سيقومون في الخليج بانتفاضة ليقلدوا النموذج التونسي لأنهم مبهورين به

رأى رياض الصيداوي مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية في حوار مع “الصباح” أن الشباب التونسي الموجود اليوم في سوريا يهدد الامن والسلم الاجتماعي للبلد.. وأن تونس قريبة اليوم من السيناريو الجزائري.

وأشار الى ان فرضية الصوملة أو الافغنة في تونس واردة جدا خاصة في ظل التدهور الاقتصادي وتداعيات الوضع الامني والسياسي على الاستثمار والسياحة..

وبين أن شكري بلعيد تم قتله رمزيا قبل فعل الاغتيال بكثير. ودعا الى تتبع كل من حرض على القتل والكراهية قضائيا منبها الى خطورة المد الوهابي القادم في شكل تمويلات ضخمة وثقافة مغايرة للتاريخ والثقافة التونسية..

فيما يلي نص الحوار.

*هل تشكل المجموعات المتطرفة في تونس أو ما يسمى بالسلفية الجهادية.. خطرا على الامن والسلم الاجتماعي خلال هذه المرحلة ؟

– طبعا هناك مخاطر كبيرة تهدد تونس فقد خرجت تونس من المنطقة الرمادية وهي المرحلة التي تلي انهيار الأنظمة عن طريق ثورة أي ما نسميه في علم الاجتماع السياسي بمرحلة الحمى الثورية الاحتجاجات السليمة وارتفاع المطلبية الاجتماعية..

لكن “الارهاب” شيء آخر، انه أعلى مراحل العنف السياسي الذي بدأ في تونس بعنف لفضي وعنف على صفحات الفايس بوك ثم بعنف المساجد تلاه عنف التظاهرات الثقافية والسياسية واستعمل خلاله بالكراسي والعصي والحجر ليصل الى اعلى مرحلة من مراحله وهي الارهاب.. مرحلة خطيرة جدا يتم فيها تكسير وتحطيم اللعبة الديمقراطية.. ويقع استبدالها بلعبة العنف والدم..

مؤشرات الارهاب

* ما هي المؤشرات التي تجعل الارهاب على مشارف تونس؟

– مؤشرات الارهاب والمخاطر التي تحيط بتونس عديدة ومتعددة، اهمها تدفق السلاح من ليبيا.. فاليوم وجود كميات من الاسلحة أصبح أمر متفق عليه.. جاءت من ليبيا ومتواجدة أساسا في الجنوب التونسي.. وثاني المؤشرات الشباب التونسي المتواجد في سوريا والمتواجد في مالي الذي بسببه اصبحت سمعة تونس رديئة على المستوى العالمي.. الكثير من الارهابيين اصبحوا من تونس.. من يشجع الشباب التونسي على الذهاب الى سوريا.. من يمول هذه العمليات وماذا سيحدث بعد عودة هذا الشباب من سوريا..

صحيح ان اليوم الثقافة المسيطرة في تونس هي الثقافة السلمية لكن اذا عاد لنا شباب تونسي متدرب عسكريا تعود على القتل.. لم يعد القتل مسألة خطيرة أو محرمة بالنسبة اليه.. فانه من الممكن مع تواجد السلاح في تونس ان يستخدمه ضد جزء من ابناء شعبه..

*هل تمثل حادثة اغتيال شكري بلعيد امين عام حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد تجسيما للارهاب او التطرف في تونس ؟

– نعم هو انتقال تونس من التجاذب السياسي السلمي والصراعات السلمية الى الاغتيال السياسي الذي يمثل اعلى مرحلة من مراحل العنف السياسي، اذن خرجنا رسميا من المنطقة الرمادية الى منطقة الخطر الحمراء.

* ما مدى صحة توجيه الاتهام الى التيار المتطرف؟

– اولا عملية القتل لشكري بلعيد تمت رمزيا باعتبار ان هناك فيديوهات لخطباء في مساجد على غرار الفيديو الشهير في جرجيس الذي يدعو الى قتل شكري بلعيد.. الى جانب ما يروج من دعاوى على صفحات “الفايسبوك” اذن رمزيا الرجل قتل قبل أن يقتل.. يوم 6 فيفري..

