لماذا لم تشهد الجبهة الاسلامية للانقاذ في الجزائر زعيما كاريزميا؟ – بين مدني وبن حاج والراحل حشاني

يجب التنبيه بداية الي اننا نرصد غياب ظاهرة الكاريزما ليس فقط لدي الاسلاميين الجزائريين وانما حتي لدي النظام نفسه الذي لم يشهد ظاهرة الزعيم الكاريزمي. هذا تميز جزائري لم يدرس الي حد اليوم كما يجب. فلماذا لا تبرز زعامات كاريزمية مطلقة في الجزائر مثل غيرها من البلدان العربية والاسلامية؟ فالثورة الاسلامية في ايران كانت تحت قيادة زعيم كاريزمي اوحد. لم ينازع الخميني في قيادته المطلقة احد. بل ان خطبه النارية التي انتشرت عبر اشرطة الكاسيت ساهمت الي حد كبير في عمليات التعبئة الجماهيرية وانجاح الثورة. نفس الشيء ولو بدرجة اقل، مارس زعماء الحركات الدينية في الوطن العربي والعالم الاسلامي قيادة كاريزمية علي انصارهم، تحصلوا من خلالها علي كثير من الصلاحيات، انه يبدو بديهيا القول ان ظاهرة الكاريزما الطبيعية او المصطنعة تبقي الشرعية الوحيدة المتوفرة في الوطن العربي في غياب الشرعية العقلانية شرعية الانتخابات وصناديق الاقتراع فالقائد في الوطن العربي ما زال يحيط نفسه بهالة التقديس ويتصرف بدون محاسبة. والغريب في الامر ان الملاحظة نفسها تنطبق علي احزاب المعارضة العربية التي نادرا ما تغير ما يسمي بقيادتها التاريخية الكاريزمية.

الجزائر الاستثناء

تمثل الجزائر استثناءا في الوطن العربي فكما ان النظام لم يشهد مثله مثل مؤسسته العسكرية زعيما كاريزميا مطلقا، فان الحركة الاسلامية بصفة عامة والجبهة الاسلامية بصفة خاصة تشتتت بين قيادات مختلفة فشلت الجبهة في تجسيد نفسها في خميني جزائري يمكنه تجميع الكل والانفراد بالقرار. اننا نجد في الجزائر حوالي اربع حركات اسلامية، واحدة منها تم حلها اي الجبهة الاسلامية للانقاذ. اما الاخريات فهن حركة حمس بقيادة الشيخ محفوظ نحناح، حركة النهضة بقيادة آدمي وحركة الاصلاح الوطني بقيادة عبد الله جاب الله.
نرصد علي مستوي الجبهة الاسلامية للانقاذ محور مقالنا، تواجد ثلاثة شخصيات مؤثرة تتنازع القيادة، اولها عباسي مدني. ثانيها علي بن حاج ثالثها عبد القادر حشاني ــ رحمه الله ــ. لكل منهم اسلوبه المختلف ونقاط ضعف ونقاط قوة.

الراحل حشاني

يمثل الراحل عبد القادر حشاني التيار الاكثر سياسة واقعية ومن ثمة اعتدالا. يؤمن بالشرعية حتي ولو اكتسبت من داخل النظام نفسه. يعد حداثي ومستعد دائما للتفاوض والموافقة علي الحلول الوسطي. يبلغ من العمر حوالي 40 عاما من مواليد قسنطينة (شرق الجزائر) عمل مهندسا بتروليا في شركة سوناتراك، اكبر مؤسسة اقتصادية عملاقة في البلاد تختص في استغلال النفط، نقله وتصديره. كان ابوه عضوا في المنظمة الخاصة التي شكلت المنبع الاول لقادة جبهة التحرير الوطني. يمثل تيار الجزأرة. تمثلت اهم اعماله في اقناع اعضاء الجبهة وانصارها بضرورة خوض الانتخابات التشريعية بعد ان تم اعتقال الشيخين مدني وبن حاج. فقاد منذ تموز (يوليو) 1992 المكتب التنفيذي للجبهة الذي انبثق من مؤتمر باتنة ثم وقع سجنه في 27 ايلول (سبتمبر) 1991 واطلق سراحه بعد شهر حتي يشرف علي مشاركة الجبهة في الانتخابات. وتم اعتقاله مرة اخري مع رفاقه علي اثر احداث كانون الثاني (يناير) 1992 ورفض في شهر شباط (فبراير) 1994 الخروج من السجن تضامنا مع رفاقه فلم يشارك في ندوة الحوار الوطني الذي نظمته السلطات الجزائرية، واطلق سراحه سنة 1997.

