سوسيولوجيا الجيش الجزائري ومخاطر التفكك 1

تتالت الأحداث متسارعة في الجزائر، مما أربك كثيرا من المتتبعين، خاصة المتابعين والقراء العرب وذلك ناتج أساسا عن قلة المتابعة باللغة العربية لما يحدث في هذا البلد، خاصة قبل أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988 من جهة، و غموض المؤسسة العسكرية ونوعية علاقتها بالعمل السياسي من جهة أخرى0 إن هذا الجيش على عكس كل جيوش العالم لم تصنعه دولة بل هو الذي صنع دولته على حد تعبير المؤرخ الجزائري محمد حربي0 وقبل ذلك صنع ثورة مما أكسبه شرعية تاريخية مميزة0 إن أي فهم وتحليل للأحداث في هذا البلد اليوم، لا بد أن يتما عبر تحليل وفهم المؤسسة العسكرية نفسها.
تبقى المؤسسة العسكرية في دول العالم الثالث بشكل عام وفي دول الوطن العربي بشكل خاص المؤسسة الوحيدة، المنسجمة والهرمية، القادرة ليس فقط على المحافظة على الأنظمة ولكن أيضا على تغييرها من الداخل. إن تجارب استلام العسكر للسلطة التي حدثت في العالم العربي أكبر دليل على هذا الرأي. يمكننا التأكيد على عدم حدوث أي “تغيير ثوري” بمعنى سياسي اجتماعي، في هذه الرقعة من العالم دون المرور عبر المؤسسة العسكرية . إن ما يميز انقلابات الجيوش العربية في مصر سنة 1952 وفي العراق سنة 1958 وفي سوريا سنتي 1961 ثم سنة 1963، وفي اليمن سنة 1962 وفي ليبيا سنة 1969، هو قياداتها الشابة المنحدرة عادة من طبقات متوسطة طمحت إلى الاستيلاء على السلطة وطرد أنظمة تقليدية ملكية أعاقت تطور هذه الطبقة ونزاعاتها التحديثية. لكن الفرق بين هؤلاء الضباط وضباط الجيش الجزائري فرق جلي. حيث يجد الاختلاف جذوره في تاريخ المؤسسة العسكرية الجزائرية نفسها، في علاقتها بجهاز الدولة الذي أنشأته وفي علاقتها بالمجتمع. لا بد من التنبيه مبكرا إلى خصوصية الجيش الجزائري بالمقارنة مع غيره من الجيوش العربية.
يمكننا أن نستعين في تحليل ظاهرة العسكريتاريا بأطروحة فراد ريغز Fred W., Riggs، عندما لا يشاطر رأي الباحثين الذين يشتغلون في ظاهرة الانقلاب العسكري. فهو لا يعتقد، عندما يعتقد الآخرون، أن العسكر “بطبيعة تكوينهم وواجب الخضوع عندهم، نجدهم متعجرفين ومدفوعين بالطموح ليستولوا على السلطة ويطردوا السلطة المدنية” . يرفض هذه الفكرة ويشرح موقفه قائلا : “حسب رأيي، اعتقد أن رؤية الأشياء بهذا الشكل هي رؤية تبسيطية وتخفي الدينامية المؤسساتية للانقلاب العسكري. بداية، ليس الجيش كمؤسسة هو الذي يستولي على السلطة. ذلك أن الانقلابات العسكرية تنظمها مجموعات صغيرة من أعوان الدولة، بضعة ضباط فقط. وبعض أعضاء هذه المجموعات يعبئون في سبيل الانقلاب العسكري وحدات تقع تحت إمرتهم، ولكن في أغلب الأحيان يرفض ذلك الضباط الآخرون. ويتعاون بعض من الموظفين المدنيين مع الضباط بهدف الاستيلاء على السلطة ويشتركون في إدارة البلاد عندما ينجح الانقلاب” . تطبق هذه المقولة بشكل واضح على الجيش الجزائري. إن خصوصية هذا الجيش تكمن في كونه قد خلق الدولة الجزائرية وليس العكس، أي أن الدولة الجزائرية هي التي أنشأت جيشها. تؤكد هذه الفكرة الباحثة الفرنسية ميراي دوتاي Mireille Duteil عندما تقول “بصفة عامة، أراد الجيش في الجزائر أن يكون مالكا للدولة التي صنعها. فهو الشرعية وهو السلطة” . كما يعتقد الباحث الجزائري عبد القادر يفصح بأن الجيش الجزائري “قد فضل دائما الظلام على الضوء. وعمليا، هو الذي فرض وضمن الاختيارات السياسية والاقتصادية الأساسية في البلاد. كذلك، هو الذي فرض كل رؤساء الجزائر المتعاقبين الذين عرفتهم منذ الاستقلال” . ويقول فؤاد الخوري في مجال آخر “إن الجيش العقائدي معد لا لأداء دوره على الحدود فحسب وإنما للمساهمة في بناء المجتمع وتطويره” .
إن السؤال المطروح اليوم هو لماذا لم يتخذ الجيش الجزائري موقفا محايدا إزاء الصراع القائم في البلاد؟ ولماذا لم يخن النظام ويقبل بالجبهة الإسلامية للإنقاذ حاكما جديدا للجزائر؟
لقد أبرز هذا الجيش مدى تضامنه الداخلي في مواجهة تهديدات “الإنقاذ” والجماعات الإسلامية المسلحة. لم يعد سيناريو إيران، حينما تفكك الجيش وقبل بالإمام الخميني زعيما جديدا للبلاد بدلا من الشاه دون أن يبدي مقاومة حقيقية تذكر للقادم الجديد.
تميز موقف الجيش الجزائري في مواجهته للجبهة الإسلامية للإنقاذ بالصلابة والشدة رغم صراعاته الداخلية المتعددة التى اخترقته منذ تأسيسه في أول نوفمبر 1954 . حافظ على وحدته الداخلية وتضامنه العسكري وانضباطه الهرمي رغم تسجيل بعض حالات الفرار منه، خاصة بين سنتي 1992 وسنة 1994. لقد عاش مفارقة صعبة، تكاد تكون مستحيلة لو تعلق الأمر بغيره من الجيوش، وهي كيف يدير صراعاته الداخلية وتناقضات ضباطه دون المساس بوحدته المقدسة في مواجهة عدوه المشترك، أي الجبهة الإسلامية للإنقاذ. حدثت ثنائية وحدة/صراع بشكل مدهش واستمرت منذ أزمة 1992 إلى اليوم.

