نحو فهم سوسيولوجي للحركات الإسلامية في الوطن العربي وقدرتها على التعبئة

ثمة تربة خصبة جدا تساعد الحركات الدينية على الانتشار في الوطن العربي. وهي نفس التربة التي تعرقل الحركات العلمانية، الليبيرالية، الاشتراكية، الماركسية أو القومية، إجمالا الحركات التي يمكن أن نطلق عليها صفة العقلانية البشرية.
واعتقد أن أولها يكمن في أن الشارع الشعبي العربي العريض ما زال يحصر مفهوم العالم في رجل الدين أو علماء الطبيعة والطب والهندسة. فعالم الاجتماع أو عالم السياسة أو المؤرخ غير معترف بهم كـ علماء أمام طغيان مفهوم العالم في الدين. هناك قطيعة بين العلوم الانسانية والشارع، فهي نخبوية فلسفية محاصرة من الحكومات أولاً ومن الجماهير ثانياً. فالحكومات تري في علوم انسانية جريئة صادقة لا تعرف محرمات خطراً عليها لأنها ستعرضها بالتأكيد للنقد. ورجال الدين يحشدون الشارع ليتهموا هذه العلوم بكونها معقلاً لـ الإلحاد تارة، أو لضرب قيم المجتمع المحافظ في سبيل التغريب تارة أخرى. وهي حقيقة مستعصية نسبياً على الحركات الدينية، لأنها تمتلك بطبعها آليات ابستمولوجية تعتمد علي الشك والتساؤل والحيرة والاستعداد للتراجع وإعادة التفكير في المواضيع ونتائج البحث. ونلاحظ كثيراً أن الإسلاميين خريجي هذه العلوم يتميزون بالليبرالية والاعتدال علي عكس زملائهم الاسلاميين في العلوم الصحيحة الذين لا يؤمنون إلا بمنطق الإطلاق والقوانين النهائية وأن الحقيقة واحدة لا جدال فيها، في حين أن الحقيقة الاجتماعية متنوعة ومتناقضة لذلك نجدها ثرية وجذابة لعلماء الاجتماع ومنفرة للتقنيين والدينيين المتزمتين.

بين العوامل المادية والعوامل الثقافية

يستخدم عالم الاجتماع التونسي الدكتور عبد الباقي الهرماسي تعبير الاحتجاج الديني ليصف ظاهرة انتشار الحركات الاسلامية في الوطن العربي. ومقاربته المتأثرة بالفكر الغربي عادة تعتمد مقولة العوامل المادية في بروز الحركات السياسية. الفكرة في أصلها ماركسية لكنها أصبحت مستخدمة كثيراً في العلوم السياسية الأمريكية. أحاول في هذا المقال ان أبين مدى صحة مثل هذا التحليل ومدي حدوده، وهل للعامل الثقافي دور في انتشار دعوة سياسية :

