صراعات النخب السياسية والعسكرية في الجزائر: الحزب، الجيش، الدولة 6

ب- الشاذلي بن جديد: محاولة إعادة التوازن

حينما توفي الرئيس الجزائري هواري بومدين في 27 ديسمبر/كانون الأول 1978، ترك الساحة السياسية-العسكرية فارغة من “قائد” قوي يستطيع خلافته بيسر، ومثلت وفاته مناسبة جديدة لامتحان القوة بين العسكر والسياسيين داخل الجبهة. فالاعتقاد السائد، كان يذهب في اتجاه التفضيل لخلافة الرئيس، بين كل من محمد الصالح اليحياوي، المسؤول التنفيذي المكلف بجهاز الحزب من جهة، وعبد العزيز بوتفليقة، وزير الخارجية من جهة ثانية، إلا أن خيار الجيش رجح كفة شخصية عسكرية لم يكن اختيارها مطروحا، تمثلت في الشاذلي بن جديد، قائد منطقة وهران، المنطقة العسكرية الثانية، على اعتبار أنه الضابط الأقدم والأرفع درجة. وهكذا نجح الجيش في التحكم مرة أخرين في حياة الحـزب/الـدولة فـي الجـزائـر . لقــد استبعد السياسيان، رغم أن أصلهما كان عسكريا، باعتبارهما من ضباط جيش التحرير الوطني، وعين العسكرّي مرة أخرى ليؤكد مقولة “إن الجيش يمتلك كل السلطة، وسيعمل كل ما في وسعه للمحافظة عليها، وسيكون ذلك سهلا” . وبين ذلك بلعيد عبد السلام، أحد رجال النظام لفترات طويلة حينما قال: “إن جبهة التحرير الوطني ليست ألا إمتدادا سياسيا للجيش، في حين أن الأمن العسكري (من أقوى الأجهزة داخل الجيش) كان يمثل فعليا نظاما سياسيا موازيا… يعمـل كمنظمة لتـأطير كـل أنشطة قطاعات البلد”
لم تكن هذه الحقائق غريبة عن رئيس الدولة/الحزب الجديد، فعمل، بعد أن نزع عنه ثيابه العسكرية، على إعادة التوازن بين الجناح السياسي والجناح العسكري، من خلال سلسلة من الاجراءات والقرارات:

– أولا: بعد أن أصبح الشاذلي بن جديد رئيسا للحزب، قام بتقويته، ليستخدمه في صراعه ضد مراكز القوى في الجيش، فهو يدرك جيدا، أنه لايمكن أن يسيطر على الحزب والدولة بدون سيطرته على الجيش، فحاول الاستعانة بالجناح السياسي للحزب، فقام بدعم محمد الشريف مساعديه، الذي أصبح الأمين القار للجنة المركزية (من 1980 إلى 1988) وهو رجل قوي، قام بإعادة تأطير الحزب وشكل مكتبه السياسي ولجنته المركزية ، التى قررت اعتبارا من 29 ديسمبر/كانون الأول 1980، إلزام كل إطارات المنظمات الجماهيرية، وأعضاء الجمعيات المنتخبين، بالانضمام إلى جبهة التحرير الوطني، مما يعنى توجها جديدا لإعادة الاعتبار للجانب السياسي، وبالتالى إحداث توازن مع الجيش.
– ثانيا: بما أن بن جديد كان يعمل من أجل توازن يمكنه من التحكيم، فقد ترك الجيش يحافظ على موقعه داخل الجبهة، إذ بقي الجيش جزءا لايتجزأ من الحزب، يشكل ضباطه السامون 20% من أعضاء اللجنة المركزية .
– ثالثا: ولكنه، قام في الآن نفسه بإدخال تغييرات كبيرة على هيكلية الجيش، فقام بإعادة تنظيمه على أساس فرق عسكرية تقليدية، وليس “مناطق عسكرية” شبه مستقلة كما كان في الماضي ، حيث كان لقائد المنطقة صلاحيات كبيرة وبالتالى نفوذ واسع وتحكم مفرط في قواته. وتمكن بالتالى من تصفية (عزل أو إبعاد) رموز مراكز القوى داخل المؤسسة العسكرية، مثل عبد الله بلهوشات، عضو مجلس الثورة السابق، ونائب وزير الدفاع، الأكحل عياط مسؤول جهاز الأمن العسكري، وقطع شوطا في محاولة إبعاد الجيش عن السياسة بإعفاء قاصـدي مربـاح مـن رئاسـة الحكـومة، وتعيـين مـولود حمـروش عوضا عنه وهو سياسي من جبهة التحرير، في حين أن الأول كان عقيدا في الجيش مسؤولا عن الأمن العسكري طيلة عهد بومدين.
هدف بن جديد من وراء ذلك إلى دعم مركزه في السلطة، محاولا التخلص من الصورة التي رسمت له داخل الجيش، على أساس أنه الرجل الضعيف في المركز القوي، حيث يسهل للضباط الكبار السيطرة عليه وتوجيهه لخدمة مصالحهم. وكان التوازن بين الأجنحة العسكرية من جهة (لم يحافظ الجيش بعد موت بومدين على عصبية مجموعة وجدة التي تفرقت، وانهزمت في معركة الخلافة) والأجنحة السياسية من جهة ثانية (تعيش جبهة التحرير/الجناح السياسي نفسه صراعات داخلية أخرى. سنراها في الفصول القادمة) والتوازن بين العسكري والسياسي من جهة ثالثة، طريقه الوحيد في الاستمرار، مما أدى إلى غموض كبير وتشابك معقد على مستوى الصراع .

المصدر:الحوار المتمدن