انتصار التيار السلفي

ترك غيابه عن الساحة السياسية بسبب الاعتقال فراغا كبيرا لدي اسلاميي الجبهة نتج عنه انتصار التيار السلفي الاكثر تطرفا والمنادي باستخدام العنف المسلح تحت ذريعة الجهاد. ويبدو ان السلطة ادركت متأخرة انها اخطأت في اعتقاله لانها فتحت الابواب علي مصراعيها امام جيل من الشباب متلهف لاستخدام العنف في اقصي حدوده يبقي حشاني رجل تنظيم وجهاز مستعدا دائما للتفاوض والحوار مما جعله من المفضلين لدي السلط علي عكس علي بن حاج او حتي عباسي مدني الذي لا يرغب في الذهاب بعيدا في خسارة تأييد التيار السلفي يمثل اغتياله خسارة شخصية للرئيس عبد العزيز بوتفليقة ولمشروعه الطموح في الوئام المدني، الذين اغتالوه يمكن ان يكونوا استئصاليين كما يمكن ان يكونوا متطرفين اسلاميين من الجماعة الاسلامية المسلحة.

عباس مدني

يعتقد بعض المحللين ان عباسي مدني يمكنه ان يعد القائد الاول لتنظيم الجبهة الاسلامية للانقاذ، اي اكثر القادة تأثيرا. لا بد من مناقشة هذا الحكم. تعود الاصول السياسية لعباسي مدني الي ما قبل حرب التحرير الوطني 1954 ــ 1962 حينما نشط في حركة انتصار الحريات الديمقراطية بقيادة مصالي الحاج. انضم الي جبهة التحرير الوطني منذ تأسيسها. ولم يسعفه الحظ في عملية الكفاح حيث سجنته السلطات الاستعمارية حتي اعلان الاستقلال سنة 1962. اصطدم مبكرا بسبب افكاره الدينية مع النهج الاشتراكي الذي اتبعه كل من الرئيسين احمد بن بلا (1962 ــ 1965) وهواري بومدين (1965 ــ 1978) انضم الي جمعية القيم التي تأسست سنة 1963. وفي سنة 1966 تم منع هذه الجمعية وحلها لاحقا سنة 1970 وفي شهر تشرين الثاني (نوفمبر) وقع مدني مع اخرين نداءا حررته الحركة الاسلامية ووجهته الي السلطة القائمة انذاك (الشاذلي بن جديد) فوقع سجنه الي حدود سنة 1984. يصفه عمار بلهايمر كنتاج اصيل لجبهة التحرير الوطني حيث كان واحدا من قادتها المحليين المنتخبين اذ انتخب علي رأس المجلس الشعبي بولاية الجزائر في بداية سنوات السبعين. وهو ابن النظام الذي ارسله في تلك الفترة الي بريطانيا لاعداد رسالة دكتوراه في علم التربية مستفيدا من منحة حكومية (…) هو رجل بارد يقدر علي تحقيق نجاح مهني اكثر من تنفيذ مثل عليا. يستطيع التعامل مع كل الاتجاهات التي تخترق الحركة الاسلامية. ورغم صفاته التوفيقية ونزعته نحو التفاوض وايجاد حل وسط فان زعامته هددت في اكثر من مرة.

