مشروع ولد ميتاً ولا تتبناه الجماهير ولا تتحمس له – مشروع اتحاد المغرب العربي فكرة فرنسية هدفها محاربة القومية العربية

لم أكن يوما متحمسا لفكرة المغرب العربي. فأنا متحفظ أصلا علي المفهوم الذي جاء ليقسم الوطن العربي إلي جزءين في سبيل إرضاء النفوذ التاريخي لفرنسا في المنطقة. بل ان هذا المفهوم وجد صدي إيجابيا في فرنسا التي يطلق سكانها علي سكان هذه المنطقة Les Maghrebins. وجاءت ترجمة عربية رديئة لهذا التعبير فأطلق بعضهم علينا تعبير المغاربيين . لقد أصبحنا فجأة مغاربيين، حتي نميز عن تعبير مغاربة، أي نسبة إلي المغرب. كل ذلك حتي لا يقال أننا عرب نمثل جزءا لا يتجزأ من هذه الأمة العربية التي يبدو أنها لم تعد خالدة ولا هم يحزنون. بل هناك من أراد ترسيخ هذا المفهوم لتجنب وصف عربي، وكأن القول بأنني عربي أصبحت لعنة ترادف الانحطاط والتخلف. فبعض المهاجرين العرب في أوروبا مثلا حينما يسألون عن هويتهم يقولون أنهم مغاربيين..
أنا اعتقد أن فكرة المغرب العربي لا تجد صدي إلا لدي فرنسا والسوق الأوروبية المشتركة التي تريد أن توحد هذه المنطقة كسوق وليس كثقافة أو شعب. وهي فكرة تحمس لها الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة في الستينات لضرب المد القومي العربي الذي هدد الأنظمة الوطنية في هذه المنطقة وبخاصة في تونس التي يحتوي حزبها الحاكم أصلا، أي الحزب الدستوري، في تلك الفترة علي كثير من القوميين العرب الذين جسدهم الزعيم الراحل صالح بن يوسف.. أما حججي علي هذا الطرح، فهي وجود تيار شعبي قوي لحركة القومية العربية بشقيها الناصري والبعثي منتشر في النقابات والجمعيات وفي الجامعات ولدي كثير من المثقفين في تونس والمغرب وبشكل خاص في موريتانيا وحتي في الجزائر.. في حين أنني لم أسمع أبدا عن تيار مغاربي أو حتي عن مناضل مغاربي ، أو أيديولوجية مغاربية.. فالفكرة في الأساس لم تنبع من الجماهير وإنما أسقطتها فرنسا من فوق وتلقتها الأنظمة القائمة وفشلت في تجسيدها.
أما اليوم، فقد تأكدت لي هذه الأطروحة عندما استمعت إلي بيان الوزير الجزائري للشؤون الإفريقية والمغرب العربي الذي ندد فيه باحتلال المغرب لجزيرة ليلي ودعم الموقف الإسباني. فالجزائر انحازت إلي إسبانيا الشقيقة ضد المغرب العدو . فعن أي مغرب عربي يتحدثون؟
وبرغم أن الفكرة في الأصل فكرة فرنسية استعمارية هدفها خلق كتلة الثقافة الفرنكوفونية في المنطقة، فإن كثيرا من الوحدويين العرب قبلوا بهذا التجمع الإقليمي وشعارهم حتي توحيد دولتين أفضل من لا شيء ، مثلما حدث مع اليمنين. لكن النتيجة فشل اتحاد المغرب العربي، وهذه بعض الأسباب.

