سوسيولوجيا الجيش الجزائري ومخاطر التفكك 4

2- مخاطر الخيانة أو التفكك
حدثت تغيرات عميقة في المؤسسة العسكرية هدفت إلى تصعيد الضباط الأكثر عداءا للحركة الإسلامية. حيث تمت ترقية اللواء محمد العماري، ليصبح قائدا لهيئة الأركان، واللواء محمد التواتي قائدا لجيش البر..وتمت في نفس الفترة إحالة مجموعة من الضباط الكبار على التقاعد وترقية بعض الضباط الشباب . لقد شكلت هذه المجموعة ما سماه البعض لاحقا ب”الاستئصاليين” الذين يرفضون محاولات الحوار مع الحزب المحظور. وفي مقابل هذه المجموعة، برز اتجاه ثاني رغب في الحوار وإجراء عملية مصالحة وطنية قاده خاصة اللواء اليمين زروال وزير الدفاع ورئيس الدولة بمعية مستشاره اللواء محمد بتشين، قائد الأمن العسكري سابقا، واللواء الطيب الدراجي..ومن ثمة برز على مستوى المؤسسة العسكرية ما يمكنه تسميته بثنائية أو مفارقة “وحدة / صراع”.

أ‌- الجيش الجزائري : المخاطر الداخلية
يجب توضيح أن أكبر انقسام حاد شهدته المؤسسة العسكرية الجزائرية طيلة السنوات السبع الأخيرة دار حول الموقف من الحوار مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ أو استئصالها. لقد بدأت المحاولات الأولى الحوارية منذ سنة 1993.

استئصاليون / محاورون
يقول الباحث الجزائري سعيد بولعراس أن “تورط الجيش في حرب طويلة ضد الإسلاميين المسلحين، تحمل في طياتها مخاطر بالغة تهدد وحدته” . حيث يوجد خطر الصراع بين السياسيين (الجيل القديم) والتقنيين (الجيل الشاب). كما توجد صراعات أخرى خفية في الجيش لا تعرفها الطبقة السياسية . كما أننا نوجد في موقف يصعب علينا فيه تحديد عدد الأجنحة وأعضائها ومواقفها الحقيقية بدقة. فالجيش الجزائري تميز تاريخيا بالسرية والكتمان اللذان طبعا نشأته من أيام الثورة إلى اليوم. ولكن من الممكن إبراز صراع بارز المعالم حدث بين الرئيس اليمين زروال من جهة وقائد هيئة الأركان اللواء محمد العماري من جهة أخرى. فالأول اعتبر من أنصار الحوار وإيجاد حل سياسي للأزمة متمتعا بسمعة الشرعية التاريخية التي اكتسبها من مشاركته في حرب التحرير الوطني. وازدادت شرعيته بنجاحه في الانتخابات الرئاسية التي جرت سنة 1995. أما الثاني، فإنه يعتمد على موقعه القوي كقائد لهيئة الأركان وكقائد أول للفرق المشتركة العملياتية المكلفة بمحاربة الإسلام المسلح. إضافة إلى مؤازرة “ضباط الجيش الفرنسي” له ويتحدث بعض المسؤولين الجزائريين السابقين عن دعم فرنسي مباشر له . إن تعدد الفاعلين السياسيين وتناقض رؤاهم عقد أكثر آلية التعامل مع الإسلام المسلح وهدد أكثر مركزية القرار الجزائري على مستوى رئاسة الدولة من ناحية وقيادة الجيش من ناحية ثانية. ويعتبر الباحث الجزائري سعيد بولعراس أن الرئيس زروال “يتردد بين أن ينتهج أسلوب إعادة تنظيم الشبكات والأجهزة المتناقضة فيما بينها أو أن يفضل تكوين شبكته الخاصة من خلال فريق عمل يتجاوز في الوقت نفسه أقسام إدارة الإرشاد والأمن (الأمن العسكري سابقا)، والدرك الوطني، والشرطة حتي يوسع من هامش مناوراته” . لقد تمحور أول انقسام حاد بين محاورين واستئصاليين بين رئاسة الدولة ووزير دفاعها من جهة وقيادة الأركان من جهة ثانية وهو ما هدد الوحدة التاريخية للمؤسسة العسكرية.
رغم أنه من الصعب عمليا تقسيم الأجنحة التي تخترق الجيش الجزائري تقسيما واضحا، بسبب السرية والكتمان المحيطان به وتموج هذه الصراعات وتغير التحالفات، فإنه من الممكن حصرها مبدئيا في محورين: الأول يمكن تسميته محور الرئيس اليمين زروال والثاني محور اللواء محمد العماري.