تهديد الزعامة

اول تهديد جاء سنة 1991 من قبل ثلاثة اعضاء في الجبهة حيث اختلفوا معه وانسحبوا منها متهمينه باحتكار القرار والابتعاد عن الشريعة. وثاني تهديد واجهه اثناء ازمة آذار (مارس) 1992 عندما اتخذت السلطات قرار حل الجبهة الاسلامية للانقاذ فتم تشكيل قيادة جماعية من قبل المكتب التنفيذي الوطني للجبهة وعلي رأسه سبعة اعضاء رئيسيين. تشكلت القيادة الجماعية الجديدة من: عبد القادر حشاني، محمد السعيد، عثمان عيساني، رابح كبير، احمد الزاوي، احمد الناجوري، الشراطي يخلف. نلاحظ ان اغلب القيادة الجديدة جاءت من تيار الجزأرة. ولا بد كذلك من التنبيه الي ان عباسي مدني نفسه الذي حاول لعب دور الوسيط المؤلف بين التناقضات يعد شديد القرب من هذا التيار.
اما اليوم، فان سلطة عباسي مدني تبدو رمزية اكثر منها فعلية. فمن جهة، نجد الجماعة الاسلامية المسلحة ترفض قيادته بل تتهمه بالخيانة والتعامل مع الجيش الجزائري ضدها حينما تتم عمليات التفاوض بينهما. ومن جهة ثانية علي المستوي التنظيمي لا يبدو ان مدني يقود ما تبقي من الجبهة بعد الضربات الامنية التي تلقتها. فقيادتها ممزقة بين كتلتين يقود الاولي رابح كبير من المانيا والكتلة الثانية يقودها انور هدام من امريكا. اما من الناحية العسكرية فان الجيش الاسلامي للانقاذ تصرف باستقلالية كبيرة عن مدني حينما اعلن عن هدنته من جانب واحد في اواخر سنة 1997. فعندما كان مدني يتفاوض مع الرئيس السابق اليامين زروال، قامت المخابرات العسكرية بعقد صفقة مع مدني مزراق امير الجيش الاسلامي للانقاذ مما وضع مدني وزروال في موقف من تجاوزتهما الاحداث. اضافة الي صعوبة الاتصال والتواصل والتشاور مع اعضاء الجبهة المنحلة الذين انتشروا في اماكن كثيرة من العالم.

علي بن حاج

يمثل علي بن حاج قيادة التيار السلفي داخل الجبهة الاسلامية للانقاذ يعد من اشد الراديكاليين المنادين بمفهوم الجهاد. تطلق عليه وسائل الاعلام الاجنبية لقب الرجل الثاني . ولد في تونس سنة 1956. اصله من ولاية ادرار، جنوب الجزائر. تحصل علي ثقافةٍ دينية ودرس اللغة العربية لم يتحصل علي شهادات علمية عليا في الجامعة علي عكس مدني. عمل مدرسا للغة العربية. كان مقربا من الحركة الاسلامية الجزائرية بقيادة مصطفي بويعلي. سجن من سنة 1983 الي سنة 1987. وكان من مؤسسي الجبهة حيث شغل منصب عضو مجلس الشوري. دعا يوم 25 حزيران (يونيو) 1991 الجزائريين الي حمل السلاح ضد الدولة. فتم اعتقاله وسجنه من يوم 30 من نفس الشهر الي اليوم. يتميز بخطابه الشاعري الحماسي غير العقلاني فاصبح من اكبر الخطباء القادرين علي الهاب العواطف وحشد التعبئة. يعود الفضل في اشعاعه السياسي الي قدراته الخطابية الفائقة التي اكتسبها منذ ان كان اماما في مسجد السنة بباب الواد ومسجد بن باديس في القبة. تفوق في امكانية ربط المستمعين بخطبه وانبهارهم بها. لا بد من الاقرار ان كثيرا من قادة الحركات الدينية قد اكتسبوا سلطتهم الكاريزمية من امكاناتهم الخطابية وقدراتهم علي التأثير في الناس بسحر البيان الديني واللعب علي اكثر من مستوي مشاعري سياسي ثوري.. انظر مثال الشيخ كشك في مصر.

