لا تاريخية مفهوم الجهاد المعاصر وإسقاطاته على واقع مغاير1

مفهوم الجهاد المتداول اليوم هو مفهوم يتميز بلا تاريخيته. أي هو أُخذ من نسق تاريخي محدد ليفرض على واقع غير متجانس معه. وإنما ترعرع هذا المفهوم فقط على المستوى الذهني لمن يؤمن به. فهو مفهوم ذهني ولكنه مستحيل وغير منطقي في عالمنا اليوم. لذلك يعتبر بعضهم ضرب المدنيين في نيويورك وواشنطن عملا جهاديا يستحق التنويه والتثمين، أما أكثرهم فلا يري في مثل هذه الأعمال إلا خسارة تلحق بالإسلام أولا وذلك من خلال تشويه صورته، وخسارة تلحق بصورة القضية الفلسطينية لدي الرأي العام الدولي، هذه الصورة التي اكتسبت منذ آخر انتفاضة كثيرا من الأصدقاء والمتعاطفين.. في كل الأحوال لابد من تأكيد لاتاريخية الخطاب الجهادي المعاصر. واللاتاريخية Ahistorique، تعني نزع مفهوم من سياقه التاريخي الخاص وإقحامه في نسق مغاير تماما للنسق الذي ظهر فيه. يهدف هذا المقال إلى البحث في مستويين من العنف الأصولي الحاصل في العالم اليوم. يعتمد المستوي الأول تحليل الخطاب. أما المستوى الثاني فيتعلق بالحركة. مع تبنينا لمقولة إن الخطاب نفسه يمثل في أحد صوره حركة. فالكلمة يمكن أن تكون إرهابا.
مقاربة علم السياسة
يقول دومنيك فيزلار عالم السياسة السويسري بصدد العنف: ” يخيل إلينا عادة أن العنف السياسي ينبع من خارج الواقع الاجتماعي المعيش. وعند بروزه المفاجئ الصدامي، نلتجئ إلى وصفه بالقطيعة، باللاعقلانية، ثم نطلب من علم النفس أن يفسره لنا”. يرتبط عنف بعض الجماعات الإسلامية الراديكالية المنشقة بنسق فكري عقائدي بشكل وثيق. يتميز هذا النسق بغلبة صفة دينية أسطورية عليه. إنه حسب اعتقادقهم واجب، أو فرض باللغة الدينية، يجب علي كل مسلم تأديته. إنه الجهاد.
سوسيولوجيا الجهاد
حاول الفكر الديني السلفي، عبر هذا المفهوم، تقسيم العالم إلى قسمين متقابلين: أي دار الإسلام من جهة ودار الحرب من جهة أخرى. فبالنسبة إلى الأرثودكسيين الإسلاميين، يعد الجهاد حربا تُخاض ضد الآخرين، كما تخاض ضد الأنا. أي أنها ضد العدو الخارجي كما هي في الوقت نفسه ضد العدو الداخلي، أي النفس. أي ضد ضعف المسلم وعدم كماله.
بالنسبة إلى الجهاد ضد العدو الداخلي المتمثل في النظام القائم، يتمزق الإسلاميون في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي، مثلهم مثل كل الحركات الإسلامية السنية، بين خيارين استراتيجيين متناقضين. الخيار الأول يعتمد على مفهوم الأسلمة من القاعدة في حين يعتمد الخيار الثاني على مفهوم الأسلمة من القمة. هذا التقسيم وقع التفطن إليه والتنظير له من قبل بعض الباحثين الغربيين المهتمين بالحركات الإسلامية. يعتبر جان فرانسوا بايار أول من انتبه إلى هذا التقسيم عندما ميز بين العمل السياسي من القمة والعمل السياسي من القاعدة. ثم طبقها فيما بعد على الحركات الإسلامية عالم الاجتماع الفرنسي جيل كيبيل وزميله المختص في الحركات الإسلامية أوليفياي روا اللذان ميزا بين أسلمة ثورية من القمة وأسلمة اجتماعية من القاعدة. يرى كيبيل أن تطور الاحتجاج الإسلامي لم يتم في منهج خطي. فهو ينبهنا إلى تغيير في استراتيجية الحركات الإسلامية منذ سنوات الثمانينيات. منذ هذه السنوات فضلت الحركات الإسلامية التى شدت انتباه السلطات ووسائل الإعلام (…) عملية الأسلمة من الأسلمة من القمة أم من القاعدة القمة.
إن الاتجاه الذى يعتمد علي الأسلمة من القاعدة يعكس دائما منهجا سلميا في العمل السياسي. فهو يلفظ صراحة العنف، ويؤمن بالتربية والتعليم اللذين لابد أن يشملا كل السكان، كل طبقاتهم حتي ولو تناقضت اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. فهم يهدفون على مدى بعيد إلى امتصاص كل المعارضات التي تواجه مشروعهم الإسلامي. ومن ثمة أسلمة المجتمع كافة، بما فيه مؤسسات الدولة مثل الجيش والشرطة والأحزاب السياسية والنقابات… يعتقد هذا الاتجاه أن الزمن سيلعب في نهاية المطاف لصالحه.
نجد لهذا الخيار تجسيدا في حركات الإخوان المسلمين خاصة في مصر والأردن وكذلك في حمس في الجزائر أو حتى تيار الجزأرة في الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة.