محاولات اليمين زروال
يعتقد عالم الاجتماع الجزائري لهواري عدي أن مكافحة الإرهاب الميدانية لا تندرج ضمن صلاحيات الرئيس اليمين زروال. كما يضيف أن الجيش “طلب من الرئيس القيام بعمليات التفاوض مع الإسلاميين لكن دون أي تجاوز للخطوط الحمراء التي وضعها له” . وقد انتشرت هذه الأطروحة لدى كثير من المثقفين الجزائريين والغربيين. لقد أكد مثلا الفرنسي برينو كاليس دو ساليس Bruno Callies de Salies على وجود صراع مفتوح بين أجنحة داخل الجيش حول إمكانية الوصول إلى اتفاق سياسي مع الإسلاميين. فمن جهة يوجد جناح يعتقد بضرورة استئصال نهائي للظاهرة الإسلامية وترسيخ دعائم دولة سلطوية. ويمثل اللواء محمد العماري هذا الجناح. ومن جهة ثانية يضع نفس الباحث اللواء اليمين زروال ووزيره المستشار محمد بتشين واللواء الطيب الدراجي في خانة الجناح المؤيد لحوار مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ وإيجاد حل سياسي للأزمة . كما يعتقد كاليس دو ساليس بوجود جناح ثالث يتزعمه قائد الأمن العسكري اللواء محمد مدين (سي توفيق)، حيث يسعى هذا الجناح إلى إدماج مقاتلي جيش الإنقاذ الذين التزموا هدنة مع النظام في الجيش الوطني الشعبي برتب مختلفة .
حاول الرئيس اليمين زروال تغيير موازين القوي لصالح جناحه. فمنذ وصوله إلى الرئاسة سنة 1994 عمل على إحداث التغييرات التالية:
– في 6 مايو / أيار 1994 حدثت تغييرات هامة في السلم الهرمي للمؤسسة العسكرية. تغير 5 قادة للنواحي العسكرية من أصل 6. وكانت هذه التغييرات لصالح الضباط الجزائريين الذين تكونوا في المدارس الجزائرية، أي جيل الاستقلال. كما أن معدل أعمارهم يتراوح بين 45 و50 سنة. يعلق سعيد بولعراس على هذه التحولات قائلا “لئن بدا ظاهريا أن هذه التغييرات جاءت نتيجة انتهاج إستراتيجية “تشبيب” الجيش، فإنها لا تخفي اعتبارات وحسابات سياسية. منها بحث زروال عن وسائل تساعده في سياسته الهادفة إلى تحقيق ملامح المرحلة الانتقالية” .
– في نفس السياق، أمضى 8 جنرالات متقاعدين (من قدماء جيش التحرير الوطني) إضافة إلى حوالي 40 من الضباط العاملين نداءا في أواخر شهر مارس / أذار 1995 موجها إلى الرئيس اليمين زروال يطالبونه فيه فتح حوار والقيام بعمليات تفاوض مع الحركات الإسلامية .
– وفي بداية شهر مايو / أيار 1996، أحيل اللواء خالد نزار (المسؤول الأول على عمليتي تنحية بن جديد ووقف المسار الانتخابي) على التقاعد رسميا حيث لم تعد له أية وظيفة في الجيش .
– وفي بداية شهر حزيران / يونيو أحيل 7 جنرالات على التقاعد وهم: محمد غنيم، السكرتير العام لوزارة الدفاع؛ عباس غزيل، القائد العام للدرك الوطني؛ عبد الرزاق تطواني، مدير الأمن الخارجي؛ عبد الحميد تاغيت، المفتش العام لوزارة الدفاع؛ محمد التواتي، قائد جيش البر؛ الطيب الدراجي، مستشار وزارة الدفاع .

