صراع العسكر والإسلاميين في الجزائر: من العجز إلى الانتصار 1

عجز القادة الجزائريون، عسكريين كانوا أو سياسيين، إلى حد اليوم عن استئصال العنف الإسلامي المسلح الخارج عن الدولة. سؤالان يطرحان نفسيهما. أولا، أين يكمن هذا العجز؟ ثانيا، ما هي الأسباب الموضوعية التي أدت إلى هذا العجز؟
1- مراحل العجز
كيف ظهر هذا العجز لدى النظام الجزائري؟ الإجابة الأولى تكمن في مساعيه لأكثر من مرة في الحوار مع قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ من أجل ما سماه بمصالحة وطنية. لقد قام، قبل وصول الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، بثلاثة مبادرات كبرى تجاه الحزب المنحل في سبيل إيجاد حل سلمي.
أبرز عالم الاجتماع الجزائري لهواري عدي ظاهرة سعي السلطات من أجل الحوار على أساس أنها غير قادرة على إحلال السلم المدني. حيث دارت أول محاولة للحوار مبكرا تحديدا في شتاء سنتي 1993-1994. كان هدف هذه المحاولة تشكيل تحالفا حكوميا كبيرا يضم كل التشكيلات السياسية بما فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ. ولم يشترط النظام العسكري إلا شرطين. التنديد بالعنف الحاصل والكفاح ضد الإرهاب من جهة وضرورة أن يكون تعيين رئيس الدولة من صلاحيات الجيش وحده . والأكثر من ذلك أعربت السلطات عن استعدادها لإعطاء مجموعة من الوزارات لإسلاميي الإنقاذ، باستثناء وزارات السيادة، أي الدفاع، الداخلية والخارجية . وفي المقابل رفضت الجبهة الإسلامية للإنقاذ هذه العروض معتقدة أن الزمن يعمل لصالحها وأن انتصارها محتوم لا محالة إن آجلا أو عاجلا.
كما بينت المحاولة الثانية للسلطات الجزائرية في سبيل إجراء حوار مع الحزب المنحل مدى شعورها بالعجز تجاه تفاقم العنف وخروجه من سيطرتها. فبعد أن عين اليامين زروال رئيسا للدولة على إثر الندوة الوطنية التي عقدت أيام 23 إلى 26 يناير/كانون الثاني 1994. قام بأول مسعى من أجل المصالحة في صيف 1994. فوضع عباسي مدني وعلي بن حاج تحت الإقامة الجبرية بعد أن تم إخراجهما من السجن. وأجرى محادثات مكثفة معها. لكن فشل المسعى مرة أخرى في أواخر شهر أكتوبر/تشرين الأول من نفس السنة بعد تعنت علي بن حاج ودعوته المستمرة للعنف الذي وصفه بالجهاد. شرح الرئيس اليامين زروال سبب الفشل في خطاب له للتلفزيون الجزائري ذكر فيه أن الإسلاميين لم يكونوا مستعدين للعودة إلى السلم، وأن الدولة عازمة من هنا فصاعدا على استئصالهم .
أما محاولة الحوار الثالثة، والتي دلت على عجز السلطات الجزائرية، فقد تمت في شهر حزيران / يونيو 1995. تحدثت الصحافة المحلية في هذه الفترة عن إمكانية الوصول إلى اتفاق قريب بين رئاسة الجمهورية وقيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وجرت محادثات سرية بين الطرفين. ولكن مرة أخرى تفشل المحاولة بعد أن أدلت رئاسة الجمهورية ببيان أفادت فيه بفشل المفاوضات وحملت الإسلاميين مسؤولية هذا الفشل .
لم يتصور العسكريون في حقيقة الأمر أبدا إمكانية أن يمتد العنف بهذا الحجم وبهذا الزمن. ولم يخطر على بالهم أن تدخلهم سيؤدي إلى “حرب أهلية” طويلة الأمد. كانوا ينتظرون “بضعة اضطرابات لدى الشارع الجزائري تمتد لبضعة أشهر وتخرج من المساجد، وتنتهي بالتلاشي أمام عملية قمع وتحييد الكوادر الأكثر الخطورة” . ويشرح لهواري عدي إستراتيجية العسكريين في محاولتهم تحييد ومن ثمة استئصال مناضلي الجبهة الإسلامية للإنقاذ من خلال القوة، فيذكر أنهم اعتمدوا في الآن نفسه أيضا على إستراتيجية موازية هدفت إلى “استئناسهم ثم تشريكهم في الحكم” . ويستنتج أن ما حدث يعبر عن تناقض شديد لدى العسكريين. “فمن جهة يريدون إنهاءهم من خلال عمليات قمع كثيف، ومن جهة أخرى يتحاورون معهم من أجل التوصل إلى حل وسط تكون فيه السلطة الحقيقية بيد العسكر” .
لقد تمثلت خطة العسكريين في الواقع ومنذ بداية أزمة 1992 في عزل قيادة الإنقاذ عن قاعدتها الشعبية. وحتى تحقق هذا الهدف قاموا باعتقال للقادة والكوادر الوسطى ووضعهم في السجن، أو الإلقاء بأغلبهم في معتقلات جماعية في جنوب الصحراء. وشجعوا في الوقت نفسه بعض نشطي وقادة الإنقاذ على التمرد على الجبهة والانسحاب منها والالتحاق بصفوف السلطة. لكن هذه الخطة لم تنجح، بل أدت إلى فشل ذريع خاصة في الفترة الممتدة بين 1992 و1994. هذا الفشل، حسب لهواري عدي، جاء نتيجة لحسابات خاطئة قام بها العسكريون الذين لم يعطوا الأهمية اللازمة لثلاثة عوامل رئيسية وهي “أولا : عدم شعبية النظام ومساندة قسم من الشعب للجبهة الإسلامية للإنقاذ، ثانيا: التأثير المباشر الذي أحدثه إيقاف الانتخابات كصاعق أدى إلى الانفجار لدى شباب كبت لمدة طويلة تطلعه لاستخدام السلاح. ثالثا: التضامن العائلي أو الجهوي إضافة للمدى الذي وصلت إليه عمليات القمع التي دارت خارج إطار القانون وحقوق الإنسان” .
مدونة رياض الصيداوي
http://rsidaoui.blogspot.com/

المصدر:الحوار المتمدن