الطبقة المتوسطة كدائرة أساسية في التعبئة

تشتمل الطبقة المتوسطة في كل المجتمعات علي فئات اجتماعية – مهنية متعددة ومتنوعة. نجد الموظفين الذين يرتبطون عادة بأجهزة دولهم من خلال الرواتب التي تدفع إليهم شهرياً. وهم عادة عاجزون عن معارضة شديدة لحكوماتهم في الدول غير الديمقراطية لأن أي معارضة جادة من جانبهم ستؤدي بهم إلى البطالة بعد الطرد من الوظيفة. ومن ثمة يجدون أنفسهم مضطرين إلى البقاء أوفياء للحكومة وعدم معارضتها علناً نظراً لمصالحهم الاقتصادية المالية. فقط المستقلون مالياً يستطيعون مواجهة السلطة بعنف. هذه الفئة تتجسد عادة في صغار التجار ومتوسطيهم. لقد مثلوا مصدراً تمويلياً هاماً لكثير من الحركات الإسلامية العربية. وأفضل مثال على ذلك هم الإخوان المسلمون. ويجب التذكير بالدور الفاعل الذي لعبه التجار في إيران من أجل إنجاح الثورة الاسلامية في كانون الأول (ديسمبر) 1979. ومن الممكن تفسير ظاهرة دعم التجار الصغار والمتوسطين في هذه الحركات كالتالي:
يمول التجار الصغار الحركات الإسلامية لأنها تناضل ضد تحالف كبار القادة السياسيين والعسكريين والأمنيين مع كبار التجار الذين يمتلكون احتكار التصدير والتوريد من الخارج. ومن ثمة فهم يدافعون عن مصالحهم الاقتصادية بانضمامهم إلى هذه الحركات.
ومن الواضح وجود معاناة دائمة لصغار التجار ومتوسطيهم بسبب الاحتكار الذي تمارسه فئة كبار الموردين الذين يتعاونون بدورهم مع كبار الضباط العسكريين والأمنيين والشخصيات السياسية النافذة. والأكثر من ذلك فإن هذا الاحتكار يمكنه تثبيت أسعار السلع التي يبيعها للصغار والمتوسطين (طبعاً ككل الفئات المتوسطة في جميع المجتمعات نجدها في تردد بين الانضمام الي طبقة المستغلين أو الذين يقع عليهم الاستغلال. وعادة تنقسم علي نفسها في مثل هذه الحالات) فيحدد من هامش ربحهم، وهو يهيمن على السوق بشكل واسع ويمنع الصغار من مضاعفة أنشطتهم وأرباحهم وتراكم رؤوس أموالهم ومن ثمة ارتقائهم إلى صفوة كبار التجار والتسلق طبقياً. وهذا يفسر الدعم الهائل الذي لقيته هذه الحركات من قبل هذه الفئة كما يفسر امكانياتها المادية الهائلة التي وظفت في حملاتها السياسية والانتخابية في حالة ما توفر لها إمكانية النشاط السياسي. كل ذلك نتيجة للاستقلال الاقتصادي لهذه الفئة عن الدولة وعدم ارتباطهما في علاقات مصالح مشتركة.
التراجع في حال وجود ضربات أمنية قوية
لكن، الملاحظ أن هذا الدعم الهائل لن يستمر بالكثافة التي شهدتها البدايات الأولى. فعندما تضرب الأجهزة الأمنية بشدة أنشطة صغار ومتوسطي التجار فإن كثيرا منهم ينقلب على الحركات الإسلامية ويتخلى عنها بسبب مصالحه المالية المباشرة. هذه الفئة الاجتماعية بطبيعتها التاريخية تتجنب العنف وتفكر دائماً بمنطق الربح والخسارة. وحينما بدا لها أن رهان الحركات الإسلامية في الوصول إلى السلطة أصبح رهاناً خاسراً وأن الدولة العربية لم تسقط وإنما علي العكس ازدادت قوة، انقلبت على مواقفها السابقة وناشدت السلامة. بقي أن فئة أخرى، هي فئة المهمشين، لم تعش التجربة نفسها حيث غذت الإسلام المسلح بكل قواها وطاقاتها.

المعدمون المهمشون

يعرف فيلفرادو باريتو المهمشين علي أساس أنها طبقات دنيا مستعدة لاستخدام مكثف للعنف، ويبرز في فقرته رقم 2057 من بيان علم الاجتماع العام أن الثورات تحدث نتيجة إما بسبب إبطاء في عملية دوران النخب، أو بسبب آخر، حينما تتراكم عناصر ذات صفة دنيا في الطبقات العليا، هذه العناصر التي لا تمتلك مواقع داخل السلطة، تتجنب استخدام العنف، أما في الطبقات الدنيا فتنمو فيها عناصر ذات صفات عليا تمتلك القدرة أو الإمكانية للحكم وهي مستعدة لاستخدام العنف . يسمي باشلار هذه العناصر بـ “الرعاع” ويعرفها بكونها المجموعة التي تضم كل المطرودين من النظام الاجتماعي. ويعتقد الباحث الفرنسي ايف لاكوست أن كثيراً من المراقبين يفسرون ظهور الحركات الإسلامية وانتشارها السريع بسبب تفاقم البطالة ، ذلك أن البطالة وصلت إلى شريحة كبيرة جداً من السكان وأغلبهم من الشباب. وهؤلاء الأخيرين، نظراً لتهميشهم من قبل المجتمع سيشكلون الاحتياط الأكبر الذي يزود الجناح الأكثر تطرفاً للحركات الاسلامية التي استخدمت السلاح.