العامل السياسي
من الضروري التأكيد، أن العامل الأقوي في عرقلة مشروع بناء اتحاد المغرب العربي هو العامل السياسي. حيث ضعف التناقض الاقتصادي الأيديولوجي بين الاختيار الاشتراكي أو الرأسمالي. كما يمكن التغلب علي العائق الثقافي بتقوية عمليات التعريب التي قطعت أشواطا كبيرة في المنطقة. أما العامل السياسي فإن حضوره شديد. بل يمكن القول أن ما أنجزه الاقتصاديون تم التخلي عنه من قبل السياسيين.
في بداية السبعينيات، دخلت دول المغرب العربي في سياسة المحاور والتحالفات الثنائية بدل العمل الجماعي. والغريب هو ظهور محاور مؤقتة سرعان ما تتفكك لصالح محاور جديدة متناقضة كليا مع المحاور الأولي. فتونس وليبيا أعلنتا في شهر كانون الثاني (يناير) 1974 وحدة اندماجية بينهما سرعان ما تنصلت منها تونس في السنة نفسها. وهو ما أدي لاحقا إلي ما يشبه الحرب الباردة بين البلدين حيث تنتعش العلاقة تارة وتتوتر تارة أخري.
ثم قامت تونس والجزائر بتوقيع اتفاقية الأخوة والتعاون في شهر آذار (مارس) 1983 في مدينة تونس والتحقت بهما موريتانيا. وقد نظرت الرباط وطرابلس بعين الشك لهذا التحالف، حيث عدتاه موجها ضديهما، فردتا الفعل وأسستا الاتحاد العربي الإفريقي في شهر أغسطس 1984 في مدينة وجدة المغربية. لكن سرعان ما تفكك هذا الاتحاد سنة 1986.

التجربة الجدية
أما التجربة الجماعية الأكثر جدية في تاريخ دول المغرب العربي المعاصر فهي التي بدأت مع سلسلة اجتماعات لقادة هذه الدول، أهمها اجتماع مدينة مراكش المغربية الذي انعقد في 17 شباط (فبراير) 1989 وتبني معاهدة المغرب العربي. وأنشأ رؤساء دول الغرب العربي في شهر تشرين الثاني (يناير) 1990 الأمانة الدائمة للاتحاد، بالإضافة إلي أكاديمية العلوم وجامعة مغاربية في شهر تموز (يوليو) 1990 كما أنشئوا مصرف استثمار وتجارة خارجية في شهر آذار (مارس) 1991. في هذه الفترة انتعش اتحاد المغرب العربي قليلا، لكن سرعان ما تدهورت أوضاعه لعدة أسباب.

استياء ليبيا
فليبيا، استاءت من عدم تضامن دول المغرب العربي معها في مواجهة الحصار الدولي الذي تعرضت إليه بسبب قضية لوكربي. و اكتشف زعيمها أن إفريقيا السوداء أقرب إليه من العرب ومن دول المغرب العربي فأعلن خطابا معاديا للعرب والعروبة. أما علاقة المغرب والجزائر فقد وصلت إلي شبه قطيعة. حيث تتهم الجزائر بشكل مباشر أو غير مباشر المغرب بمساعدته للجماعات الإسلامية المسلحة في حربها ضد دولتها. ونشر اللواء المتقاعد خالد نزار مقاله الشهير في يومية الوطن الجزائرية متهما فيه بصريح العبارة الاستخبارات المغربية بمساعدتها للإسلاميين المسلحين. أما المغرب، فقد اتهم بدوره الجزائر بكون مخابراتها العسكرية كانت مسئولة علي تفجير فندق مراكش في آب (أغسطس) 1994، وفرض التأشيرة علي الرعايا الجزائريين وردت الجزائر الفعل بأن أغلقت حدودها رسميا مع المغرب. في هذه الفترة، استخدم تعبير تجميد اتحاد دول المغرب العربي. وبدا كأن الاتحاد قد انتهي كلية وتلاشي نصا وواقعا. بل حل الصراع بدل الاتحاد.

