صراعات النخب السياسية والعسكرية في الجزائر: الحزب ، الجيش، الدولة 5

الفصل الثاني
انهــيار التــوازن

كيف سينهار التوازن داخل الجبهة، ويهيمن الجيش نهائيا على الحزب، ثم ينسحب منه ويتخلى عنه، ليمارس السلطة بدون تلك التغطية السياسية التي قدمتها له جبهة التحرير الوطني؟
سنعالج في هذا الفصل آلية انهيار التوازن بين الجناحين العسكري والسياسي، ونتائجه الوخيمة على الجبهة التي وجدت نفسها في المعارضة، بعيدا عن أجهزة الدولة التي تحكمت فيها طويلا.
تمكن الجيش من الاستيلاء على جزء كبير من أجهزة الدولة ووزاراتها القوية. وتم ذلك في إطار اقتسام بينه وبين رئيس الدولة أحمد بن بلا. وكانت خطة بومدين تعمل على نشر الجيش الوطني الشعبي في كل مكان وتحويله تدريجيا إلى جيش كلاسيكي واستعان في بنائه بكثير من الضباط الجزائريين الذين عملوا سابقا في الجيش الفرنسي . مما أحدث انتقادا عنيفا وجه إليه في مؤتمر جبهة التحرير الوطني الـذي انعقـد فـي 17 أبريل 1964، فقـد هاجمه المدنيون لأنـه حافظ على 200 ضابط جاءوا من الجيش الفرنسي ولأن بعضهم يعد من أقرب مساعديه، مثل مدير مكتبه، العقيد شابو وحينما دافع بومدين عن رأيه “لا أرى فرقا بين موزع بريد أو موظف أو ضابط عمل مع فرنسا، فكلهم كفاءات نحتاجها لتدريب جنودنا وبناء جيشنا، وقد قاموا بواجبهم”، رد عليه بن بلا: “أقول لك يا أخي العزيز، إنك لا يمكن أن تساوي شيئا بدون الحزب، في حين تتمكن من كل شيء بهذا الحزب” . ومن ثمة عاد الصراع بقوة بين السياسي والعسكري، بن بلا محتميا بالحزب وبومدين محتميا بجيشه، وتوالت الأحداث بسرعة.

1 ـ الجيش و19 حزيران/يونيه 1965: الهيمنة المطلقة

يوجد نوعان من الأسباب أديا إلى انقلاب بومدين/الجيش على بن بلا ومجموعته السياسية. الأولى عميقة والثانية مباشرة.
تنحصر الأسباب العميقة في:

_ أولا: اعتقاد راسخ لدى الجيش، بأنه يجب أن يكون المالك الوحيد للدولة التي صنعها، فهو ممثل الشرعية، وبالتالي يجب أن تتجسد السلطة فيه. وعبّأ ضباطه للإيمان بتفوقه على المجتمع والدولة .
_ثانيا: قام بومدين منذ بداية صعوده بالعمل على خلق انسجام سياسي عسكري، أي عصبية، ضد سياسي جبهة التحرير ، وكانت مجموعة وجدة تمثل هذه النواة الصلبة المتكتلة داخل الجيش.
_ ثالثا: طموح شخصي لدى بومدين من أجل الوصول إلى أعلى هرم السلطة، فبمجرد أن تخلص من خصومه السياسيين التاريخيين وهو “محتم ببرنص الزعيم”، وأصبح موقعه محصنا، بادر إلى تحقيق حلمه في 19 حزيران/يونيه 1965، وذكر فيما بعد قائلا “كان لابد أن تعود السلطة إلى أيدي الذين يحسنون قيادة الرجال في ساحة المعركة” .
أما الأسباب المباشرة، فهي تتمثل في شعور عميق لدى بن بلا بعجزه عن الحكم التام، وهو محاط ببومدين وضباطه، وبوقوعه تحت تهديد “دباباتهم” الدائم. فعمل على استخدام صلاحياته كرئيس دولة. وقام بسلسلة من المبادرات هدف من خلالها إلى ضرب بومدين ومجموعته من خلال عزل مدغري، وزير الداخلية، واتخاذ قرار عزل عبد العزيز بوتفليقة، وهما يشكلان مع بومدين وشريف بلقاسم النواة الصلبة “لمجموعة وجدة”. وقام في نفس الوقت بجمع مناصب عديدة في يده، فهو رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء، الأمين العام للحزب، وزير الداخلية، وزير المالية ووزير الاعلام!
وحاول اختراق الجيش، فاستغل سفر بومدين إلى القاهرة، ليعين قائدا جديدا لهيئة الأركان، دون العودة إلى الجيش .
تجمعت كل هذه الأسباب عميقة أو مباشرة لتدفع بالجيش إلى الاستيلاء كلية، وبدون مشاركة مع أحد هذه المرة، على مقاليد السلطة.