الان من ينفذ العملية وكيف تم تنفيذها اسئلة الاجابة عليها هي من مهام الاجهزة الامنية المختصة لانها من تمتلك الاجابات الدقيقة على ما حدث.

أما بالنسبة لنا علماء الاجتماع وعلماء السياسية فان عملية القتل الرمزي قد حدثت عن طريق هذه الخطب وهذا التحريض اليومي واذكر بان في بلد مثل سويسرا وفي ديمقراطيات اوروبية الدعوة الى القتل والتحريض على البغض والكراهية يعاقب عليها القانون لانها المرحلة الاولى نحو مرحلة التنفيذ فيقع وضع حد لمجرم عبر معاقبة من يحرض على القتل أو من يدعو الى القتل..

وعلينا ان ندرك ان الشباب في تونس غير مهيكل يتم التلاعب به دوليا عبر قنوات فضائية وعبر خطاب غريب عن النسيج الاجتماعي التاريخي التونسي وفي ظل الازمة الاجتماعية والسياسية يصبح من السهولة أن ينخرط في الاجرام الارهابي دون ان يعلم ذلك.

السيناريو الجزائري

* هناك من يحذر من امكانية اعادة السيناريو الجزائري أو السيناريو اللبناني ما رأيك في ذلك؟

– نحن اقرب الى السيناريو الجزائري لان السيناريو اللبناني مسألة اخرى باعتبار أن لبنان شهد حربا طائفية وتدخلت فيه قوى اجنبية كل يدعم طائفة.. وفهم اللبنانيون انه يجب التعايش بين الجميع باختلافهم العقائدي والديني..

ولا يمكن الحديث عن السيناريو اللبناني في تونس باعتبار ان الاغلبية الساحقة من التونسيين عرب سنة مالكيين.. توجد اقليات منسجمة على غرار الامازيغ واليهود ولا مجال لحرب اهلية اثنية.

أما السيناريو الجزائري فهو ممكن لكن بنسبة ودرجة اقل من الجزائر للاعتبارات التالية:

– اولا لا توجد تضاريس تهيئ لحرب كالجزائر فلا توجد عندنا جبال كثيفة او غابات كثيفة ولا يوجد عند التونسيين العادات القتالية الموجودة عند الجزائريين.

كما لا يوجد لدينا جيش في تونس له اهتمام بالعمل السياسي باعتبار الجيش الجزائري هو الذي بنى الدولة الجزائرية منذ الاستقلال وهو العمود الفقري له وقوة استخبارتية هامة متعود على الادارة السياسية للبلاد.. الأمر ليس نفسه في تونس.. وحتى ان حدث عنف دموي تجاوز الخطوط الحمراء.. اعتقد من الطبيعي جدا ان تتدخل المؤسسة الامنية والعسكرية في اطار مجلس طوارئ باعتبار ان البلد مهدد.

ويوجد في نظري فارق جوهري بين تونس والجزائر فهذه الاخيرة مولتها لاكثر من 60 سنة عائدات المحروقات من الغاز والبترول وحتى في العشرية الحمراء كانت اموال سونتراك واموال الغاز تدخل الجزائر وتمول الشعب الجزائري معارضة وحكومة.. في تونس ليس لنا هذه الميزة نعيش على قطاع الخدمات والسياحة واستثمارات اجنبية مرتبطون بالاقتصاد الاوروبي واذا حدثت قلاقل امنية وارهابية استطيع ان اقول ان الاقتصاد التونسي ينهار ونصل الى مستوى تضخم مالي قد يصل بنا الى شراء كيلو اللحم بـ300 أو 400 دينار.

ففي تونس المسألة الاقتصادية هامة جدا لكن للاسف اغلب المحلليين السياسيين في القنوات والصحف لا يتحدثون على الاقتصاد يتحدثون على الايديولوجيا وكل ما هو سياسي وهذا خطير باعتبار ان الاقتصاد التونسي يعيش في حالة انهيار لا توجد استثمارات اجنبية.. الموسم السياحي مهدد ونحن ليس لدينا بترول الجزائر او ليبيا او العراق.. لتغطية تبعات الارهاب من الناحية الاقتصادية..

