقلاب الحدث، وإن بدأ بشلة من الضباط، فإنه قد يؤثر في تنظيم المجتمع وقواعده السياسية والاقتصادية العامة. قد يحدث الانقلاب تغييرات وتبدلات تاريخية يصعب الرجوع عنها فيما بعد” .

الاختيار الاشتراكي
لقد أكد بومدين الخيار الاشتراكي منذ 19 حزيران /يونيو 1965. لقد تأثر، مثله مثل رفاقه، بالظروف الدولية المحيطة والمتميزة بهيمنة الإيديولوجيا الاشتراكية على بقاع كثيرة من العالم. ويجب التأكييد أيضا على مدى مساعدة الدول الشيوعية والبلدان الاشتراكية بمن فيها مصر الناصرية للثورة الجزائرية. لقد شجع جميعهم الجزائر المستقلة على انتهاج النهج الاشتراكي. كما يمكننا إضافة عامل آخر يتمثل في انتماء الرئيس هواري بومدين إلى طبقة الفلاحين واعتزازه الدائم بهذا الانتماء دفعه إلى التشبث بالخيار الاشتراكي. أما العامل الثالث فيجسده انتصار الشق الاشتراكي في الثورة على الشق الليبيرالي منذ هزيمة الحكومة الجزائرية المؤقتة سنة 1962. شمل التطبيق الاشتراكي البومديني جانبين هامين في التنمية الاقتصادية. الأول يتعلق بالفلاحة وسمي بالثورة الزراعية. أما الثاني فيتعلق بالصناعة وسمي بالصناعة التصنيعية. واستفاد من تدفق الريع النفطي في الميدانين الاثنين.

الصناعة التصنيعية والثورة الزراعية
ارتكز المجهود الاقتصادي في العهد البومديني على تحقيق هدفين. الهدف الأول يسعى إلى تكثيف استغلال قطاع المحروقات والبحث عن أسواق جديدة. الهدف الثاني يسعى إلى تصنيع مكثف للبلاد. حيث تم وضع أسس الصناعة الثقيلة مستفيدين من مداخيل الريع النفطي ومساعدة الدول الاشتراكية. واتخذت في هذا الصدد سلسلة إجراءات بين سنتي 1966 وسنة 1971 مكنت الدولة من مراقبة أو الإشراف على الأنشطة البنكية ، الصناعية، وقطاع المعادن والمحروقات. وأعطت الدولة الشركات المؤممة إلى حوالي خمسين شركة وطنية، حيث برزت شركتا صوناتراك (الشركة الوطنية للمحروقات) وشركة S.N.S. (شركة المعادن) كإحدى أكبر الشركات التي أدارت الاقتصاد الجزائري .
إن محور عملية التصنيع الجزائرية اعتمد على المشروع الأساسي الذي سمي بالصناعة التصنيعية Industrie industrialisante وهو مشروع مستوحى من نظرية الاقتصادي الفرنسي دستان دو بارنيس Destane de Bernis. يعتقد هذا الأخير أن سرعة التصنيع تعتمد على إنشاء صناعات قادرة على زيادة انتاجية القطاعات الأخرى. وتتمثل هذه الصناعات في صناعات الحديد والصلب، في الصناعات الميكانيكية، في الصناعات الكيميائية، وفي الصناعات الإليكتروميكانيكية. وحتى تقوم هذه الصناعات بدور تصنيع البلاد، يجب عليها أن تكون قادرة على تأطير الاقتصاد والقيام بعملية التوسيع في اتجاه أنشطة أخرى مثل النشاط الفلاحي الصناعي أو النشاط الفلاحي، أو التجارة، أو مواد الاستهلاك أو مواد التجهيز والانتاج. وكان الهدف من هذا المشروع، الذي يمكن نعته بالمشروع التقنوقراطي، هو الاستخدام المكثف لآخر إنتاجات التقنية المتقدمة في العالم بهدف تصنيع سريع للجزائر وتحويلها إلى بلد مصدر للمنتوجات الصناعية .

أما على الصعيد الفلاحي، فقد أعلن بومدين “الثورة الزراعية” في ربيع سنة 1974. وستمس مباشرة قطاع ملاك الآراضي، حيث وقعت منذ بداية عمليات التأميم سلسلة من الاضطرابات المضادة “للثورة الزراعية” والتي انتشرت في كثير من أنحاء البلاد. وطرح بومدين على نفسه فكرة كيف يمكنه حماية “المكتسبات الاشتراكية”. وكانت الإجابة تمكن في أن الجيش هو الضامن الأول لتطبيق الاشتراكية في الجزائر حسب الدستور. وكان الغطاء المتبع هو استخدام أسلوب دولة التعبئة الجماهيرية The mass mobilization State التي اعتمدت اعتمادا كليا على البيروقراطية .