أ ـ مجلس الثورة : البديل عن الجبهة

نجح انقلاب بومدين في 19 حزيران/يونيه 1965، وتم اعتقال بن بلا وسجنه. وشكل “مجلس الثورة” من 25 عضوا، منهم 12 عقيدا من الجيش، والبقية أغلبهم من قادة المغاوير السابقين “الذين أغراهم بومدين، حسب فرحات عباس، بالأعمال التجارية. لينضموا إلى المجلس، ولكن بدون ممارسة سلطة فعلية، وقدموا بذلك تغطية لحكمه الشخصي” .
ومع نجاح الانقلاب “وترسيخ الحكم نهائيا في يد العسكر، أصبحت الثقافة العسكرية مهيمنة على الجزائر، وذلك بعد أن اعتبرت إرثا وطنيا ومكسبا تاريخيا” .
لقد أصبحت السلطة منذ 19 حزيران/يونيه في يد مجلس الثورة، فهو الذي يحدد السياسة الداخلية والخارجية للدولة، وهو الذي يراقب الحزب… كما قام بتعيين “أمانة تنفيذية”، لجبهة التحرير الوطني، على رأسها شريف بلقاسم، أحد أقطـاب مجموعـة وجـدة. ولم يكـن من حقهـا اتخـاذ القرارات والاجراءات، إذ لا يعدو دورها إعداد وتنفيذ قرارات مجلس الثورة .
وبرر بومدين ذلك فقال “إن جبهة التحرير الوطني ليست سوى جسدا بدون روح” . لكنه في المقابل أبقى عليه، وحوله إلى مجرد جهاز ينظم حملات الدعاية لصالح سياسته واختياراته .
وبعد فشل المحاولة الانقلابية التي قام بها قائد هيئة الأركان، الطاهر زبيري في ديسمبر/كانون الأول 1967، قام بحل الأمانة التنفيذية للحزب وعين على رأسه مسؤولا وحيدا، قايد أحمد، عضو مجموعة وجدة السابقة ، الذي سرعان ما اختلف معه، فهرب إلى المغرب وعاش في المنفى حتى وفاته، ثم عهد بها إلى محمد الصالح اليحياوي، منظم حملة التعريب، والتأميمات الاشتراكية الواسعة .
ومنع الجبهة من عقد أي مؤتمر لها، فآخر مؤتمر عقدته في سنة 1964، أثناء حكم بن بلا. ولن تعقد مؤتمرها الموالي إلا في نيسان/يناير 1979، أي بعد وفاة بومدين، ومجيء بن جديد إلى السلطة .
يمكن التأكيد في هذه المرحلة “أن جبهة التحرير الوطني، لم تمارس سلطة حقيقية، إذ لم يعد هناك وجود لذلك الحزب الذي فجر حرب التحرير، ومثل الشعب بجميع طبقاته الاجتماعية، فلاحين فقراء أو برجوازيين، فكل ما في الأمر، حزب يجمع اولائك الذين لم يجدوا لهم عملا في الادارة الجزائرية” .
كما أن مجلس الثورة فقد الكثير من أعضائه، ففي 1966، هرب بومعزة ومحساس عضوي المجلس إلى باريس وأعلنا معارضتهما للنظام متهمينه بكونه “شرذمة في السلطة محرومة من أي دعم شعبي”، وبعد سنتين، على إثر المحاولة الانقلابية للطاهر الزبيري، منع كثير من أعضاء مجلس الثورة من حضور اجتماعاته، وبعد عشر سنوات من 19 حزيران/يونيه 1965، لم يعد يحضر اجتماعاته سوى 8 أعضاء من 25 عضو شكلوه في بدايته أطلق عليهم في الجزائر اسم “عصابة الثمانية” …
كما شهد الجيش الوطني الشعبي، تحولات عميقة، إذ غادره الكثير من ضباط جيش التحرير الوطني، وفي الآن نفسه تواصل تزايد نفوذ “ضباط الجيش الفرنسي” داخله، واحتلوا شيئا فشيئا مواقع القيادة. ويمكن تفسير ذلك بعاملين: الأول يتعلق بالصراع على السلطة داخل الجيش.
فبومدين أقصى الضباط الذين شاركوا في حرب التحرير لأنهم “متسيسون” بسبب تاريخهم، وعوضهم بضباط الجيش الفرنسي، لأنهم أكثر انضباطا ومحترفون عسكريا بدون إيديولوجيا. أما الثاني، فيتعلق بطبيعة الجيش الجديد الذي يحتاج إلى خبرات علمية وتقنية لم تتوفر في ضباط جيش التحرير، لأن كثيرا منهم كان شبه أّمي، وكان دفاع بومدين عنهم قوّيا “نحن نحتاجهم في الجيش، لقد قاموا بواجبهم” فيما بعد سيدفع هؤلاء الضباط إلى ضرورة الفصل الهيكلي بين الجيش وجبهة التحرير.
في هذه الفترة كان الكل عضوا في جبهة التحرير، رغم أن هذه الأخيرة لم تكن لها أية سلطة فعلية، فقد كان الانتماء إليها صوريا.
اتسمت هذه المرحلة بهيمنة بومدين المطلقة على الجيش وعلى الحزب وعلى الدولة، حتى أن الصراع بين الجناح السياسي والعسكري كاد ينعدم، فالجيش هيمن على الحزب، وبومدين هيمن عليهما معا. وفي هذه المرحلة أيضا، تحولت جبهة التحرير الوطني إلى مجرد بيروقراطية إدارية ضخمة، تضم في صفوفها كل من يبحث أو يريد المحافظة على وظيفته في جهاز الدولة، وفي الآن نفسه أفقدها العسكر إطاراتها التاريخية المناضلة، فكثير منهم في المنفى، (بوضياف، آيت أحمد…)، وآخرون في السجن (بن بلا…)، وآخرون في الاقامة الجبرية( عباس فرحات، بن يوسف بن خده…) وآخرون اغتالهم الأمن العسكري في أروبا (محمد خيضر بمدريد، وكريم بلقاسم بفرنكفورت)…
وكان في إمكان بومدين حل الجبهة وإنهائها، إلا أنه لم يفعل ذلك، فهي رغم كل شيء، كانت ضرورية لتوفير الغطاء السياسي اللازم للجيش، “فقد لعبت دور الحجاب الذي يخفى السلطة الحقيقية”
ومع وفاته في 27 ديسمبر/كانون الأول 1978، دخلت الجبهة مرحلة جديدة، حاول فيها بن جديد بناء توازن جديد بين العسكر والسياسيين.

المصدر:الحوار المتمدن