سوسيولوجيا الجيش الجزائري ومخاطر التفكك 5 والأخيرة

ب- وحدة داخلية وتضامن فعال
لقد تمكن الجيش الجزائري من المحافظة على وحدته. وأثبت من خلال تجربة صراعه مع الحركة الاسلامية انه مؤسسة مستقلة بذاتها، فهو باستثناء بومدين لا يخضع الي أي فرد ولا الي أي ضابط معين. إنه أزاح مثلا زروال وأعاده فيما بعد علي رأس الدولة ثم أزاحه مرة أخرى. كما أبعد البعض ورقي البعض الاخر، وفي كل الاحوال بقي مؤسسة متماسكة لم تعد سيناريو الجيش الامبراطوري الايراني الذي انفرط عقده بمجرد ابتعاد الشاه عنه. يجب الانتباه إلى ملاحظتين حاسمتين في صيرورة المؤسسة العسكرية. تتمثل الملاحظة الأولى في عدم وجود اختراق أمني مخابراتي يذكر للحركة الإسلامية لهذا الجيش. فقد بقي مستقلا عن هذا التيار وتمكنت أقوى أجهزته على الإطلاق، أي “الأمن العسكري” من حمايته من عمليات التفكك وبالتالي الانهيار. فشلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدخول إليه واكتساب أنصار فيه كما حدث مع الجيش السوداني الذي اخترقته الجبهة القومية الإسلامية بقيادة حسن الترابي ونجحت في القيام بانقلاب عسكري استلمت فيه السلطة مشاركة مع الفريق عمر حسن البشير. أما الملاحظة الثانية فترتكز على ظاهرة قلة عدد الفارين من الجيش الجزائري، أو الذين تمردوا على أوامر قيادته. لقد بقي في المجمل جيشا متماسكا، اكتسب عبر الزمن نوعا من “العصبية” بالمفهوم الخلدوني، ضد الحركة الإسلامية .
إن وحدة المؤسسة العسكرية الجزائرية وعدم خيانتها أو حيادها تجاه الصراع القائم يعودان إلى مجموعة عوامل تاريخية ومادية.

العوامل التاريخية
يقول فؤاد الخوري “أن يصبح العسكر موضع اعتزاز وشرف قوميين، فهذا يجعل من المجندين في صفوفه، وخاصة الضباط المثقفين، ينظرون نظرة خاصة إلى أنفسهم والدور الذي قد يلعبونه في المجتمع. هذا التصور عن الذات يجعل من الضباط ينظرون إلى الساسة التقليديين نظرة اللامبالاة، بل الازدراء” . لقد نجح الجيش الجزائري منذ أيام حرب التحرير في اكتساب “عصبية” خاصة به ضد كل السياسيين والمدنيين الذين لا ينتمون إليه. إذ تمكن الرئيس الراحل هواري بومدين من غرس هذه العصبية، حيث كان يقول باستمرار لجنوده وضباطه ” يجب علينا (العسكر) أن نكون مثل صفيحة من الحديد”. وكان يشجع ضباط هيئة الأركان ويطالبهم بضرورة المحافظة على روح الواجب، وعلى الانضباط، وعلى التضامن فيما بينهم في مواجهات حيل السياسيين..

العوامل المادية
لا بد من الإقرار أيضا، أن الجيش الجزائري يتمتع بامتيازات مالية، اقتصادية واجتماعية استثنائية في المجتمع. فعلى سبيل المثال، بلغت النفقات العسكرية في الجزائر 36 دولارا للفرد الواحد مقابل 28 دولارا واحدا للفرد في المملكة المغربية. أما ميزانية الدفاع الجزائرية فهي الأكبر في منطقة المغرب العربي، حيث بلغت 971 مليون دولارا سنة 1991 مقابل 323 مليون دولارا في تونس و730 ملون دولارا في المغرب . وهو ربما يكون السبب الذي دفع عالم الاجتماع الجزائري لهواري عدي إلى القول “لا يرغب الجيش الجزائري في تغيير فجئي وعنيف للنظام السياسي، لأن مثل هذا التغيير سيعرض قيادته، وخاصة ضباطه الكبار، إلى تتبعات عدلية وتصفية حسابات” .

في خاتمة هذا الفصل سيكون من المفيد التأكيد مرة أخرى على أن إشكالية الجيش الجزائري في علاقته بالمجتمع والدولة لا يجب أن تتناول فقط في إطار من يقود هذه المؤسسة. وهو ما حاولت الجبهة الإسلامية للإنقاذ القيام به حينما رغبت في الإيحاء بأن سبب الأزمة يعود إلى تواجد “ضباط الجيش الفرنسي” على رأس قيادته. إننا نعتقد أن دور هذه المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية أعمق من ذلك بكثير. لقد نشأت علاقة معقدة بين هذا الجيش والسياسة منذ اندلاع الثورة التحريرية سنة 1954. وهو ما حاولنا إبرازه بالعودة إلى جذور هذه المؤسسة. كان يبدو صعبا أن يتخلى الجيش الجزائري عن “دولته” لأي طرف كان، إسلاميا أو حتى لائكيا، بل حتى لصالح جبهة التحرير الوطني نفسها، ذلك الحزب الذي مثل الستار الذي حكم من ورائه طويلا. بين هذا الأمر محمد حربي أحد كبار مؤرخي الثورة الجزائرية حينما كتب منذ زمن “إن الحياة السياسية والانقسامات الداخلية ليسا إفرازا لحركة سياسية، ولكنهما نتاجا لإدارة ولجيش../..ذلك أن سلطة القرار كانت بين أيدي القادة العسكريين. في النهاية اندمج مركز القرار بجهاز. ومن ثمة فإن مستوى قوة الجهاز هو الذي يحدد قوة قائده وليس العكس” . لم يكن بالتالي من الممكن للجيش الجزائري أن يبقى محايدا أو حتى “يخون” دولته لصالح الحركة الإسلامية القوية التي أرادت أن تحكم الجزائر. وحتى صراعاته الداخلية الحالية لا تدور حول مواصلة الهيمنة على الدولة أو إنهاء هذه الهيمنة، وإنما تتمحور حول درجة الانفتاح على الجبهة الإسلامية للإنقاذ أو الانغلاق التام في وجهها. إن الأمر يتعلق بمؤسسة تعودت على حياة “الوحدة/الصراع”. بقدر ما تتصارع داخليا وتتناقض تطلعات ضباطها، بقدر ما تتحد في وجه الخصوم الخارجيين.

المصدر:الحوار المتمدن