يجب ملاحظة أن النهج الاشتراكي للرئيس هواري بومدين قد استخدم الأساليب القمعية واعتمد على جهاز مخابراته الشهير المسمى ب”الأمن العسكري” (La Sécurité Militaire) أكثر من اعتماده على جماهير منظمة وواعية ومنتخبة ديموقراطيا. ورغم التزامه ب”طبقة الفلاحين” واعتباره المدافع الأول عنها فإن نظامه كان في الحقيقة نظاما يجمع بين سلطته الفردية وسلطة المؤسسة العسكرية التي قمعت كل من عارض مشاريعه “الاشتراكية” قمعا أمنيا مباشرا. لقد قام الأمن العسكري باختراق واسع لكل القطاعات الاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية في البلاد. وأنشأ لأجل ذلك مكاتب استخبارات ومراقبة داخل كل الشركات والمؤسسات في الجزائر. وكان أعوان الأمن المسؤولون عن هذه المكاتب يتمتعون بصلاحيات وسلطات واسعة. فهم يشاركون، مثلا، في مجالس الإدارة ، بل يشاركون حتى في المجالس العلمية في الجامعات .
كما يجب ملاحظة أن اشتراكية بومدين كانت اشتراكية “شعبوية” لم تعتمد على نظريات اشتراكية حقيقية وواضحة المعالم. وحتى الدستور الجزائري الذي نص على أن الجيش هو الضامن الرئيسي لتطبيق الاشتراكية، لم يجد صدى كبيرا في الواقع حيث لم يكن كل الضباط يؤمنون بالاشتراكية. إن الضامن الوحيد لاستمرار هذا النهج هو بومدين نفسه، وبضعة ضباط عقائديين منحدرين من جيش التحرير الوطني أو بعض ضباط جيل الاستقلال الشباب الذين دعموا هذا النهج. ولأجل هذه الأسباب لم يكن من الممكن استمرار هذا التناقض بين دستور اشتراكي وقيادة عسكرية في معظمها غير اشتراكية.

الجيش / الإيديولوجيا والثقافة
على الصعيد الإيديولوجي الثقافي، لم يتجاهل بومدين ثقافته الأصلية المتشبعة بالروح العربية الإسلامية. وكان إيمانه راسخا بأن إزالة هيمنة اللغة الفرنسية على الشعب الجزائري هو طريق الاستقلال الوطني الحقيقي، فقام بإعلان حملة تعريب واسعة مست كل الميادين، وكلف زميله في مجلس الثورة محمد صالح اليحياوي بتنفيذ حملة التعريب وأعطاه وزارة التريبة والتعليم.
واعتقد بومدين أن الدين الإسلامي مثله مثل اللغة العربية من المكونات الأساسية للشخصية الجزائرية وهويتها. وكان يلح أحيانا ويفرض أحيانا أخرى على إطارات الدولة استخدام اللغة العربية. وحققت العربية في ظرف 10 سنوات من حكمه نتائج باهرة .
في هذه الفترة، يمكننا وصف إيديولوجية الجيش الرسمية بكونها خليطا بين النزعة العربية الإسلامية من جهة والاشتراكية المحلية من جهة أخرى. سعت هذه الأيديولوجيا في إطار شعبوي إلى إحداث عملية تصالح بين تراث الماضي ومتطلبات الحداثة والمعاصرة. وكان من السهل الربط بين الأصول الاجتماعية للقائد هواري بومدين وترؤسه للجيش مع الخيارات الاشتراكية الكبرى التي اتخذت وطبقت في الجزائر. لكن المشكل الذي سيحدث في المستقبل يكمن في أن أغلبية ضباط الجيش لم تكن لهم علاقات حقيقية بالأيديولوجيا الاشتراكية، خاصة “ضباط الجيش الفرنسي” الذين حافظوا سرا على نزعة فرنكفونية لغويا وليبيرالية اقتصاديا. وحينما سيقوى نفوذهم في الجيش في عهد الشاذلي بن جديد ليصلوا إلى قمة القيادة، فإنهم سيشجعون عملية التخلي عن الإرث الاشتراكي البومديني.

المصدر:الحوار المتمدن