فشلت محاولات زروال في السيطرة على المؤسسة العسكرية التي أجبرته على الاستقالة المبكرة بطريقة بارعة لم تحرك فيها الدبابات. حيث شنت حملة انتقادات عنيفة على مساعده الأيمن اللواء محمد بتشين ثم تقريبا كل مساعديه وفي بعض الأحيان مسته شخصيا. لقد قامت الصحف الفرنكفونية التابعة لهيئة الأركان وخاصة صحيفة “الوطن” طيلة صيف 1998 بتنظيم هذه الحملة المنهجية. استقال الرئيس اليمين زروال وجرت انتخابات رئاسية في 15 أبريل 1999 فاز فيها السيد عبد العزيز بوتفليقة.

صرا ع الأجيال
لا بد من التنبيه أن قيادة هذا الجيش تتميز بكونها قيادة جماعية (collegial commandment)لا تخضع لمزاج أو سلطة أي فرد. وهو اليوم جيش تخترقه ثلاثة أجيال مختلفة الأصول، متباينة التطلعات.
– الجيل الاول يمثله ضباط جيش التحرير، الذين يكاد وجودهم ينعدم بفعل الابعاد والتقاعد. يعد الرئيس السابق اليمين زروال أبرز هؤلاء الي جانب مساعده الجنرال محمد بتشين…
– الجيل الثاني يمثله ضباط “الجيش الفرنسي”، وهم الأكثر حماسا من أجل القضاء علي الاسلاميين عسكريا، لكنهم سيفقدون مواقعهم علي أقصي تقدير بعد خمس سنوات بفعل السن والتقاعد.
– الجيل الثالث يتكون من الضباط الشباب الذين لم يعتمدوا في ارتقائهم علي شرعية المشاركة في حرب التحرير، ولم يعملوا داخل الجيش الفرنسي، وانما أثبتوا جدارتهم من خلال كفاءتهم العلمية وعملهم الدؤوب، وتعلموا وتدربوا في الأكاديميات العسكرية الجزائرية .