وكمثال، يحلل في نفس السياق عالم الاجتماع الفرنسي جاك فونتان في مقاله “أحياء فقيرة والتصويت الاسلامي في الجزائر” ظاهرة تفشي الفقر وانتشار الحركات الاسلامية في المدن الجزائرية. فيجد علاقة سببية بين الفقر والاقتراع لصالح الجبهة الاسلامية للانقاذ. ويستنتج أنه خلال انتخابات حزيران (يونيو) 1990، كان التصويت لصالح الاسلاميين أكثر أهمية في المدن منه في الريف. وتكرر نفس الشيء في انتخابات 1991 أثناء الانتخابات التشريعية في كانون الأول (ديسمبر) 1991. ففي الجزائر العاصمة اكتشف أن الجبهة الاسلامية للانقاذ تحصلت علي أعلى معدل للأصوات في الدوائر الأكثر فقراً . يشترك مع الجميع المستعرب الفرنسي فرانسوا بيرغا، فيؤكد أن معارضة الانقاذ تعكس غياب وجود توزيع عادل للريع النفطي بين كافة فئات الشعب حيث لا يستفيد منه إلا القلة من الأفراد المرتبطة بالنظام. وفي المقابل فإن الجماعات التي تنضم بشكل طبيعي إلى المعارضة الإسلامية هم، منطقياً، أولئك الذين لم تصلهم فوائد الريع النفطي التي يوزعها النظام .

الصدام بين الإسلام التقليدي وإسلام المدينة الجديد

من الواضح أن الحركات الإسلامية في الوطن العربي مرتبطة شديدة الارتباط بالمدينة، أي هي حركات مدينية وليست فلاحية. فالريف العربي يرفض عادة الإسلام السياسي، لأنه ببساطة لا يري نفسه في حاجة إلى دروس في الإسلام من المدينة التي عادة ما يحتقرها ولا يراها فاضلة بالمعني الديني والأخلاقي. إضافة إلى ذلك حافظ الريف علي البنى التقليدية وأهمية موقع الشيوخ والكبار في السن في التأثير الاجتماعي وتشبث باعتقاد أفضليته الأخلاقية علي المدينة وكونه ممثلاً للنقاء الاجتماعي ولاحترام العادات والتقاليد. أما إسلاميو المدن فأغلبهم شباب متمرد علي سلطة الشيوخ ويفسرون القرآن بطريقة ثورية خاصة بهم. لكن في المقابل يجب أيضاً ملاحظة أن إسلاميي المدينة تعود أصول أغلبهم إلى الريف، فهم نتيجة النزوح العشوائي الذي قامت به أسرهم في سنوات الخمسين والستين والسبعين من القرن الماضي وكذلك نتيجة فشلهم في الاندماج في الحياة الحضرية.

نحو نقد التفسير المادي

لا بد من مشاركة ملاحظة المؤرخ الجزائري محمد حربي في قوله أن التركيبة الاجتماعية لتنظيم الانقاذ تكشف لنا، في أكثر من مجال، مدى انغراس الإسلاميين في كافة طبقات الشعب . هذه الملاحظة الجادة تدفعنا إلى أكثر من تساؤل وتجعل من بعض تحاليلنا المادية السابقة مسألة نسبية. فالأسئلة التي يجب طرحها عديدة، لعل أهمها: لماذا تشمل الحركات الإسلامية على فئات وطبقات مختلفة ومتنوعة في الآن نفسه ( ما هي المصلحة الاقتصادية الاجتماعية التي تدافع عنها؟ كيف نفسر تواجد أو تعاطف شخصيات سياسية كثيرة معها سبق أن خدمت الأنظمة العربية نفسها. ما هي النتائج التي توصلنا اليها ويجب علينا الآن تحجيمها؟ أليس إلحاحنا وإلحاح العلوم السياسية الغربية خاصة على العوامل الموضوعية أي الاقتصادية المادية ودورها في ظهور الحركات السياسية بصفة عامة والحركة الاسلامية بصفة خاصة أمراً مبالغاً فيه؟ ألا تحد هذه العوامل من ذاتية الحركات الاسلامية ودينامية عملها الداخلية المستقلة نسبياً عن عوامل المحيط؟ نريد أن نقول وماذا عن العوامل الثقافية، أي الذاتية، أي تلك المرتبطة بالدينامية الداخلية لأي حركة اجتماعية تعبوية؟