لنفهم ما يحدث في الجزائر لابد من فهم ما يحدث في الجيش. المؤسسة العسكرية الجزائرية مؤسسة فريدة من نوعها في الوطن العربي وحتى في العالم. يعتقد المتتبعون لتطورات هذه المؤسسة أنها مازالت تعاني إلى اليوم من إرث الماضي البعيد، تحديدا من إرث ثورة التحرير الوطني التي امتدت من الفاتح من نوفمبر /تشرين الثاني 54 إلى 1962.
إن الوضعية التى وصلت إليها الجزائر اليوم هي نتيجة للخلط التاريخي الذي حدث بين السياسي والعسكري وعدم وجود فاصل واضح بينهما.

1- تاريخية الجيش الجزائري

يمكننا التمييز بين خمس مراحل عاشتها المؤسسة العسكرية الجزائرية. تتمثل المرحلة الأولى في حرب التحرير الوطني ودامت من أول نوفمبر /تشرين الثاني 1954 إلى شهر يوليو /تموز 1962. أما الثانية فتتعلق بحكم الرئيس أحمد بن بلا وتمتد من الاستقلال إلى يوم 19 حزيران /يونيو 1965 مع نجاح انقلاب العسكر. وتتميز المرحلة الثالثة الممتدة من 1965 إلى 1978، سنة وفاة بومدين، بهيمنة الجيش على كامل مؤسسات الدولة والمجتمع. أما المرحلة الرابعة فهي مرحلى الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد والتى حكم فيها الجزائر من 1978 إلى إجباره على الاستقالة في يوم 11 يناير 1992. في حين تمتد المرحلة الخامسة منذ ذلك التاريخ إلى اليوم.