” يعتبرالجيش الجزائري نفسه امتداد للثورة رغم أن قيادته الحالية تمثل الجيل الثاني. فالجيل القيادي الأول هو الذي أنجز الثورة ويتميز بأصوله الفلاحية، بتسيسه الكبير، بشرعيته الثورية كمحرر للبلاد ومؤسس دولة الجزائر الحديثة. يمثل الرئيس الراحل هواري بومدين هذا الجيل أحسن تمثيل، فهو الذي أوصله لرئاسة الدولة في انقلاب 19 حزيران (يونية) 1965. وهو الذي أزاح من تبقى من سياسيين كانوا يحكمون ظاهريا البلاد. بومدين، الرجل الوحيد الذي جمع بين السلطة السياسية والسلطة العسكرية في يد واحدة، قام تدريجيا بإزاحة رفاقه في السلاح وتعويضهم بفئة جديدة من الضباط هي ما يعرف اليوم ب”ضباط الجيش الفرنسي”. برر بومدين سياسته على أساس أن أغلب ضباط جيش التحرير الوطني كانوا من أشباه الأميين وفي أحسن الأحوال لم يكن في مقدورهم استيعاب التقنيات العسكرية الحديثة. فالعقيد الذي خاض أشرس الحروب في الجبال والمغاوير ضد القوات الاستعمارية الفرنسية منتهجا أسلوب حرب العصابات لا يمكنه الآن، مثلا، إدارة قاعدة جوية أو حرب إليكترونية في إطار جيش حديث تقليدي. كان لا بد من تعويض هؤلاء الضباط بآخرين. واستقر الأمر على اختيار الضباط الجزائريين الذين عملوا في الجيش الفرنسي والتحقوا بالثورة في آخر أيامها أو لم يلتحقوا بها أبدا. وأعلن بومدين أن دورهم لن يتجاوز المسائل التقنية أما القيادة السياسية للجيش فستبقى في أيدي من تبقى من ضباط الثورة. اختلف الأمر مع الشاذلي بن جديد، حيث أوكل لهم الكثير من المناصب القيادية التى خولت لهم التحكم في الجيش. والغريب في الأمر أن هؤلاء الضباط هم أنفسهم الذين انقلبوا عليه وأجبروه على الاستقالة. سوسيولوجيا، من الضروري التنبيه إلى أن التعيين المكثف لهؤلاء الضباط في المناصب القيادية بعد إزاحة ضباط الثورة يخفي في واقع الأمر دوافع أخرى لم يذكرها بومدين أو بن جديد. كلاهما هدف إلى البحث عن ضباط لا يتمتعون بالشرعية الثورية التي يمكنها أن تشجعهم على العصيان أو التمرد. حدث ذلك مثلا مع بومدين أثناء المحاولة الانقلابية لقائد أركان الجيش الطاهر زبيري سنة 67 أو المواجهات التي حدثت بين بن جديد و العقيد عبد الله بلهوشات أو قاصدي مرباح …اعتقد الرئيسان أن هذه الفئة الضعيفة من “الضباط” ستكون طاعتها عمياء وولاءها مطلقا واستعدادها لنتفيذ الأوامر بلا حدود، فهي التي ستخلصهم من النزعة التمردية أو حتى الجدالية التي تميز أسلافهم. مثل هؤلاء الضباط كل من الجنرال خالد نزار، العربي بلخير، محمد العماري، محمد التواتي، توفيق مدين…أدارت مجموعة الضباط هذه “الأزمة الجزائرية” منذ سنة 1992 إلى اليوم. لكنها مضطرة في كل الأحوال إلى ترك مواقعها للجيل الثالث.
بعد عزل الجيل الثوري وتعويضه بالجيل “الفرنسي” لأسباب تقنية في ظاهرها سياسية في باطنها، تجد المؤسسة العسكرية نفسها اليوم مضطرة للتخلص من هؤلاء الآخرين لأسباب تقنية أيضا تتلخص في السن. فالعمل العسكري وظيفة، وكل وظيفة محدودة بسن للتقاعد وللانسحاب لترك المكان للجيل الشاب. فالقيادة الحالية لا يمكنها أن تستمر لأكثر من خمس سنوات على أقصى تقدير. فهي مضطرة للانسحاب، وقد سبق ان انسحب منها، أو أخرجت من صفوفها على الأصح، بعض الضباط النافذين وكان على رأسهم اللواء خالد نزار، العربي بلخير، غنايزية، محمد التواتي، عباس غزيل…جميعهم خرج بسبب الإحالة على التقاعد .

الضباط الشبان
” تكون هذا الجيل عسكريا في أكاديميات شرشال والجزائر وقام بتربصات في القاهرة، بغداد، وموسكو ثم منذ الثمانينات في فرنسا. لم يشارك في الثورة، لأن ضباطه كانوا أطفالا حينما استقلت الجزائر. لا يعتمد في ارتقائه العسكري على شرف الشرعية الثورية ولا على شرف الأقدمية وإنما يعتمد على كفاءته المهنية ومدى استيعابه للعلوم العسكرية وتفوقه فيها. هو جيل رياضي، غير مسيس، فالسياسة لا تهمه كثيرا ويعتبر أن وظيفته تكمن في الدفاع عن البلاد. لم يتورط في فساد الثمانينات الذي مس كبار القادة الذين احتكروا امتيازات التوريد، مصدر الثراء السريع. هذا الجيل أرهقته الحرب الدائرة ولا يستبعد أن يكون وراء محاولات الحوار والمصالحة حيث من الممكن أن يكون ضغط على القيادة الحالية في هذا الاتجاه، خصوصا أن قيادة الجيش الجزائري قيادة أفقية غير هرمية يشارك في اتخاذ قراراتها مجموعة كبيرة من الضباط وصل عددها ،على سبيل المثال، إلى 180 ضابطا حينما قرروا إرغام الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد على الاستقالة” .