الخيار الثاني
أما الخيار الثاني فيتعلق بالأسلمة من القمة. هذه الاستراتيجية تعتمد على العنف المسلح للوصول إلى السلطة. فهي تعتقد في الجهاد في بعده المادي وليس الروحي. وترى أنه لا بد للحركات الإسلامية من الانقضاض على أجهزة الدولة حتي تؤسلم المجتمع بالعنف، عنف الدولة المنظم علي حد تعبير ماكس فايبر. إنها ترفض “جاهلية المجتمع” وتهدف إلي إعادة صياغته طبقا لما تعتقد أنه الشريعة الإسلامية.
اللجوء إلى العنف
تعتقد هذه الاستراتيجية أنه يجب على الحركة الإسلامية، وهي حركة عالمية تهدف إلى تأسيس ما يماثل أممية إسلامية، أن تستخدم العنف حتى تستولي على السلطة متجسدة في أجهزة الدولة وخاصة القوات المسلحة والشرطة للتمكن لاحقا من بناء المجتمع الإسلامي. فالدولة القهرية هي التي يجب أن تبني المجتمع الذي يناسبها وليس العكس. لقد تأثرت هذه النزعة ــ الاستراتيجية بمفكرين معروفين، هما السيد قطب من مصر وأبو الأعلي المودودي من باكستان. لقد برر الاتجاه المتطرف في كل الحركات الإسلامية المسلحة أعمال العنف التي قاموا بها أو مازالوا يقومون بها معتمدين على مثل هذه المراجع السياسية الدينية. ومن ثمة لابد من التطرق لأفكار هذين المفكرين.
موقف بادي
يشرح عالم الاجتماع الفرنسي برنارد بادي في كتابه “الدولتان” مسألة الجهاد فيكتب أن واجب المؤمن لم يعد قاصرا على احترام وجوب الأمير والحاجة إليه، حتى ولو كان غير عادل، ولكنه على العكس، يتعدي ذلك ليصل إلى معركة تحرير الإنسان من عدوه الداخلي ومن عدوه الخارجي. أي من الكافر كما من المؤمن الذي يعمل لصالحه أو ببساطة يقلده. ويضيف بادي : إن المعركة من أجل الـله تصبح مطلقا حتى أن حجة الفرصة أو الضرورة لا يمكنهما أن يوقفانها: إن هدفها هو الجاهلية، التي لا توجد في أي واقع جغرافي، وإنما تعني فقط كل نقص في نظام الحقيقة. ومن ثمة يصنف في الخانة نفسها فرعون الأمس أو فرعون اليوم. الأمير الغربي المشرك أو الأمير الشرقي الكافر. القتل، الطغيان أو الثورة جميعهم مقبولون في هذا المشروع، بما أنها عمليات تساهم في إعادة بناء الأمة وذلك في مواجهة فتنة لا يمكن نسبها إلى الحركات الاجتماعية ولكنها تدرك من أجل أن يحدد فعل الأمير الذي لا يطيع القانون.
راديكالية قطب والمودودي
فالخطاب القطبي يعتقد أن الجاهلية تمثل الانحراف عن نهج الإسلام ماضيا أو حاضرا. يقول السيد قطب : “فنحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية… تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم، حتى الكثير مما تحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرا إسلاميا…هو كذلك من صنع هذه الجاهلية.
ومن هنا يصبح خطاب الإسلاميين خطاب جهاد. يري السيد قطب أن الجهاد لا يجب أن يكون مقتصرا على دار الحرب بل لا بد أن يتعداه إلى دار الإسلام عندما نجد أن الحاكم أو السلطان لا يطبق قوانين الـله.
أما أبو الأعلي المودودي فهو يميز بصرامة بين الجمهورية الإسلامية و الجمهورية الغربية. ففي هذه الأخيرة تأتي السلطة من الجماهير: إن صلاحيات الحكم وتنفيذ الأوامر (…) هي من احتكار الجماهير التي تمسك بدواليب السلطة، تشرع الجماهير، وتطبق كل التشريعات التي تعرضها. النتيجة، أن هدف مثل هذه الحكومات سينحصر في أفضل الحالات في البحث عن تعاطف جموع المواطنين الذين يشكلون السلطة أما في الإسلام فإن السلطة ملك للـه وحده. وأخيرا يعتقد أن الجماهير مجبرة في الإسلام على التشبث وتطبيق القوانين الشرعية المقدسة التي جاء بها الرسول. ومن جهة أخرى فإن اختيار الأمير يجب أن يمر عبر معايير محددة سلفا بدقة مثل (تقواه)، معرفته الكاملة بالإسلام و قدراته على تصريف شؤون الحكم. ويفسر عبد الغني عماد رأي المودودي بتأثره الشديد ببيئته. ويقول إن السبب يكمن في مناخ الحصار حيث يعيش المودودي عقدة الاضطهاد الاستعماري وقهر الأغلبية الهندوسية التي ترفع شعار: السيادة للأمة، والدولة الديمقراطية، وهذه الشعارات إذا ما طبقت فسوف تحول الأقليات الإسلامية إلى جاليات مقهورة ومغلوبة. في ظل هذا المناخ بدأ استخدام مفهوم الجاهلية الجديدة و الحاكمية للـه بكثافة من قبل المودودي. لا بد من التنبيه مرة أخرى أن قسما كبيرا من الإسلاميين في الوطن العربي بقي حذرا تجاه هذا الفكر الثوري. ويعود ذلك إلى تأثير فكر الإخوان المسلمين المصري بقيادة مأمون… أما النزعة المتطرفة الجهادية فهي تتجسد عمليا في الجماعة الإسلامية المسلحة، ونظريا في الفكر السلفي الجهادي. (يتبع

المصدر:الحوار المتمدن