وللاسف بوضع اقتصادي اكثر خطورة.. حرب اهلية في تونس يعني صوملة تونس وافغنة تونس.. اذا انحرفت البلاد الى موجه اعنف من الارهاب فنحن اقرب الى النموذج الصومالي او الافغاني منه الى الجزائري نظرا ان الاقتصاد التونسي سينهار..

الثقافة السلمية لدى التونسي

* هناك من يقول ان اغتيال بلعيد هو بداية مسار العنف في حين هناك من يرى انها الحالة الاولى والاخيرة اين نحن من مقاربتين ؟

– حسب تطور الاوضاع، السيناريوهان ممكنان فبامكان تونس ان تنتقل الى مسار ديمقراطي سلمي سياسي ديمقراطي ومن الممكن ايظا ان يحدث العكس ففي علم الاجتماع السياسي لابد ان نتنبأ بالتغيرات الاسوء وتكون بداية لسلسة من الاغتيالات التي تفتح انهارا من الدم في تونس.

وكما قلت صحيح ان ما يجعل ان فرضية الدم صعبة هو الثقافة السلمية التي لدى التونسيين.. لكن في المقابل ما يجعلها فرضية ممكنة هو الشباب التونسي الموجود في سوريا.. سيعود.. وهو شباب متدرب على القتل والقتال فقد الثقافة السلمية وتشبع بثقافة وهابية.. ومع عنصر وجود السلاح في تونس هناك امكانية كبيرة جدا للانحراف الدموي في تونس.. علينا ان ناخذه بعين الاعتبار..

* ما السيناريو الذي ترجحه اكثر مع تقدم المفاوضات السياسية والتوجه نحو حكومة جديدة.. لا ندرك ملامحها الى الان؟

– الاستشراف المستقبلي صعب جدا فالامر ليس تنجيما أو توقعا.. نعتمد المؤشرات المتوفرة.. وللاسف المؤشرات تذهب بنفس المستوى لكلا السيناريوهين .

الفرضيتان ممكنتان.. وللتفاعل أرجح الفرضية الأولى نظرا لطبيعة المجتمع التونسي المسالم وعلى حركة النهضة أن تكون مسؤولة في هذه المرحلة التاريخية وتستبعد من صفوفها من يفكر في استعمال العنف لان اللعبة الديمقراطية تختلف عن اللعبة الكليانية.. فالتداول السلمي على الحكم تكون فيه المعارضة جزءا من الدولة.. واعتقد ان هناك تيارا في صفوف حركة النهضة يدفع في هذا الاتجاه لتجنب حمام الدم.

* تواجد تونس بين الجزائر وليبيا والتهديدات القادمة من الصحراء كيف يؤثر ذلك على الوضع الداخلي لتونس ؟

– المخاطر الاساسية تأتي من ليبيا.. ليس من الدولة الليبية أو الجيش الليبي وانما من الانفلات الامني.. فالمقاتلون اليوم في مالي هم بسلاح القذافي أو سلاح حلف الناتو الذي ارسله للمعارضة.. ليبيا تهدد كل المنطقة.. والخطر ياتي من ميليشيات وجماعات منفلتة لان الدولة الليبية لا تهيمن على كل التراب الليبي.. هذا معطى لا بد من التاكيد عليه.. فهذه هي الثغرة التي ينطلق منها الارهاب فهو يعشش في المناطق التي تضعف فيها الدولة واجهزة الامن والجيش.

أما الجزائر فهي صمام امان لتونس بل هي سد سيمنع وصول الارهاب لتونس خاصة من مالي او من افريقيا.. كما ان الجزائر سبق واكتسبت خبرة في محاربة الجماعات الارهبية وعندها الامكانيات المادية والتدريب والتكيف مع حرب العصابات للتصدي لهذه المجموعات اذن فهي السد المنيع الذي يحمي تونس من تدفق الارهاب الذي يهدد تونس.