القيادة الجماعية للجيش Collegial Commandment
إن ما يميز أسلوب قيادة الجيش الجزائري هو القرار الجماعي. حيث يلتقي عادة الضباط الكبار، يتناقشون ويتخاصمون ويعرضون وجهات نظرهم المختلفة وينهون اجتماعاتهم بالتصويت على أن يلتزموا بما تم الاختيار عليه. لا يوجد ضابط واحد قاد الجيش الجزائري قيادة هرمية مطلقة. فهذا الجيش، لأسباب تاريخية، لم يتخلص بعد من القيادة الأفقية التى تحكم خياراته الكبرى. وهو ما يفسر غياب الانقلابات العسكرية. فقيادته غير منسجمة وتعكس توازنات جهوية، إثنية وثقافية والأهم من ذلك اختلاف وجهات النظر. خالد نزار(أصبح يطلق عليه في الجزائر لقب الجنرال المواطن أو الجنرال الصحفي) اعترف أخيرا في مقال له يرد فيه على بيان الرئيس اليمين زروال التحذيري بأنه لم يخرج من القيادة العسكرية بسبب المرض كما روج وإنما لأسباب سياسية سيرويها لاحقا حينما تسنح الفرصة. هذه حجة على أنه لم يكن قائد الجيش القوي كما اعتقد. نفس الشىء بالنسبة إلى قائد الأركان الحالي الجنرال محمد العماري الذي يبدو أن وجوده على القيادة يعكس التوازنات أكثر منه نفوذا حقيقيا علي الجيش. لا بد من فهم أن المؤسسة العسكرية الجزائرية مستقلة عن الأفراد. وقوتها تكمن في كونها المؤسسة التي أنشأت الدولة الجزائرية ووحدت مؤسساتها وضمنت بقاءها. هذه المؤسسة، مثلها مثل المجتمع نفسه، لا تقبل بزعيم مطلق يقودها بدون منازع” .
لكننا في المقابل من الممكن أن نتحدث عن هيمنة بعض الضباط على كامل المؤسسة. ما يمكن أن نسميهم بالجنرالات الأربعة. تكمن القوة الأساسية لهذا التحالف بين “الأربعة” في كونه يسيطر سيطرة كاملة على قيادة الجيش العملياتية.
أشهر هؤلاء الجنرالات على الإطلاق هو محمد مدين.

الجنرال محمد مدين
الجنرال محمد مدين وكنيته “سي توفيق” من عائلة قبايلية سكنت في الشرق الجزائري. لم يتخرج من وزارة الارتباطات والاتصالات والتسليح مثل معظم رفاقه الذي تولوا مسؤوليات في جهاز الأمن العسكري. إنه ينتمي إلى دفعة “السجاد الأحمر” التي أرسلتها الثورة إلى الاتحاد السوفياتي لتحصل على خبراتها في مدرسة الكا جي بي. تكوينه الاستخباراتي إذن هو تكوين على الطريقة السوفياتية البحتة. وهو ما سينعكس في أسلوبه في العمل.
عمل في بداية حياته العسكرية برتبة ملازم في الناحية العسكرية الثانية تحت قيادة العقيد الشاذلي بن جديد. عمله كضابط أمن عسكري كان هاما باعتباره يعمل على الحدود المغربية المتوترة دائما مع الجزائر. وهناك تعرف على ميل له برتبة رائد سرعان ما أصبح صديقه. لقد تعرف على العربي بلخير، قائد هيئة أركان الناحية العسكرية الثانية.
وعندما أوكلت قيادة الأمن العسكري لمحجوب لكحل عياط، لم يتلاطف معه هذا الأخير فأبعده عن الجهاز وأرسله كملحق عسكري في طرابلس سنة 1983. وعندما عاد إلى الجزائر كلف لبضع الوقت رئيسا للإدارة المركزية للهندسة العسكرية. سنة 1986 أصبح رئيسا لقسم الدفاع والأمن برئاسة الجمهورية. وفي نفس الوقت كان العربي بالخير يشغل موقع مدير ديوان الرئيس الشاذلي بن جديد. وعندما تم إنشاء الوكالة العسكرية للوقاية والأمن D.G.P.S.في شهر مايو / أيار 1987، أصبح فيها مديرا لأمن الجيش SA ، الشرطة السياسية للجيش الوطني الشعبي. وعندما تم حل هذه الأخيرة على إثر أحداث أكتوبر 1988، تم إنشاء جهاز جديد اسمه وكالة الاستخبارات والأمن DRS حيث عهد إليه بقيادته منذ ذلك التاريخ إلى اليوم.
بدأ نجمه في السطوع عمليا منذ إجبار الشاذلي بن جديد على الاستقالة في شهر يناير 1992 والصدام العنيف الذي حدث مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ. حيث أصبح رئيسا فعلا لأجهزة الأمن الداخلي، التجسس الخارجي، وأمن الجيش. سي توفيق لا يحب الظهور في الأماكن العامة وبخاصة في وسائل الإعلام المحلية أو الدولية التي لا تعرف حتى صورته. يحب تدخين السجار الكوبي الفاخر. يعد الرجل الأول الذي أدار الصراع داخل السلطة أو ضد الإسلاميين طيلة العقد الأخير. من بعض خصاله الوفاء. حيث حمى الشاذلي بن جديد بعد أن استقال ورغم أن أعداء الرئيس السابق الذين أرادوا تصفية حسابهم معه عندما سقط، كثيرون، فمحمد مدين لم يسمح بذلك. حتى الرئيس بوتفليقة الذي يكن ثأرا شخصيا لبن جديد الذي حرمه من الرئاسة ذات يوم. بوتفليقة هاجم بن جديد في البداية لكنه سرعان ما توقف والعارفون بأمور الجزائر يقولون أن محمد مدين أفهمه أن بن جديد في حمايته. كذلك لم يخدع مدني مزراق، قائد الجيش الإسلامي للإنقاذ حيث طبق الاتفاق الذي تم بينهما بحذافيره دون مراوغة. هو الرجل الأقوى اليوم في الجزائر. فقد تمكنت أجهزته من اختراق الجميع. الأحزاب المعارضة ووسائل الإعلام، وحتى الجماعات الإسلامية المسلحة. مساعده الأول اسماعيل العماري.