المقاربة الثقافية تحد من المقاربة المادية

في مقال شهير له حول الثورة الايرانية عنوانه “الفرصة البنيوية وتصور الفرصة في نظرية الحركة الاجتماعية: الثورة الايرانية “1979 ، يضع عالم السياسة شارلز كرزمان محل تساؤل دور العوامل الموضوعية المادية في إنجاح الثورة الايرانية. فهو يعتقد، أنه علي عكس ما نعتقده حول الثورة الإيرانية، فالعوامل المادية كانت في صالح الشاه وليست ضده. ويبين حصول الثورة رغم الرفاهية الاقتصادية العامة التى سادت البلاد، ورغم الدعم الخارجي الأمريكي الذي استمر لآخر لحظة، ورغم وحدة الجيش الامبراطوري ووفائه وطاعته للامبراطور… ورغم كل ذلك حدثت الثورة، والسبب حسب رأيه يكمن في الدينامية الذاتية الداخلية للثورة التي كانت شديدة القوة بمعزل عن المحيط حتى أنها نجحت رغم قوة الخصم ووجود دعائم كثيرة لديه. فهو يؤكد إذن علي العامل الذاتي.

العوامل الثقافية التاريخية

ونحن بدورنا اليوم ندرك أن بعض الأحداث السياسية الكبيرة ساهمت في دعم الحركة الاسلامية في الوطن العربي، لنذكر أولاً بنكسة 1967 التي انتكس معها، ايديولوجياً، مشروع الحداثة الناصرية وأنتجت عودة الإسلام السياسي بشكل قوي كبديل عن الاشتراكية العربية الوحدوية، ثم مجيئ الثورة الإيرانية ونجاحها الذي شد إليه كثيراً من الشباب العربي فتدعم الخيار الديني بهذا الحدث الكبير. بالنسبة إلى حالة الجزائر يذكر الزعيم الماركسي الجزائري هاشمي الشريف دور نجاح ثورة الخميني فيقول: “مثلت هذه الفرصة الثمينة، بالنسبة إلى الأصولية على الصعيد الوطني، ظرفاً عالمياً جيداً حتي تنطلق مستفيدة منه…” . أخيراً، يمكننا القول أن حرب الخليج الثانية إضافة إلى الحظر الدولي الذي تم ضد ثلاثة بلدان عربية هي العراق، ليبيا والسودان ونهاية الحرب الباردة التي اضمحلت معها الشيوعية العالمية، ثم سقوط بغداد العملي والرمزي سنة 2003 واحتلالها… جعل الحركات الاسلامية تنفرد بالمقاومة ضد ما سمي بـ “النظام العالمي الجديد” ، كما يمكننا التنبيه إلى أن الصعود القوي للحركات الاسلامية في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات هو إفراز لانتشار فكرة مشروع “النهضة الاسلامية الكبري” أكثر منه إفرازاً لدور البطالة والأزمات الاقتصادية وإلا كيف نفسر تواجد هذه الحركات لدى بلدان الخليج العربي الغنية بنفطها وبدخلها الفردي الخام؟ وفي نفس الإطار يمكننا التساؤل أيضاً: ما الذي يدفع بملياردير كأسامة بن لادن للتضحية بكل شيء في حياته من أجل ما يسميه ب”القضية الاسلامية” !
وحتى نختم هذا المقال بشكل متوازن لا بد من إعادة التركيب لنستنتج أن كافة هذه العوامل سهلت مهمة الإسلاميين. وبقطع النظر عن طغيان الأسباب المادية أو الأخرى الثقافية. فهي، مجتمعة، ساهمت في تغذيتها وساعدتها على الانتشار. واستخدمت الحركات الإسلامية خطابا شعبويا استطاعت من خلاله اختراق كافة الطبقات والفئات السوسيومهنية المختلفة.

المصدر:الحوار المتمدن