أ‌- مرحلة حرب التحرير
يتميز الجيش الجزائري عن كل جيوش العالم بلحظة تأسيسه. فعندما أسس ثوار شباب حزبا سموه جبهة التحرير الوطني، أسسوا معه جيشا سموه جيش التحرير الوطني حيث اختلط العسكري بالسياسي. فالمقاتل عضو في الحزب وكذلك قائده. والمسؤوليات تتراوح بين سياسية وعسكرية حسب الحاجة. نشأت ظاهرة السياسي-العسكري(Le politico-militaire) الذي فسخ كل مسافة بين مسؤولية السياسي ومسؤولية العسكري. لقد حاول عبان رمضان في مؤتمر الصومام في 20 أغسطس 1956 فرض مفهومه لطبيعة الكفاح الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي. فأكد مبدئين. أولا : ضرورة تفوق السياسي على العسكري وخضوع الثاني للأول. ثانيا: تفوق الداخل على الخارج، أي أن الأولوية لمن يناضلون داخل التراب الجزائري المحتل وليس خارجه في تونس أو المغرب أو مصر. فشلت محاولة عبان هذه باغتياله من طرف رفاقه في لجنة التنسيق والتنفيذ (CCE) في مراكش في شهر ديسمبر/كانون الأول 1957 وانتهت أطروحة تفضيل السياسي على العسكري بانتصار الجناح العسكري انتصارا نهائيا تواصل إلى اليوم. كما حدثت محاولة ثانية هدفت إلى السيطرة على الجيش من قبل السياسيين المدنيين في مؤتمر طرابلس سنة 1962 عندما أزاح قادة الحكومة الجزائرية المؤقتة قائد هيئة أركان الجيش هواري بومدين وعزلوه بقرار رسمي من منصبه. لكن ضباط الجيش ومساعدي بومدين رفضوا هذا القرار وتشبثوا بقائدهم وأعلنوا تضامنهم الداخلي وارتباطهم بزعيمهم الكاريزمي. مثل هذا الحدث منعرجا حاسما في مسيرة الجزائر السياسية حيث أثبت مدى هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي ومدى تضامنها الداخلي في مواجهة تدخل المدنيين.
إن محاولة فهم سلوك الجيش في هذا البلد تدفعنا إلى البحث والحفر في خصائصه التى تميز بها طيلة سنوات 1954 حتى سنة 1962. تتمثل أهم خصائصه في :
أولا: الأصول السياسية العسكرية لقادته. فهؤلاء لم يتخرجوا من أكاديميات عسكرية ولم يتحصلوا على تكوين احترافي في المجال العسكري. لقد كانوا قبل كل شيئ مناضلين سياسيين صعدوا إلى الجبال لتنظيم ثورة وإدارتها مستخدمين أسلوب حرب العصابات. إن أول جيل أسس جيش التحرير الوطني جاء من المنضمة الخاصة (l’Organisation Spéciale) أما الجيل الثاني فقد وقع انتدابه لدى أوساط الطلبة والتلاميذ. نذكر من بينهم هواري بومدين ثم عبد العزيز بوتفليقة، أحمد مدغري، أحمد شريف..وتميز بصغر سنه الكبير. وفي كلتي الحالتين كان إيمانهما عميقا بأولية من يقاتل على من يفاوض، أي أفضلية العسكري على السياسي. ويمكن تفسير هذا الموقف من خلال عامل مواجهتهم اليومية مع المستعمر وقسوة المعارك التي خاضوها إضافة إلى قسوة الطبيعة نفسها ونقص التموين والأسلحة. كما يفسر هذا الموقف بعامل ثان يكمن في طبيعة الثورة الجزائرية نفسها التى اندلعت على إثر قطيعة تاريخية مع المنهج السلمي وتبني كامل للمنهج العنيف في معركة التحرير حيث اشتدت قناعة مؤسسي جبهة التحرير الوطني وجيشها بأن الاستقلال لن يتحقق إلا عبر الكفاح المسلح، من هنا حدث تثمين لكل ماهو عسكري وتحقير لكل ما هو سياسي.
ثانيا: اندلاع صراع مفتوح بين السياسيين والعسكريين في مؤتمر الصومام سنة 1956. وفشل محاولة عبان رمضان في إخضاع العسكر لسلطة المدنيين بعد اغتياله من قبل رفاقه.
ثالثا: بروز مفارقة تقليدية في التمييز بين خصائص العسكريين والمدنيين. فالعسكر بطبيعة تكوينهم، رغم خصوصية جيش التحرير الوطني الجزائري كجيش تخترقه الجدالات والاختيارات، ينزعون إلى الانضباط أمام أوامر قيادتهم وعلاقاتهم هرمية وليست أفقية. أما السياسيين فقد كانوا في صراع دائم في ما بينهم. تتناقض تحالفاتهم وتتغير حسب تبدل الوضع. كما أن مصالحهم كانت متباينة. في حين كان العسكر، وخاصة قيادة هيئة الأركان، متحدين تنظيميا، يؤمنون نسبيا بالسلطة الهرمية، منضبطين ومطيعين لقائدهم الكاريزمي هواري بومدين. هذا الاختلاف في الخصائص أدى إلى انتصار العسكر على السياسيين. يقول هيغ روبارتس Hugh Roberts في هذا الشأن “كان الجيش هو المنتصر الحقيقي في الصراع على السلطة الذي تم داخل جبهة التحرير الوطني في صيف 1962. لقد خسر سياسي الحكومة المؤقتة المعركة لصالح قائد هيئة أركان الجيش العقيد هواري بومدين. ولم يتمكن الرئيس بن بلا من ترؤس الجزائر المستقلة إلا بفضل دعم العسكر” . تميزت هذه النخبة العسكرية القائدة دوما بمعاداتها الشديدة للمفاوضات المشروطة مع الإدارة الاستعمارية الفرنسية، بسعيها المستمر لفرض رؤيتها الخاصة للصراع، وبتأكيد أهمية استخدام السلاح في مواجهة المستعمر وتحرير البلاد. ولقد وصلت إلى السلطة لأنها مثلت المؤسسة الوحيدة في الثورة الجزائرية التى تمتعت بدقة التنظيم وحسن الانضباط وتجربة الإدارة وحتى استخدام تكنولوجيات الاتصال أو الهندسة أو الإدارة المالية. كانت ببساطة الجهاز البيروقراطي الوحيد القائم في الميدان والقادر على استلام بلد تركته فرنسا في حالة فراغ إداري شامل. أما على المستوى الطبقي، فقد قدمت هذه النخبة نفسها على أساس أنها ممثلة طبقة الفلاحين. واتخذت شعارا لها “الإصلاح الزراعي، تصنيع البلاد والتوزيع العادل للمنتوجات وللثروات” .

المصدر:الحوار المتمدن