الجنرال اسماعيل العماري
ولد إسماعيل العماري بمنطقة “الحراش” في ضواحي الجزائر العاصمة. تدرب وعمل وارتقى في قسم العمليات داخل جهاز الأمن العسكري، ثم إدارة الاستخبارات والأمن الحالية. يرأس منذ سنة 1992 إدارة الأمن الداخلي DSI وهو مختص في إدارة الصراع مع الإسلاميين وفي عمليات مكافحة التجسس. أهم عمل قام به على الإطلاق يتمثل في اختراقه للجماعات الإسلامية المسلحة في الداخل والخارج ثم في إبرام اتفاق الهدنة مع مدني مزراق التي انتهت إلى حل تنظيم الجيش الإسلامي للإنقاذ. وهو يعد رجلا يجمع بين صفتي الاستخبارات والعمليات في الآن نفسه. كما تميز بعلاقاته المتطورة مع الاستخبارات الفرنسية حيث تربطه برئيسها الجنرال فيليب روندو علاقات خاصة. كما تولى إسماعيل العماري ملفات الجماعة الإسلامية المسلحة والإسلاميين المنفيين في أروبا.

الجنرال محمد العماري
هو قائد هيئة الأركان. إذ تقع تحت إمرته المباشرة فرق التدخل العسكري المشتركة المكلفة بمحاربة الإرهاب. يستفيد من عدة عوامل ساعدته على ترسيخ مواقعه وإحكامه القبضة على تطور الصراع. أصله من منطقة القبايل. يبلغ عمره حاليا حوالي 60 سنة. يعد من “ضباط الجيش الفرنسي” الذين عملوا قبل ثورة نوفمبر/تشرين الثاني 1954 في الجيش الفرنسي. ثم التحق بالجيش الوطني الشعبي الجزائري بعد الاستقلال. ارتقى بسرعة في السلم العسكري في عهد الشاذلي بن جديد. عمل قائدا للوحدات الخاصة قبل ترقيته ليصبح قائدا لهيئة الأركان. يتميز بمعاداته الشديدة للجبهة الإسلامية ومن يلف في دائرتها كما يتميز بحرصه الشديد على وحدة المؤسسة العسكرية. كتب في شهر أكتوبر/تشرين الأول 1997 مقالا في مجلة “الجيش” الجزائرية ينفي فيه بحدة “الإشاعات التي تدور حول انقسام الجيش” وأبدى رفضه الكامل للتصنيفات التي تميز بين الضباط فتقسمهم إلى “محاورين واستئصاليين، إسلاميين ولائكيين”. تكمن قوته في وجوده في هرم القيادة العسكرية العملياتية، أي تلك التي تتحكم في تحرك القوات اليومي. يعتبر شريف فضيل قائد الوحدات العاملة ضد الإرهاب ذراعه الأيمن. أما الجنرال محمد مدين، المكنى، بسي توفيق، وقائد إدارة الأمن والإرشاد ما كان يعرف سابقا بالأمن العسكري (Direction des Renseignements et de Sécurité) فيمثل بمفرده ومن خلال جهازه النافذ كتلة مستقلة بذاتها. تم إزاحته مؤخرا من قبل عبد العزيز بوتفليقة متحالفا مع الجنرال محمد مدين وترك مكانه للجنرال قايد أحمد صالح. وهو ما يعد أكبر تجول جذري شهدته المؤسسة العسكرية منذ اندلاع أزمة 1991. وهو ما يؤكد نظرية بدء الجيل الشاب في استيلام مقاليد الجيش.