فشل اللقاء الأخير
وعاد بعض الأمل لهذا الاتحاد بعد اجتماع لجنة المتابعة في الجزائر يومي 17 و18 أيار (مايو) 1999. وذلك بغاية إنعاشه من جديد بعدما أوشك علي الوفاة الطبيعية. كما التقي وزراء خارجية بلدان المغرب العربي في 19 و20 آذار (مارس) 2001 من أجل التحضير للقاء قمة. غير أنه فشل في ذلك لسنة 2001، فتكررت المحاولة في يومي 16 و17 تشرين الثاني (يناير) 2002 ليحصل أخيرا اتفاق علي اجتماع قادة دول المغرب العربي يومي 21 و22 حزيران (يونيو) 2002 لكن هذا الاتفاق لم يدم طويلا حيث أعلن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة عن تأجيل القمة السابعة لاتحاد المغرب العربي والتي كان من المنتظر أن تنعقد يومي 21 و22 حزيران (يونيو) الجاري في العاصمة الجزائر وذلك بطلب من العقيد معمر القذافي وجاء هذا التأجيل في وسط أجواء صعبة تميزت باشتداد الخلاف الجزائري المغربي حول مشكلة الصحراء الغربية. متي ستنعقد هذه القمة؟ الإجابة تقول عندما تتوفر شروط نجاحها وحتي تنجح هذه القمة السابعة وتعيد الأمل إلي سكان المغرب العربي، وجب الاهتمام أكثر بالجانب الاقتصادي أولا ثم الجانب الثقافي العلمي ثانيا وأخيرا يتدخل السياسي في حدود لا تعرقل الإنجازات الاقتصادية والثقافية والعلمية لأبناء هذه المنطقة.

فشل اقتصادي
ليس مبالغة القول ان مشروع اتحاد المغرب العربي لم يحقق أي نجاح يذكر علي كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية العسكرية. لقد بقي في أدراج المسؤولين منذ ظهر دون أن يتحول إلي واقع كما تم التخطيط له. لم يصل إلي مستوي مشروع مجلس التعاون الخليجي الذي أثبت بعض النجاحات علي الأرض. ولهذا الفشل عدة أسباب موضوعية يتعلق بعضها بطبيعة الاقتصاد لكل بلد، وبعضها الآخر بالأيديولوجيا والثقافة وبعضها الآخر بالتاريخ. إننا نجد دول المغرب العربي مختلفة سياسيا واقتصاديا وحتي إيديولوجيا وثقافيا.

دول نفطية وأخري غير نفطية
فدول المغرب العربي الخمس، يمكن تقسيمها إلي دول نفطية وأخري غير نفطية. فالجزائر وليبيا تشتركان في اعتماد اقتصادهما علي تصدير المحروقات من نفط وغاز الذي تتجاوز نسبته من التصدير الإجمالي التسعين في المائة. أما المغرب وتونس وموريتانيا فيعتمدون أساسا علي قطاعات الفلاحة، الصناعة وبخاصة الخدمات التي ترتكز علي السياحة. وتعيش هذه البلدان، تونس والمغرب بالأساس، تنافسا شديدا في ما بينها. فهي تعتمد في مبادلاتها التجارية علي السوق الأوروبية. حيث نجد تنافسا كبيرا بين المغرب وتونس في قطاع السياحة وتصدير الفسفاط والمنتوج الفلاحي والأنسجة. والغريب أن دول المغرب العربي فاوضت السوق الأوروبية فرادي وليس ككتلة سياسية وجغرافية واحدة. ففي حين كان الآخر موحدا، كانت هي متفرقة بل متنافسة في أغلب الأحيان وهو ما أضعف موقفها التفاوضي. اقتصاديا لا يوجد تماثل بين دول المغرب العربي، بل توجد اختلافات جوهرية. وإن حدثت وحدة بينهم فسترتكز علي التكامل وهو يشكل عامل خوف وحذر بالنسبة إلي السياسي، لأنه لن يجد نفسه حرا في حالة خلاف سياسي شديد (مثل حالة الجزائر والمغرب) في التنصل من التزاماته الاقتصادية عندما تكون مرتكزة علي التكامل وليس علي التماثل.
هذا المشهد الاقتصادي مختلف عن مشهد دول مجلس التعاون الخليجي التي تعيش اقتصادياتها تشابها كبيرا إن لم تقل تطابقا كليا حيث تعتمد علي تصدير المحروقات بجميع أنواعها.