روح الجبهة؟

وصفه احدالصحافيين بانه روح الجبهة الاسلامية للانقاذ.. اصبحت انتقاداته العنيفة ضد السلطة مسجلة في ذاكرة الجميع. وبينما هو يعيش في السجن، فان اشرطة الكاسيت التي سجلت له تنتقل بين آلاف الاشخاص مخفية في معاطفهم. تأثيره علي شباب الاحياء الفقيرة لا حدود له وما زال ساري المفعول. وهو علي عكس عباسي مدني، او بخاصة عبد القادر حشاني ليست له اية قدرات ادارية فهو ليس برجل جهاز، ولا رجل تنظيم. سياسته بسيطة تعتمد علي مفهوم التعبئة من خلال التلويح بالجهاد والرفض الدائم والمنهجي لكل ما هو بدعي (تجديد).

فشل في خلق زعيم

يمكننا الاستنتاج ان الجبهة الاسلامية للانقاذ فشلت في خلق زعيم كاريزمي خاص بها يشابه زعامة الخميني مثلا. فالسلطة السياسية في الجزائر بشكل عام ومهما كان اتجاهها كانت دائمة العجز في ان تتشخص وتخلق عصبية تدور حول فرد بعينه. ان صعوبة ايجاد زعامة كاريزمية في هذا البلد يمكن تفسيرها بعدة اسباب. نعتقد ان السبب الرئيس يكمن في الثقافة السياسية التي اكتسبها هذا البلد اثناء تجربته في الكفاح الوطني وحرب التحرير. لقد اكتسب ثقافة عدم تأليه الافراد. فقد كان الشعار المركزي لقادة جبهة التحرير الوطني اثناء حرب التحرير لا يوجد الا زعيم واحد: وهو الشعب . ومنذ تلك الفترة فشل الساسة الجزائريون في انتاج الزعامات سواء تعلق الامر بالحكم او بالمعارضة. انظر كم رئيسا جزائريا تم خلعه او استبعاده او حتي اغتياله. باستثناء بومدين، نجد ان جميع الرؤساء الجزائريين ازيحوا بطريقة ما من الحكم. والطريف في الامر ان ازاحتهم لم تتم من قبل المعارضة ولكن من داخل النظام نفسه يمكننا ايضا الانتباه الي دور الاستعمار الفرنسي الذي قضي علي السلط التقليدية مثل سلطة الداي واعوانه. وقام بحكم البلد مباشرة من خلال اجهزته ومفوضيه فانعدمت الزعامات التقليدية وانعدمت معها فكرة الزعيم.

توزع السلطة

لقد كانت السلطة في هذا البلد بجميع اشكالها موزعة علي تكتلات افراد او جهات.. ولكن لم تكن ابدا ممركزة في يد واحدة. صدق من قال ان الجبهة الاسلامية للانقاذ هي في نهاية المطاف امتداد لجبهة التحرير الوطني ورثت منها الكثير من المحاسن كما ورثت منها ايضا الكثير من العيوب.
الحركة الاسلامية في الجزائر لها صفات مشتركة مع بقية الحركات الاسلامية في الوطن العربي كل هذه الحركات تتميز بشعبويتها وقدراتها التعبوية علي اختراق كافة الشرائح الاجتماعية والاقتصادية والطبقية دون تمييز. فهي ليست صوتا طبقيا معينا اذ تتيح للجميع امكانية الاندماج في ما يتعلق بالقيادة الكاريزمية وامكانية قبولها بزعماء مطلقي النفوذ، بزعماء انصاف آلهة وذلك يعود الي طبيعة الثقافة السياسية لدي الشعب الجزائري. هذه الثقافة المخضبة بدماء حرب التحرير تمنع الكاريزما وكانت دائمة الايمان بان لا زعيم الا الشعب. غاب عبد القادر حشاني، الرجل الثالث في الجبهة وصاحب النزعة العقلانية البرغماتية، وبقيت الانقاذ بين زعامة علي بن حاج الشاعري الحالم وعباس مدني رجل التوازنات السياسية.

المصدر:الحوار المتمدن