الجنرال شريف فوضيل
إذا كان اسم إسماعيل العماري قد ارتبط باسم الجنرال توفيق، فإن اسم شريف فوضيل قد ارتبط عضويا باسم الجنرال محمد العماري. وهو اليوم يتولى منصبا جديدا : قائد الناحية العسكرية الأولى بعد أن كان رئيسا لدائرة الاستعمال والتحضير لأركان الجيش (الذراع الأيمن للواء محمد العماري)، حيث خلفه في موقعه السابق الجنرال محمد بعزيز. يعد واحد من مهندسي الهدنة مع مدني مزراق قائد الجيش الإسلامي للإنقاذ المنحل. حيث أبرم معه آخر اتفاق تم بموجبه تفكيك التنظيم.
نجح هؤلاء الجنرالات الأربعة في فرض مجموعة من التحويرات على المؤسسة العسكرية لصالح نفوذهم.

تغييرات في الجيش
عاشت المؤسسة العسكرية تغييرات كبيرة. في البداية يجب استبعاد فرضية أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هو الذي رغب في إحداث مثل هذه التغييرات، ورغم كونه قائدا عاما للقوات المسلحة الجزائرية، فإن اتفاقا ضمنيا غير معلن يبدو أنه قد حصل بينه وبين قيادة الأركان والأمن العسكري على أن لا يتدخل في توازنات الجيش الجزائري المعقدة وصراعاته الداخلية لتترك للقادة العسكريين أنفسهم في إطار آلية “الوحدة/الصراع” التي ميزت مؤسستهم. فهذه التغييرات تبدو للوهلة الأولى من صنع التحالف الذي انتصر على جناح الرئيس السابق اليمين زروال. فبعد استقالة الرئيس جاء دور تصفية الإرث. وهو ما برز في حدث التغييرات نفسه.
يتمثل الحدث في إحداث التغييرات التالية:
أولا، إبعاد القادة العسكريين الذين رقوا أو عينوا في عهد اليمين زروال، وعلى رأسهم اللواء الطيب الدراجي، قائد الدرك الوطني، واللواء رابح بوغابة، مسؤول الناحية العسكرية الأولى، واللواء شعبان غضبان قائد القوات البحرية..
ثانيا، إعادة الاعتبار للقادة العسكريين الذين أبعدهم زروال وتعيينهم في مناصب هامة. ويتعلق الأمر خاصة بتعيين اللواء سعيد باي في منصب قائد الناحية العسكرية الخامسة، بعد أن أبعده زروال من المؤسسة العسكرية في شهر سبتمبر /أيلول 1997 بسبب اتساع رقعة المجازر الإرهابية.
ثالثا، تقوية تحالف “قيادة الأركان/الأمن العسكري”، بفرض عناصرهم في المناصب الهامة، بعد استبعاد حلفاء الرئيس السابق اليمين زروال. فتم تعيين كل من اللواء أحسن طافر قائدا للناحية العسكرية الثالثة خلفا للواء زوبير غدايدية، واللواء سعيد باي قائدا للناحية العسكرية الخامسة خلفا للعميد علي جمعي، وتم تعيين اللواء براهم بلقردوح قائدا للناحية العسكرية السادسة خلفا للواء بلقاسم قادري، وتم تعيين العميد أحمد بوسطيلة قائدا للدرك الوطني خلفا للواء الطيب الدراجي، كما تم تعيين العميد ابراهيم دادسي قائدا للقوات البحرية خلفا للواء شعبان غضبان، والعميد علي جمعي قائدا للحرس الجمهوري خلفا للواء مخلوف ديب، والعميد محمد بعزيز رئيسا لدائرة الاستعمال والتحضير لأركان الجيش خلفا للواء شريف فضيل (الذراع الأيمن للواء محمد العماري) الذي تول منصبا جديدا وهو منصب قائد الناحية العسكرية الأولى، كما تم تعيين العميد عبد العزيز مجاهد رئيسا لأركان القوات البرية خلفا للواء أحسن طافر، والعميد محمد شيباني قائدا للأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال خلفا للعميد عبد العزيز مجاهد.
رابعا، تشبيب الجيش، أي إعطاء مناصب هامة لقادة عسكريين ينتمون إلى الجيل الثالث، أي جيل الشباب الذي تكون في مرحلة الاستقلال ولم يشارك في حرب التحرير ولم ينتم إلى الجيش الفرنسي. حيث تم تعيين عقداء في مناصب قيادية هامة كان يشغلها قادة الجيل الأول أصحاب رتب العميد. فتم تعيين العقيد حسان جبوري بصفته قائدا للفرقة المدرعة الأولى خلفا للعميد محمد شيباني، كما تم تعيين العقيد عبد القادر العايب مديرا مركزيا للمنشآت العسكرية خلفا للعقيد عبد الحميد صوفي، وتم تعيين العقيد محمد بن عزيزة رئيسا لأركان الدرك الوطني خلفا للعميد لخضر عتيق، وتم تعيين العقيد محند الطاهر يعلى رئيسا لأركان القوات البحرية خلفا للعميد ابراهيم دادسي، وتم تعيين العقيد عبد الكريم بودشيش رئيسا لأركان الحرس الجمهوري خلفا للعقيد حسان بوعبيد، وتم تعيين العقيد محمد بورغم رئيسا لأركان الناحية العسكرية الثانية خلفا للعميد محمد بعزيز.