المحاولات الأولي اقتصادية
وحقيقة، كانت المحاولات الأولي في تأسيس المغرب العربي تتجه نحو الاقتصاد وذلك لاستحالة إحداث تقارب سياسي كبير بين دول مختلفة جذريا من الناحية السياسية والأيديولوجية وحتي من ناحية التحالفات الدولية. ففي شهر تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1964 وفي مدينة تونس اجتمع ثلاث وزراء اقتصاد يمثلون دولهم وهي المغرب، الجزائر وتونس واتفقوا علي تأسيس اللجنة الاستشارية الدائمة للمغرب العربي. واجتمعوا ثانية في يوم 26 و27 تشرين الثاني (نوفمبر) 1964 في مدينة طنجة المغربية حتي يؤسسوا اللجنة عمليا. والتحقت بهم ليبيا. لكن سرعان ما دب الخلاف بينهم. ففي شهر تموز (يوليو)1970 اختلفت وجهات نظرهم حول كيفية البناء الاقتصادي للمغرب العربي. فالجزائر وليبيا كانتا من أنصار التجربة الاشتراكية وهيمنة الدولة علي جميع الأنشطة الاقتصادية متأثرتين بالنموذج السوفييتي وبتجربة أوروبا الشيوعية حيث ارتبطتا معهم باتفاقيات تعاون اقتصادي وعسكري. أما المغرب وتونس فقد أعربا عن عزمهما انتهاج الاقتصاد الليبرالي ودعم الرأسمالية الناشئة في وطنيهما منحازين بذلك إلي تجربة الغرب الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ومبرمين اتفاقيات تعاون اقتصادي وعسكري معه. هذا الخلاف أدي إلي انسحاب الجزائر وليبيا من اللجنة التي لم تبق فيها إلا تونس والمغرب.
اليوم، تتفق كل دول المنطقة تقريبا، باستثناء تردد ليبيا، علي ضرورة انتهاج تجربة الاقتصاد الليبرالي. وهو ما يمكنه توحيد أسواقهم ومفاهيمهم في التعامل الاقتصادي وفي التبادل التجاري.

اختلاف ثقافي سببه الفرنسية
من الناحية الثقافية، يمكن تقسيم دول المغرب العربي إلي كتلتين. الأولي تجمع أربع دول (المغرب، الجزائر، موريتانيا وتونس) والثانية تجمع ليبيا منفردة. فالقاسم المشترك للدول الأربعة الأولي هي الحضور القوي للثقافة واللغة الفرنسية في أوطانها. فالفرنسية، لغة شديدة الانتشار في هذه الدول، ولها مناصرون في الإدارة وفي الجامعات وقطاع التعليم وحتي عند السياسيين. فالرئيس عبد العزيز بوتفليقة تحدث في قمة إفريقية باللغة الفرنسية وكان علي الرئيس الليبي معمر القذافي أن يلتجئ إلي الترجمة الفورية ليفهم ما يقوله نظيره الجزائري. تبدو ليبيا نشازا في المشهد الفرنكوفوني للمغرب العربي. فالطلبة الليبيون مثلا لا يستطيعون دراسة كثير من العلوم في بقية البلدان الأخري بسبب عائق اللغة. فتكوينهم أساسا هو عربي ثم أنكليزي. من هذه الناحية، تجد ليبيا نفسها أقرب ثقافيا وحتي جغرافيا إلي المشرق العربي، وبخاصة مصر، من قربها إلي بلدان المغرب العربي. كما تتميز ليبيا باستخدام أيديولوجيا بعيدة كليا عن النهج الليبرالي الذي انتهجته بقية البلدان الأربعة حيث أجمعت هذه الأخيرة علي اختيار منهج التحرر الاقتصادي من جهة ومنهج التعددية الحزبية من جهة أخري. وهي تعتمد علي الانتخابات وصناديق الاقتراع (رغم كثرة علامات الاستفهام المطروحة علي النتائج) في حين تعدّ ليبيا أن التحزب خيانة ، و أن التمثيل النيابي تدجيل … ثم ما زالت الدولة فيها تسيطر علي الاقتصاد. ليبيا، اتجهت إلي مصر منذ البداية، واليوم تجد ضالتها في إفريقيا، برغم أنها لن تربح شيئا من هذا الاتجاه غير صرف المليارات من الدولارات علي فكرة خاطئة ووهمية وذلك في تناقض صارخ مع مصلحة الدولة الليبية والشعب الليبي الاقتصادية والسياسية.

المصدر:الحوار المتمدن