* ما خطورة الخلايا التي تواجدت في تونس على غرار ما اكتشفته القوات الامنية التونسية في جبل الشعانبي والروحية..؟

– كل من قتل وتوعد بالقتل هو مستعد لحمله مرة اخرى لانه كما قلت الحاجز النفسي السلمي قد انهار عنده.. فالتونسي الذي قاتل في افغانستان أو مالي او سوريا يعود وهو قنبلة موقوتة قد تنفجر اذا ما توفر له السلاح وضعف الدولة والاجهزة الامنية والفوضى.. فيستعمل العنف ضد بلده.. ولذلك يجب فتح حوار فقهي اسلامي وثقافي واعلامي واقتصادي وسياسي واسع النطاق للتحاور مع شبابنا..

وانا أتذكر الجزائر لما قامت بالمصالحة الوطنية تفاوضت مع من كان يقاتلها فنزلوا من الجبال وسلموا أسلحتهم ومكنتهم الدولة الجزائرية بالمقابل من وظائف واتاحت لهم قروضا واموالا من اجل اعادة ادماجهم اقتصاديا فالمشكل يصبح سوسيولوجيا اجتماعيا وربما على الدولة التونسية ان تفكر جديا الان في الاستعداد لاستقبال هذا الشباب الذي ذهب الى المكان الخطأ وهو سوريا.

الخطر الوهابي

* ما جدية الخطر الوهابي في تونس.. ؟

– هو خطر جدي.. يتجسد في اموال ضخمة تتدفق الى تونس عن طريق شيوخ وهابيين يأتون الى تونس ثم عن طريق شيوخ تونسيين باعوا انفسهم للمخطط الوهابي الانقلوسكسوني..

والوهابية هي مخطط انقلوسكسوني انطلق منذ تأسيس المملكة العربية السعودية الى حد اليوم وهو مشروع يحمل نفاقا كبيرا جدا..

هو خطر لانه يحمل اموالا ضخمة جدا ومليارات وقنوات اعلامية ودعاية.. وهو مخادع كاذب لان الوهابية هي حركة ملكية.. والملكية معادية للاسلام بطبعها كما انهم ليسوا سلفيين فهم معادين للسلف الصالح.. فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم او الخلفاء الراشدين ملوكا..

ونرى اليوم أن الوهابية تستثمر اموالها في بورصات وول ستريت وخسروا اكثر من ألف مليار دولار .. يشترون كازينوهات واندية رياضية.. ورغم سخرية الصحافة الفرنسية منهم وتهجمها عليهم الا انهم يواصلون استثمار اموال طائلة..

وبالنسبة لهم لا يقدمون لتونس الاستثمارات الصناعية ولا يمولون الاقتصاد التونسي.. وانما يرسلون لنا شيوخهم.. وهم اخر من يتحدث عن الاسلام باعتبار نفاقهم الشديد.. واذكر ان قصف العراق تكلف 65 مليار دولار وقصف ليبيا اكثر من 10 مليار دولار ومثله لسوريا.. ومن يدفع ذلك لقتل المسلمين.. تدفعها دائما دول خليجية.. اذن فحوالي 80 أو 100 مليار دولار كان ممكنا ان تجعل تونس يابان المنطقة لو استثمرت فيها.

*هل يهدد “البترو دولار” الاستحقاق الانتخابي القادم في تونس؟

– طبعا.. لان تدخل مثل هذه العوامل الخارجية يهدد كل الانتقال الديمقراطي في تونس وكما قلت في مناسبات سابقة الثورة التونسية تشع عربيا.. وقريبا سيقومون في الخليج بانتفاضة يريدون ان يقلدوا النموذج التونسي لأنهم مبهورين به.. مبهورين بشعار الثورة التونسية “شغل حرية كرامة وطنية” ولذلك تسعى أنظمتهم لضرب التجربة التونسية.. والتدخل في تونس فترسل شيوخهم وتجند شيوخا تونسيين من اجل إجهاض هذا المشروع العربي في الديمقراطية وفي الحرية.

المصدر: الحوار المتمدن