الوحدة والصراع
إن قوة هذه الشخصيات لا تكمن في ذواتها كأفراد وإنما في مواقعها داخل الأجهزة. وهي تتميز عن التكتلات السياسية الأخرى بتضامنها القوي الذي ينقذها من التمزق ويجعل صراعاتها الداخلية مسألة ثانوية حينما يتعلق الأمر بمواجهة صراع خارجي. إن رهان هذه المجموعة يعتمد على محافظتها على سيطرة شبه كاملة على مؤسسة الرئاسة والحكومة المدنيتين. ففي الواقع لا تعد معاداتها للرئيس زروال معاداة شخصية فقط لمجرد أنه اليمين زروال الذي حارب الاستعمار أثناء الثورة أو لأنه من مدينة باتنة…إن لقيادة الجيش هدفا آخر يتمثل في كونها تريد أن تحد من تأثير مؤسسة الرئاسة وتجعل من نفسها القوة الحاسمة في سياسة الجزائر الداخلية أو حتى الخارجية. لقد برهنت تاريخيا، وبقطع النظر عن من يوجد على رأسها، على تفوقها على رئاسة الدولة. فهي أزاحت الرئيس الأول أحمد بن بلا، ثم الرئيس الثالث الشاذلي بن جديد. يبقى اغتيال محمد بوضياف عملية مخابراتية غامضة لا يمكن التكهن بدقة عن هوية مرتكبيها. والرئيس الخامس علي كافي. وتمكنت أخيرا من دفع الرئيس اليمين زروال إلى الاستقالة والدعوة إلى انتخابات رئاسية جديدة. حدث استثناء وحيد مع الرئيس الراحل هواري بومدين. سببه أنه جمع بقوة وفي يد واحدة بين رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش.
لكن المشكل مع عبد العزيز بوتفليقة يكمن في كونه ليس رجلا سهلا يقبل أن يكون مجرد ديكور في المشهد الجزائري. فشخصيته قوية وتجربته السياسية طويلة وخبرته متميزة وطموحه جارف…وصدامه مع قيادة الأركان مسألة وقت.

المصدر:الحوار المتمدن